عندما أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو عن عملية "زئير الأسد" في 28 فبراير/شباط 2026، لم يجد في نفسه حاجة لإخفاء غبطته العارمة؛ إذ صرح بأن هذا الهجوم الإسرائيلي الأمريكي المشترك على إيران يمنحه الفرصة لتحقيق ما "تاقت إليه نفسه طيلة أربعين عاما".
ونادرا ما نجد قائدا عسكريا يقرّ بمثل هذا الوضوح بأن الحرب ليست إلا استجابة لطموح شخصي دفين، بدلا من كونها ردا على خطر داهم.
بيد أن نتنياهو لم يسبق له أن كان مواربا بشأن نواياه؛ فشهاداته التي أدلى بها على مدار عقود أمام لجان الكونغرس الأمريكي- محذرا، وبإلحاح دائم، من أن إيران على بُعد شهور معدودة من حيازة السلاح النووي- لم تكن سوى الذريعة المسوقة لذلك.
وعلى الرغم من تأكيدات أجهزة الاستخبارات الأمريكية مرارا وتكرارا أن إيران لا تعمل على بناء قنبلة نووية، فإن ذلك لم يكن ذا بال؛ إذ لم تكن الحرب يوما من أجل "القنبلة"، بل كانت غايتها دائما مشروع "إسرائيل الكبرى".
إن لمصطلح "إسرائيل الكبرى" ثلاثة معانٍ متداخلة، تتجلى جميعها الآن بوضوح تام:
يتمثل المعنى الأول في: الرفض القاطع حل الدولتين؛ إذ لن تقوم قائمة لدولة فلسطينية ذات سيادة إذا ما نفذ نتنياهو وائتلافه مآربهم.
فقد أُخضع قطاع غزة لما وصفته محكمة العدل الدولية والعديد من الهيئات الدولية بـ"الإبادة الجماعية"، وهو يخضع الآن لإدارة "مجلس ترمب للسلام"، وهي هيئة مخزية تفتقر إلى أي شرعية، بدلا من إدارته من قِبل الفلسطينيين.
أما الضفة الغربية، فيجري ابتلاعها عبر التوسع الاستيطاني والضم البيروقراطي. وقد صرح "هاكابي"، السفير الأمريكي، علانية بأنه لا يؤمن بوجود الفلسطينيين كشعب، مؤكدا أن "المنطقة (ج) هي إسرائيل".
وبناء عليه، فإن حل الدولتين ليس مجرد مسار متعثر، بل هو في طور الوأد والدفن.
أما المعنى الثاني فيتمثل في: الاحتكار الإسرائيلي للقوة العسكرية في عموم الشرق الأوسط؛ فقد كانت إيران آخر دولة إقليمية كبرى قادرة على فرض ردع إستراتيجي في وجه إسرائيل.
أما سوريا فقد جرى تمزيق أوصالها بالفعل، والعراق قد دُمر عام 2003؛ بتشجيع حماسي من نتنياهو نفسه أمام الكونغرس الأمريكي حينذاك. كما أن لبنان بات مدمرا بالكامل، واليمن قد أُبيد عمليا.
واليوم، ومع اغتيال المرشد الأعلى الإيراني واستهداف بنية الصواريخ التحتية فيها، تمضي إسرائيل نحو تحقيق ما طالما نشدته: منطقة لا تستطيع فيها أي دولة أو جهة غير حكومية تحدي تفوقها العسكري، أو مجابهة هيمنتها. إن ما يحدث ليس "أمنا"، بل هو "بسط نفوذ واستعلاء".
أما المعنى الثالث فهو: التوسع الإقليمي؛ وهنا سقط القناع تماما؛ إذ صرح السفير "هاكابي" للإعلامي "تاكر كارلسون" بأن حدود إسرائيل تضرب بجذورها في "الكتاب المقدس"، وأنه "لا ضير إن استولوا عليها بأكملها"- وكلمة "بأكملها" هنا تعني الأراضي الممتدة من النيل إلى الفرات.
ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل أيد "يائير لبيد"، زعيم المعارضة الإسرائيلية، الرؤية ذاتها، معلنا دعمه للتوسع الإسرائيلي "إلى أبعد مدى ممكن"، ومؤكدا أن "الحدود هي حدود التوراة".
وبالفعل، تسيطر إسرائيل حاليا على أجزاء من سوريا، ولبنان، وتتحكم في أكثر من نصف مساحة غزة. إن هذه الرؤية التوسعية لم تعد مجرد أمنيات، بل غدت هي السياسة الرسمية لإسرائيل.
بيد أن استشهاد "هاكابي" بالنصوص التوراتية يفتقر إلى الحجة حتى بمعايير تلك النصوص ذاتها؛ فالعهد الذي يستحضره من "سفر التكوين" لم يكن يوما صكا على بياض. إذ يؤكد "الكتاب العبري" صراحة أن حيازة الأرض مشروطة بالاستقامة والبر؛ فقد جاء في "سفر اللاويين" تحذير جلي بأنه إذا عصت إسرائيل أوامر الله "فسأُذرّيكم بين الأمم".
كما اختزل النبي "ميخا" العهد بأسره في مطلب واحد: "أن تصنع الحق وتحب الرحمة، وتسلك متواضعا مع إلهك". فأيّ قراءة لهذه النصوص المقدسة هي تلك التي تجعل من قتل الفلسطينيين- وجلّهم من النساء والأطفال- تجسيدا للعدل أو تجليا للرحمة؟!
كيف وصل العالم العربي إلى هذا الدرك الذي مكن وقوع هذه الكوارث برمتها؟ وكيف أضحت الدول التي يفترض أنها تحت الحماية الأمريكية تُقصف يوميا؟
لقد استُدرج العالم العربي- بمنهجية نفعية وعلى مدار عقود؛ إذ أرست الولايات المتحدة نظاما من التبعية في سائر دول الخليج، تمثل في: القواعد العسكرية، وصفقات السلاح، وطائرات "إف-15" المقاتلة، ومعاهدات الدفاع، ورقائق "إنفيديا" (Nvidia)، ومراكز البيانات، وتدفقات الاستثمار عبر شخصيات مثل "جاريد كوشنر"، الذي يدير صندوقه الآن مليارات الدولارات من صناديق الثروة السيادية الخليجية.
وفي مقابل ذلك كله، لم يُطلب من الدول العربية سوى أمر واحد: تطبيع العلاقات مع إسرائيل، بينما يوارى "السؤال الفلسطيني" الثرى في صمت.
لقد أذعن البعض؛ فصُورت "اتفاقيات أبراهام" على أنها معاهدات سلام، بيد أنها لم تكن شيئا من هذا القبيل، بل كانت ترتيبا نفعيا (براغماتيا) حصلت بموجبه الدول العربية على عتاد عسكري أمريكي، وتقنيات رقمية وغطاء دبلوماسي، في حين نالت إسرائيل أسمى أمانيها: وهو الإذعان العربي لمحو السيادة الفلسطينية.
وكلما حاول قائد عربي حقيقي رسم مسار مستقل- يرتكز على التضامن العربي ومقاومة الهيمنة الخارجية- سعت الولايات المتحدة للإطاحة به؛ فقد تكرر هذا النمط في أرجاء المنطقة لسبعين عاما، ولعل ما تعرضت له مصر في عهد "ناصر" من ضغوط ضارية ليس إلا شاهدا على ذلك.
أما فيما يخص إيران، فهي ليست العدو الطبيعي لدول الخليج؛ بل جرى تأجيج هذا التنافس بتمهيد متعمد كجزء من إستراتيجية "فرق تسد" التي تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية.
فالولايات المتحدة بحاجة لأن يظل الخليج مسكونا بالتوجس من إيران، ليواصل شراء الأسلحة الأمريكية، واستضافة القواعد، والاصطفاف مع إسرائيل.
وحين التقى وزير الخارجية السعودي بالرئيس الإيراني في الدوحة، معلنا عزمه على "طوي صفحة الخلافات مع إيران إلى الأبد"، كان حينها يصيغ الرؤية الإستراتيجية الرشيدة الوحيدة للمنطقة؛ وهي الرؤية التي أُضرمت فيها النيران الآن.
والآن، يدرك شركاء الولايات المتحدة في الخليج حقيقة مقولة كيسنجر الشهيرة: "إن عداء الولايات المتحدة أمر خطير، لكنّ صداقتها قاتلة". فبرغم كل مساعيهم، ها هم يتعرضون للقصف، وتتبخر طموحاتهم في أن يكونوا ملاذا آمنا للثروات العالمية والتجارة والسياحة وسط أتون حرب إقليمية.
إن المضي قدما بالعالم العربي يتطلب القطيعة مع هيكل التبعية للولايات المتحدة وإسرائيل الذي استغرق عقودا لبنائه.
لقد حان الوقت فعلا ليقول العالم "لا" حازمة للتوسع الإسرائيلي والنزوع لقرع طبول الحرب؛ فالجميع اليوم يدفع الثمن مع الكارثة الاقتصادية العالمية التي تتبدى فصولها جراء الهجوم الإسرائيلي الأمريكي.
إن القواعد العسكرية الأمريكية يجب أن ترحل؛ فهي ليست درعا لحماية الدول المضيفة، بل هي مغناطيس يجذب القذائف والدمار.
وعلى الدول العربية أن تنسج علاقات عمل وثيقة مع كافة القوى الكبرى-الصين، والهند، وروسيا، وتركيا، والاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي- بدلا من البقاء حبيسة المدار الأمريكي الحصري.
بل إن على الدول الإسلامية، من خلال منظمة التعاون الإسلامي، أن تشرع في محادثات مباشرة وعاجلة مع دول مجموعة "بريكس" (BRICS).
كما يجب إنهاء "اتفاقيات أبراهام" وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل، إلى أن يتم قبول دولة فلسطين ذات السيادة عضوا في الأمم المتحدة؛ فحينها فقط يمكن للمسار التطبيعي أن يمضي. إن التطبيع دون قيام دولة فلسطينية ليس سلاما، بل هو تواطؤ في حروب الهيمنة الإسرائيلية.
والأمر الأكثر إلحاحا: هو أن تعمل إيران ودول الخليج، بوصفها أمما ذات أغلبية مسلمة، سويا لإيجاد حل دبلوماسي للأزمة الراهنة. وعلى الولايات المتحدة أن تعود أدراجها، وعلى إسرائيل أن تكف عن القصف؛ إذ إن كل صاروخ يُتبادل بين الدول المسلمة ليس إلا نصرا لمشروع "إسرائيل الكبرى".
لقد أخبرنا نتنياهو بنفسه أن هذا هو حلم الأربعين عاما بالنسبة له، ولكنه كابوس العالم أجمع. ويبقى السؤال: هل سيستمر العالم العربي في غفلته سائرا في هذا الكابوس، أم سيتيقظ ليلبي النداء الأزلي الذي تشترك فيه الأديان الإبراهيمية الثلاثة؛ وهو أن السلام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم إلا على صرح العدل، لا على الهيمنة الأمريكية أو الإسرائيلية.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة