بيروت- "كنا نُحضّر زينة رمضان مع أطفالي، ننتظره كل عام بفرح، لكن لم أتخيل يوما أن نصومه في الشارع"، بهذه الكلمات تختصر أم حسين، النازحة من الضاحية الجنوبية لبيروت، حكاية نزوح قاس من منزل واسع إلى خيمة مهترئة على الواجهة البحرية للعاصمة، لا تتجاوز كونها "قطعة قماش" بالكاد تقي عائلتها برد الليل.
تجلس أم حسين داخل خيمتها الضيقة التي تؤوي 6 أفراد، وتحاول أن تستعيد ملامح حياة كانت قبل أسابيع فقط أمرا بديهيا، وتقول للجزيرة نت إنها كانت تملك منزلا مؤلفا من 3 غرف، تعيش فيه مع عائلتها بكرامة، قبل أن تدفعها الغارات الإسرائيلية إلى النزوح.
تضيف بحسرة "في رمضان كانت المائدة تجمعنا، لَمّة العيلة كانت تعادل الدنيا، اليوم نلتف حول الخيمة، ننتظر طعاما من مبادرات فردية. لم نعتد هذا، ما نعيشه أكبر من قدرتنا على التحمل".
في الخيمة المجاورة، تشاركها أم علي الوجع ذاته، لكن بصوت يختلط فيه الغضب بالحزن، تقول للجزيرة نت إن رمضان الذي كان موسما للعبادة والسكينة تحول إلى اختبار قاس.
وتضيف "كنا ننتظره للصلاة وقراءة القرآن، لكننا اليوم ننتظر لقمة الطعام، هل هناك ظلم أكثر من أن يُحرم الإنسان حتى من طاعته؟ حتى المصحف لم نتمكن من إحضاره معنا"، وكلماتها تعكس شعورا عاما لدى كثير من النازحين، حيث تتراجع تفاصيل العبادة أمام ثقل الحاجة اليومية.
أما فاطمة، النازحة من مرجعيون، فتحاول أن تلبس معاناتها ثوب الصبر. وتقول للجزيرة نت إنهم مضطرون للتحمل، "لأن شبابنا يدفعون حياتهم دفاعا عنا وعن أرضنا"، لكنها لا تخفي مرارة الغياب الكامل للدولة، سواء من جانب الحماية أو تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة.
تضيف: "نعيش في الساحات لأنه لا أحد يسأل عنا، كل شيء ناقص، حتى الحمامات غير موجودة. ماذا نفعل؟ هل هناك أسوأ من هذا؟".
ورغم قسوة الواقع، فإن فاطمة، كما غيرها، تتمسك بأمل العودة، "سنصبر وسنبقى هنا إلى أن نعود إلى قرانا وبيوتنا مرفوعي الرأس".
ولا تختلف قصة أبو محمد كثيرا، لكنه يرويها بصمت أثقل من الكلمات؛ يجلس إلى جانب زوجته وأطفاله الأربعة أمام خيمتهم الصغيرة، يحاول أن يُخفي قلقه خلف ابتسامة متعبة.
يقول للجزيرة نت إنه كان يعمل في محل تجاري في حارة حريك بالضاحية الجنوبية ويؤمّن لعائلته حياة مستقرة، قبل أن يجد نفسه فجأة في الشارع، عاجزا عن تأمين أبسط احتياجات أطفاله.
تشير زوجته إلى أطفالها الذين يفترشون الأرض قائلة: "أصعب ما في الأمر ليس الجوع، بل عجزنا أمامهم"، يطلب أحد الأطفال ماء، في حين يسأل آخر عن موعد العودة إلى البيت، سؤال يتكرر يوميا ولا يجد جوابا. يضيف أبو محمد: "في رمضان الماضي، كنا نجتمع حول المائدة، اليوم نجتمع لنقنع أولادنا أن هذا الوضع مؤقت".
أما عباس، فقصته تحمل وجعا من نوع آخر، يعيش وحيدا في خيمة صغيرة، بينما توزعت عائلته بين مناطق مختلفة بعد النزوح، زوجته عند أقاربها في منطقة بعيدة، وأطفاله لدى أقارب آخرين.
يقول للجزيرة نت إن أقسى ما يعيشه اليوم ليس ضيق المكان ولا قلة الطعام، بل غياب "لَمّة العيلة" التي كانت تمنح رمضان معناه.
يضيف عباس وهو ينظر إلى الخيمة الخالية: "في كل رمضان، كنا نجتمع حول المائدة، نضحك ونتبادل الأحاديث، اليوم أفطر وحدي"، يحاول أحيانا الاتصال بعائلته، لكن ضعف الاتصالات وظروفهم المتفرقة تجعل التواصل متقطعا، وكأن المسافات بينهم أكبر من مجرد كيلومترات.
ويتابع بصوت خافت "رمضان بلا عائلة ليس رمضان، الخيمة أضيق من أن تحتمل هذا الغياب" بالنسبة له، لم يعد الشهر موسما للعبادة والدفء العائلي، بل تذكيرا يوميا بما فقده، وبحياة تفرّقت كما تفرّق أفراد أسرته.
ومع اقتراب موعد الإفطار، تجلس أم خالد على الأرض، تحيط بها أطفالها بانتظار وجبة قد تصل في اللحظات الأخيرة أو لا تصل، تراقب الشمس وهي تغيب ببطء، في حين يزداد توتر الأطفال الذين لم يذوقوا الطعام منذ ساعات طويلة.
تقول للجزيرة نت: "في رمضان كنا نُحضّر مائدة الإفطار قبل المغرب بساعات، اليوم ننتظر صدفة"، تشير إلى بعض الأكياس القليلة التي وُزعت في الساحة، وتضيف: "لا توجد جهة مسؤولة؛ كل شيء عشوائي، ففي يوم نحصل على طعام، وفي آخر نبقى بلا إفطار."
على بعد أمتار، يقف أبو أحمد حاملا وعاء فارغا، يتنقل بين الخيام بحثا عمّن قد يشاركه ما تيسر من الطعام، يقول: "رمضان شهر الكرامة والتكافل، لكننا هنا نشعر أننا متروكون، لا ماء منتظم، لا كهرباء، ولا حتى وجبات منظمة للنازحين"، يتوقف لحظة قبل أن يضيف: "نطالب فقط بأن يكون هناك تنظيم، أن تتحمل الدولة مسؤوليتها".
ومع أذان المغرب، يبدأ بعض المتطوعين بتوزيع وجبات محدودة، لا تكفي للجميع، يتدافع الناس بصمت ثقيل، كلٌّ يحاول أن يضمن نصيب أطفاله.
في زاوية الساحة، تجلس امرأة مسنّة تكتفي بكوب ماء، بعدما لم تصلها أي حصة. تقول بصوت خافت "لم أتخيل أن يأتي رمضان وأفطر على الماء فقط".
ومع تكرار المشهد يوميا، ترتفع أصوات النازحين مطالبة بتدخل رسمي عاجل، يقول أبو أحمد "نحن لا نطلب الكثير، فقط حد أدنى من الكرامة في هذا الشهر، رمضان ليس انتظار المساعدات، ولا صراعا على وجبة إفطار".
على الواجهة البحرية لبيروت، يختصر المشهد عمق الأزمة الإنسانية التي تتفاقم مع اتساع رقعة النزوح، حيث يفترش نازحون الساحات العامة بعدما أُغلقت في وجوههم مراكز الإيواء التي بلغت طاقتها القصوى، ويلجؤون إلى خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة.
يومهم الرمضاني لم يعد كما كان، إذ يبدأ بقلق البحث عن لقمة تسدّ الجوع، وينتهي بمحاولات العثور على مكان يصلح لإفطار أو مبيت، في ظل شحّ المساعدات وغياب الحد الأدنى من الخدمات.
ورغم رفض كثير من النازحين التوجه إلى بعض مراكز الإيواء بسبب الاكتظاظ وسوء الأوضاع داخلها، مفضّلين البقاء في العراء على أمل أن تكون إقامتهم مؤقتة إلى حين العودة إلى منازلهم، تتصاعد أصواتهم مطالبة الدولة اللبنانية بتدخل عاجل يخفف من معاناتهم، ويعيد إليهم شيئا من كرامة العيش التي سلبتها الحرب.
ووفق التقرير اليومي الصادر عن وحدة إدارة مخاطر الكوارث في السراي الحكومي بتاريخ 17 مارس/آذار، ارتفع عدد مراكز الإيواء المفتوحة إلى 631 مركزا، تضم أكثر من 133 ألف نازح، يمثّلون نحو 33 ألف عائلة، في وقت تتواصل فيه حركة النزوح مع استمرار الأعمال العدائية بوتيرة مرتفعة.
كما يشير التقرير إلى تزايد الخسائر البشرية منذ استئناف القصف الإسرائيلي على لبنان في الثاني من مارس/آذار، حيث بلغت الحصيلة التراكمية 912 شهيدا و2221 جريحا، مما يضاعف الضغوط على الجهات الإغاثية والخدماتية التي تواجه صعوبة متزايدة في تلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة