في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كانت حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل على إيران مفاجئة بالنسبة للكثير، فقد كان هناك تقدم ملموس بالمفاوضات، مما طرح سؤالا جوهريا: هل دخلت أمريكا هذه الحرب بإرادتها أم أنها جُرّت إليها؟
وقدمت 3 صحف ومواقع أمريكية إجابات مختلفة عن هذا السؤال، فبينما أصر إنترسبت على تبعية واشنطن، دافعت وول ستريت جورنال عن "إرادة البيت الأبيض السياسية" وحرية قراره، وعدّ مقال نشره موقع بلومبيرغ الحرب إعلانا صريحا لعمق التحالف الأمريكي الإسرائيلي.
أكد مراسل موقع إنترسبت نيك تورس أن الولايات المتحدة "جُرّت" إلى الحرب الحالية مع إيران بسبب خطة إسرائيلية مسبقة لضرب طهران.
هذه الحرب تسمح لنا بفعل ما كنت أتوق إليه طوال 40 عاما وهو ضرب نظام الإرهاب ضربة قاصمة. هذا ما وعدت به، وهذا ما سنفعله
بواسطة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو
واستند في ذلك إلى قول وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أول أمس الاثنين، إن الضربة الأمريكية الاستباقية على إيران جاءت بعد وصول معلومات بأن إسرائيل ستهاجمها لا محالة، وأن ذلك سيؤدي حتما إلى رد إيراني على القوات الأمريكية في المنطقة.
وقال روبيو، الذي كان يتحدث في إحاطة صحفية: "كنا نعلم أنه إذا لم نبادر بمهاجمة الإيرانيين قبل أن يشنوا تلك الهجمات، فسنتكبد خسائر أكبر".
ويكشف هذا الاعتراف -بحسب المراسل- عن رفض الإدارة الأمريكية "كبح جماح" إسرائيل، حتى عندما يتعلق الأمر بحرب لا يدعمها سوى أقلية من الأمريكيين.
واستشهد تورس أيضا بقول رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الأحد: "هذه الحرب تتم بمساعدة الولايات المتحدة وصديقي ترمب والجيش الأمريكي، وتسمح لنا بفعل ما كنت أتوق إليه طوال 40 عاما وهو ضرب نظام الإرهاب ضربة قاصمة. هذا ما وعدت به، وهذا ما سنفعله".
تصريحات روبيو قد تكون غطاء لرغبة ترامب الشخصية في الحرب
بواسطة برايان فينوكان، المستشار السابق بوزارة الخارجية الأمريكية
غير أن المراسل استعرض أيضا رأي برايان فينوكان، المستشار السابق بوزارة الخارجية الأمريكية، بأن تصريحات روبيو قد تكون غطاء لرغبة ترمب الشخصية في الحرب.
وأشار فينوكان إلى أن واشنطن كانت قادرة على منع الهجوم الإسرائيلي لو أرادت ذلك حقا، خاصة أن إسرائيل تعتمد على مساعدات عسكرية أمريكية ضخمة منذ تأسيسها.
مع ذلك، أكد التقرير أن التساؤل يبقى قائما حول قدرة واشنطن الفعلية على كبح النفوذ الإسرائيلي، في ظل صمت وزارة الخارجية الأمريكية عن طلب القيادة الديمقراطية بشرح أهداف العملية الحقيقية ووقتها المتوقع.
وأكدت الصحيفة الأمريكية -المعروفة بميولها اليمينية- أن ما عهدته من ترمب هو أنه شخصية تفعل دائما ما تريد، وأن ما حدث في إيران هو مجرد "تناغم في الأهداف الإستراتيجية" وليس تلاعبا سياسيا.
إسرائيل لم تفرض "قرار" الحرب على أمريكا، بل إن تحرك إسرائيل حدد "توقيت" الضربة فقط
بواسطة وول ستريت جورنال
وقدم المقال تفسيرا مختلفا لتصريحات وزير الخارجية روبيو، معتبرا أن إسرائيل لم تفرض "قرار" الحرب على أمريكا، بل إن تحرك إسرائيل حدد "توقيت" الضربة فقط؛ مضيفة أن التخطيط للعملية كان مشتركا.
وأكملت الافتتاحية تبريرها بالإشارة إلى أن أمريكا لديها أسبابها الخاصة لمهاجمة إيران، ولكنها أسباب وقائية -مثل الحد من قدرات طهران النووية وتدمير صواريخها الباليستية- ولا تكفي لتوفير أساس قانوني أو سياسي لهجوم كبير.
وبالتالي -بحسب الافتتاحية- استغل روبيو سؤال الصحفيين عن سبب دخول أمريكا الحرب، لتوفير سبب مختلف: وهو أن القوات الأمريكية كانت في خطر مما استدعى ضربة استباقية.
وأشارت وول ستريت جورنال إلى أنه عندما سُئل الوزير بعدها: "هل تقصد أن الولايات المتحدة اضطرت لشنّ الضربة بسبب إسرائيل؟"، كانت إجابته: "لا، فمهما يكن، كان لا بدّ من تنفيذ هذه العملية في نهاية المطاف".
وبحسب الافتتاحية، فإن إسرائيل في هذه المعادلة لم تكن "المحرك" في صنع القرار، بل كانت "المسهّل" الذي "ضاعف" قوة أمريكا، وفق تعبيرها.
أما المحلل هال براندز، كاتب الرأي في بلومبيرغ والأستاذ في جامعة جونز هوبكنز، فيرى أن الحرب ليست حرب طرف واحد، بل نتيجة تحالف عسكري متكامل بين واشنطن وتل أبيب، ودليل على تناغم عملياتي واستخباري غير مسبوق.
ويتفق المقال مع وصف وول ستريت جورنال لإسرائيل بأنها حليف "يضاعِف قوة" أمريكا، لكنه يذهب إلى أبعد من ذلك، إذ يعتبر الكاتب أنها "أصبحت سلاح الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة".
إسرائيل دولة قوية استخباراتيا وعسكريا، مما يجعلها "الحليف المثالي" بالنسبة لترمب، ولكن أيضا يعطيها المقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن إرادة واشنطن
بواسطة هال براندز، أستاذ في جامعة جونز هوبكنز
وأشار براندز هنا إلى أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لم تكن دائما وثيقة كما يُعتقد، مذكّرا بأن الولايات المتحدة أجبرت إسرائيل على وقف حربها الأولى ضد نظام الرئيس المصري جمال عبد الناصر عام 1956.
وأضاف أن الشراكة الحقيقية بدأت في سبعينيات القرن الماضي، حين احتاجت واشنطن إلى "شُرطة إقليمية" -مثل إسرائيل والبرازيل وإيران (في عهد الشاه محمد رضا بهلوي) وجنوب أفريقيا- لتخفيف أعباء نفوذها العالمي.
كما أكد الكاتب أن العقود الماضية شهدت حذرا متبادلا في العمليات العسكرية المشتركة، إذ أبعدت واشنطن إسرائيل عن حرب الخليج عام 1991 ضد رئيس العراق حينها صدام حسين، خشية تفكك التحالف الدولي الذي ضم دولا عربية، كما لم تنضم تل أبيب إلى حروب أمريكا بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول في العراق أو ضد تنظيم الدولة.
تصاعد تهديد إيران وقواتها إلى جانب تحسن العلاقات الإسرائيلية العربية عبر اتفاقيات أبراهام، غيّر طبيعة الشراكة الأمريكية الإسرائيلية جذريا
غير أن تصاعد تهديد إيران وقواتها -بحسب الكاتب- إلى جانب تحسن العلاقات الإسرائيلية العربية عبر اتفاقيات أبراهام، غيّر طبيعة الشراكة جذريا.
وعد الكاتب حرب إيران دليلا على نضوج تحالف يجمع بين قوة إقليمية مهيمنة عسكريا وقوة عالمية عظمى، بما يتيح للطرفين العمل كقوة واحدة قادرة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط، وهندسة توازن القوة فيه لخدمة رؤيتهما المشتركة.
لكن الكاتب طرح مفارقة مهمة في جوهر هذه العلاقة: إسرائيل دولة قوية استخباريا وعسكريا، مما يجعلها "الحليف المثالي" بالنسبة لترمب، ولكن أيضا يعطيها المقدرة على اتخاذ قرارات مستقلة عن إرادة واشنطن.
ولم يتناول الكاتب تداعيات ذلك على حرب إيران (خاصة أن بعض التقارير تشير إلى تضارب في أولويات واشنطن وتل أبيب فيما يخص مدة الحرب وأهدافها)، لكنه دعا ترمب إلى التمسك بإسرائيل لمواجهة تحديات "منطقة مضطربة" مثل الشرق الأوسط.
وتشير الأطروحات الثلاث إلى تداخل المصالح الإسرائيلية الأمريكية وتعقيد العلاقة، حيث لم تعد هناك إجابة واحدة واضحة عن سؤال "هل هذه حرب أمريكا أم إسرائيل؟".
وفي المحصلة، تكشف التغطية الإعلامية الأمريكية عن تباين في الرأي بشأن نفوذ إسرائيل على واشنطن، إذ أصبحت تل أبيب تمثل معضلة لإدارة القرار الأمريكي بقدر ما تقدم دعما للسياسات الأمريكية في المنطقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة