تسعى قبرص للحصول على ضمانات أمنية كبرى وتعميق التشاور مع المملكة المتحدة حول الترتيبات الأمنية المنظمة لوجود القواعد العسكرية البريطانية على أراضيها، في خطوة تعكس قلقا متزايدا لدى نيقوسيا تجاه الهجمات التي بلغ مداها هذه الجزيرة الواقعة في البحر المتوسط، في ظل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
فقد كشف تقرير لصحيفة تلغراف البريطانية -أمس الثلاثاء- أن قبرص تريد ضمانات أمنية أكثر فاعلية، بعد تعرض الجزيرة لهجمات بطائرات مسيّرة إيرانية استهدفت الوجود العسكري البريطاني على أراضيها.
وتوجد في قبرص قاعدتان عسكريتان بريطانيتان في "أكروتيري" و"ديكيليا"، وهما من أبرز نقاط الارتكاز العسكري البريطاني القريب من شرق المتوسط، وقد أُنشئتا بموجب اتفاق بين البلدين في سنة 1960 منح لندن سيادة مباشرة عليهما.
ووفق ما أوردته تلغراف، تُستخدم القاعدتان أيضا في إطار تعاون عسكري مع الولايات المتحدة، بما في ذلك استضافة تجهيزات وطائرات أمريكية، وهو ما يضفي عليها بعدا إستراتيجياً أمريكيا يتجاوز الدور البريطاني المباشر.
ويأتي هذا التوجه في ظل تقييم قبرص للمخاطر الأمنية المحتملة لوجود القاعدتين على أراضيها إثر هجمات بطائرات مسيّرة وُصفت بأنها "مفاجئة"، مما أثار تساؤلات لدى نيقوسيا حول مدى جاهزية بريطانيا لحمايتها، وكذلك حول انعكاسات استخدام القاعدتين في صراعات إقليمية دون تنسيق وثيق مع السلطات القبرصية.
وشكّلت الهجمات إحراجا لبريطانيا التي لم تكن تملك سفنا حربية في المنطقة آنذاك، وفق الصحيفة. وفي المقابل، تولّت سفن فرنسية حماية قبرص بعد أن طلبت الجزيرة دعما من شركائها في الاتحاد الأوروبي. ولم تصل المدمرة البريطانية "إتش إم إس دراغون" إلى البحر المتوسط إلا بعد ثلاثة أسابيع من الهجمات التي وقعت بين 1 و4 مارس/آذار الجاري.
وواجهت بريطانيا تساؤلات محرجة عن مدى قدرتها على حماية القاعدتين العسكرتين، خاصة بعد إصابة مستودع يستخدم لإيواء طائرتيْ تجسس أمريكيتين من طراز U-2 في قاعدة "أكروتيري"، بحسب "تلغراف".
وبعيدا عن المخاطر العسكرية، ألقت هذه التطورات بظلالها على الوضع الاقتصادي في قبرص، وخاصة قطاع السياحة الذي يعد أحد أعمدة اقتصادها، إذ يمثل نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي. ووفق ما أوردته صحيفة "تلغراف"، جاءت الهجمات في توقيت "حساس" مع توافد السياح، مما أثار مخاوف من تداعيات سلبية على هذا القطاع، لاسيما أن المملكة المتحدة تُعد المصدر الرئيسي للزوار إلى الجزيرة.
وتسعى قبرص -وفق الصحيفة- إلى تعزيز آليات التشاور المسبق مع المملكة المتحدة، والحصول على معلومات استخباراتية أوفى بشأن طبيعة العمليات العسكرية التي قد تنطلق من هذه القواعد العسكرية.
ولا تسعى قبرص -بحسب التقرير- إلى إنهاء الوجود العسكري البريطاني تماما، بل إلى إعادة صياغة العلاقة الأمنية بشكل يضمن إشراكها بشكل أكبر في القرارات التي قد تؤثر على أمنها، خاصة في ظل تصاعد التوتر الإقليمي واتساع رقعة الضربات المتبادلة.
في المقابل، تتمسك بريطانيا -وفق الصحيفة- بموقفها الرافض لإعادة التفاوض على الوضع القانوني للقواعد، مؤكدة أن سيادتها عليها ثابتة رغم استقلال قبرص عن بريطانيا في 1960.
كما شددت بريطانيا على أهمية أمن الجزيرة، وتعهدت بعدم استخدام قواعدها العسكرية في عمليات هجومية ضد إيران، في محاولة لطمأنة الجانب القبرصي. ولم تنضم بريطانيا رسميا إلى الولايات المتحدة وإسرائيل في حربهما على إيران.
ومن جانب آخر، أكدت وزارة الدفاع البريطانية الثلاثاء أن مناطق القواعد ذات السيادة لم تكن يوما جزءا من جمهورية قبرص، مشددة على أنه لا توجد أي نية لتغيير هذا الوضع، وفق ما نقلته وكالة رويترز.
وتعكس هذه التطورات تحوّلا في مقاربة قبرص لملف الأمن، حيث لم تعد الترتيبات القديمة كافية في نظرها لمواجهة تحديات إقليمية متسارعة، في وقت تفرض فيه الحرب على إيران واقعا أمنيا جديدا يدفع الدول الصغيرة إلى البحث عن ضمانات أوضح وشراكات أكثر توازنا، وفق تلغراف.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة