آخر الأخبار

وصلنا إلى ذلك.. يحلم نتنياهو فتنفذ أمريكا

شارك

استهلت القوات العسكرية المشتركة لإسرائيل والولايات المتحدة حملة قصفها على إيران، 28 فبراير/شباط 2026، ولا تزال وتيرة هذه الهجمات تتصاعد بضراوة لافتة. وقد طال الاستهداف نحو عشرة آلاف موقع مدني، كان من أبشعها استهداف مدرسة تعج بالأطفال؛ وهي مدرسة "الشجرة الطيبة" في مدينة ميناب بجنوب البلاد.

وكما جرت العادة، سعى دونالد ترمب إلى إلقاء التبعة على الإيرانيين بفرية مفادها أنهم من قتلوا أطفالهم، غير أن التحقيقات اللاحقة دحضت مزاعمه، مؤكدة أن صاروخا أمريكيا هو من أزهق أرواح ما لا يقل عن 168 طالبة.

إن هذا النمط في استباحة دماء الأطفال واستهدافهم يضرب بجذوره في حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة؛ فوفقا لدراسة أعدتها جامعة كامبريدج، دُمر أو تضرر 90% من مدارس غزة، وفقد آلاف الطلاب والمعلمين حياتهم.

إن للصهيونية الإبادية سجلا مثقلا بقتل الأطفال، وهي تمارس ذلك كإستراتيجية مدروسة لتحطيم الروح المعنوية للسكان، وإرغامهم على الخنوع والاستسلام.

فمن المؤكد أنه منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، أزهقت أرواح 18 ألفا 430 طفلا فلسطينيا ممن تم التحقق من هوياتهم في غزة، بينهم عدد مروع من الرضع: 937 لم يبلغوا عامهم الأول، و486 دون الأشهر الستة، فضلا عن العشرات ممن قتلوا وهم لم يتجاوزوا اليوم أو اليومين من العمر.

كما تشير التقديرات إلى أن قطاع غزة بات يضم قرابة 40 ألف يتيم، و17 ألف طفل جريح لم تبقَ لهم عائلة على قيد الحياة، بالإضافة إلى أكبر تجمع للأطفال مبتوري الأطراف في العالم؛ ولم يكن ذلك أبدا من قبيل المصادفة، بل هو استهداف عن سبق إصرار وتعمد.

تقع التبعة المباشرة لهذه المقتلة الجماعية، بطبيعة الحال، على كاهل الجيش الأمريكي، بيد أن جذور هذه الحرب المتجددة على إيران لا تكمن في الولايات المتحدة، بل في إسرائيل؛ ذلك الكيان الاستيطاني الاستعماري الذي بات اليوم بمثابة ثكنة أمامية لإمبراطورية أمريكية تعاني الاختلال.

إعلان

إن إسرائيل هي من تتحمل المسؤولية وحدها عن كل قتل جماعي أو نازلة تحل بإيران، على النحو الذي أمعنت فيه في فلسطين، ولبنان، وسوريا، واليمن؛ فقد استدرج بنيامين نتنياهو، الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مرغما ليكون ظهيرا له في هذه الحرب غير القانونية، واللاأخلاقية، والبربرية.

فطبيعة الرئيس الأمريكي تسهل على الشخصيات الانتهازية -أمثال نتنياهو- استغلاله، وذلك بالرغم من تصاعد حدة المعارضة ضد ترمب وكذلك الحزب الجمهوري، وفي ظل سطوة اللوبي الإسرائيلي في هذا البلد.

لقد ناصبت إسرائيل الجمهورية الإسلامية العداء وسعت لمهاجمتها منذ عقود؛ إذ لم يكن ثمة "حلم وردي" يراود مخيلة بنيامين نتنياهو- مجرم الحرب المطارد من العدالة الدولية والمتهم الرئيس بالإبادة الجماعية في غزة- سوى تحريض الأمريكيين واستدراجهم لغزو إيران.

وبينما كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتحلى بقدر من الكياسة والاتزان يمنعها من السقوط في درك هذا الارتهان، مكتفية بإمداد إسرائيل بترسانة عسكرية ضخمة وفائقة، إلا أن ترمب- لسبب ما- بدا واجلا من الإسرائيليين، فاستسلم لغواية هذا العمل الهمجي.

وليس ثمة حاجة للانجراف خلف التكهنات القائمة على نظرية المؤامرة بشأن "ملفات إبستين" وضلوعه فيها؛ فما انفكت حتى الصحف الأكثر انحيازا لإسرائيل- مثل "نيويورك تايمز"- تتقصى دورا لترمب في تلك الملفات.

أما الصحافة التي تتحلى بقدر من الاستقلالية- كـ"الغارديان"- فلا تتوانى عن كشف ورود اسم ترمب في سجلات إبستين. بل إن عملاء مكتب التحقيقات الفدرالي قد أكدوا أن إبستين كان جاسوسا إسرائيليا يعمل بدأب لصالح المصالح العليا لتلك المستعمرة الاستيطانية.

ولا يشي أي من هذا بأن ترمب قد شايع إسرائيل في عدوانها على إيران، أو ارتهن كليا للصهاينة المتشددين؛ بسبب ذلك، إذ إن الرجل يتباهى بمسلكه ولا يواري شيئا.

بيد أن علاقة المصالح المشتركة بين النخب الحاكمة في أمريكا، وأوروبا، وإسرائيل تجد نقطة التقاء فريدة في ملفات إبستين وجزيرته المروعة، حيث انغمسوا جميعا في ممارسات شيطانية.

إن العلة في كون هذه الضربة العسكرية مخططا إسرائيليا في المقام الأول، تكمن في سبب جلي للغاية؛ إذ تقوم رؤية نتنياهو وطموحه لإرساء ملامح "إسرائيل الكبرى" على عقيدة التفوق اليهودي، التي تتماهى اليوم تماما مع الأطروحات السامّة للسفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي، وما يروج له من أوهام صهيونية مسيحية حول "عقد إلهي" مع إسرائيل يسعى جاهدا لتحقيقه.

وفي سياق متصل، صرح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو علانية بأن إسرائيل هي من استدرجت الولايات المتحدة وأرغمتها على شن هذا الهجوم.

إن هذا العدوان الإسرائيلي على إيران لا يمثل سابقة في استباحة سيادة الدول؛ إذ انطلقت شرارة الجولة الأخيرة في يونيو/حزيران 2025، مدفوعة مرة أخرى بمؤازرة ترمب وتحريضه.

وقبل هذا التاريخ، كان لإسرائيل باع طويل في انتهاج سياسة الاغتيالات، وأعمال التخريب، والتحريض المستمر ضد إيران، متذرعة بادعاءات كاذبة مفادها أن طهران تمضي في طريق تطوير ترسانة نووية.

إعلان

ويكفي إلقاء نظرة فاحصة على ما حل بلبنان، وسوريا، واليمن، وفلسطين، لإدراك الدوافع والمآلات التي أدت إلى إدراج إيران ضمن هذه القائمة؛ فالمقصد أولا هو صرف الأنظار عن حرب الإبادة الجماعية في غزة، وثانيا تحويل الانتباه عن التوسع العدواني وضم الضفة الغربية، وثالثا إرساء الركائز والمخططات الرامية لتجسيد مشروع "إسرائيل الكبرى".

إن من الأهمية بمكان أن يدرك العالم أن السواد الأعظم من الأمريكيين يناهضون هذه الحرب، في حين تنبري الغالبية العظمى من الإسرائيليين لتأييدها.

ويبذل الصهاينة الأمريكيون جهودا مضنية لإقناع العالم بأنها حرب "إسرائيلية أمريكية" مشتركة على إيران، وذلك بغية إخراس منتقديهم ووصمهم بـ"معاداة أمريكا".

وكما هو ديدنهم، فإنهم يمعنون في التضليل. إن أغلبية الشعب الأمريكي، يعارضون هذه الحرب بفاعلية واستمرار؛ لذا فهي حرب إسرائيلية المنشأ، أُقحم فيها الأمريكيون إقحاما وقُسروا عليها قسرا.

وبخصوص ما الذي سيؤول إليه الحال عقب انتهاء فترة حكم دونالد ترمب، يبقى السؤال: هل ستتراخى يوما قبضة إسرائيل الخانقة على السياسة الأمريكية، لتفسح المجال لمئات الملايين من البشر كي يتنفسوا الصعداء، ويقرروا بحرية ما يخدم مصالحهم الحقيقية؟

يمكنني القول إن الحزب الجمهوري اليوم- وهو الحصن المنيع لعمليات منظمة "أيباك"- غارق حتى أذنيه في هندسة الدوائر الانتخابية؛ بغية إعادة تشكيل الخارطة السياسية بما يؤمن مآربه، ضاربا عرض الحائط بأدنى قيم المشاركة الديمقراطية. ولا ريب في أن اللوبي الإسرائيلي شريك أصيل في هذا التلاعب؛ لضمان مصالح إسرائيل العليا.

فضلا عن ذلك، فإن الاستثمارات الضخمة التي يضخها أثرياء صهاينة، أمثال ديفيد إليسون ووالده لاري، للاستحواذ على كبريات الشبكات الإخبارية كقناة "سي بي إس" (CBS)، وتنصيب صهاينة غلاة مثل "باري وايس" في مراكز القرار، تهدف إلى تكريس نهج مستدام من الدعاية (البروباغندا) الموالية لإسرائيل في المنعطفات الانتخابية الحاسمة.

وفي المقابل، تملك وسائل الإعلام البديلة في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية القدرة على إحداث أثر وازن يقوض هذه الآلة الدعائية الجبارة.

لقد حصحص الحق ورُسمت خطوط المواجهة؛ ففي كفة يقف العقل والمنطق والعدل، وفي الكفة الأخرى يربض الفساد والاستبداد والهمجية والخداع.

وسواء كان ترمب هو آخر رئيس أمريكي يسخّر نفسه لخدمة الصهيونية الإبادية أم لا، فإن معالم المعركة ضد هيمنة اللوبي الإسرائيلي على السياسة الأمريكية قد تمايزت بوضوح لا لبس فيه.

إن أي دولة إسلامية تلوذ بالصمت أو تتمادى في مؤازرة إسرائيل بينما تمعن الأخيرة في استباحة دماء العرب والمسلمين، إنما تخط بمسلكها هذا ملامح زعزعة استقرارها أو زوالها؛ فما تجترحه إسرائيل اليوم بحق الفلسطينيين في غزة، واللبنانيين والسوريين واليمنيين، وصولا إلى الإيرانيين، لن تتوانى عن فعله بكل دولة عربية أو إسلامية تعترض سبيل مشروع "إسرائيل الكبرى".

لذا، ليس أمام العرب والمسلمين إلا رص الصفوف والنهوض في وجه هذا العدوان، وإلا فإنهم يواجهون خطر الاندثار كحاضنة ومركز للحضارة الإسلامية.

لقد انقضى غير مأسوف عليه، عهد الانقسامات التي بذرها الاستعمار بين العرب والفرس والأتراك والباكستانيين، أو تلك التي اصطنعت بين السنة والشيعة، وما تفرع عنها من معارك فكرية ومذهبية.

إن إسرائيل وظهيرها الغربي يمثلان اليوم خطرا وجوديا يتهدد العالم بأسره، ويستهدف العرب والمسلمين بصفة خاصة؛ لقد قُضي الأمر ورُفعت الأقلام.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا