في 2 مارس 2026، دخلت المواجهة العسكرية في المنطقة مرحلة مفصلية بعدما تحولت التهديدات إلى ضربات مباشرة طالت قلب البنية التحتية للطاقة في الخليج.
طالت الهجمات الإيرانية بصواريخ وطائرات مسيّرة مواقع في السعودية، بينها مصفاة “رأس تنورة”، إحدى أكبر مرافق معالجة وتصدير النفط في العالم بطاقة تقارب 550 ألف برميل يوميا. واستُهدفت منشآت إنتاج الغاز في قطر، ولا سيما مجمعا “رأس لفان” و”مسيعيد”، التابعان لشركة قطر للطاقة، وهما من أكبر مراكز تسييل الغاز عالميا.
ورغم وصف الضربات بأنها “محدودة”، فإن الأسواق التقطت الرسالة: أمن الطاقة في الخليج أصبح جزءا من معادلة المواجهة العسكرية.
وجاءت الاستجابة سريعا، وكان الغاز الطبيعي الحلقة الأكثر تأثرا. فبعكس النفط، الذي يتمتع بسوق عالمية واسعة ومرنة نسبيا، يعتمد الغاز الطبيعي المسال على منشآت تسييل وشحن محددة جغرافيا، ما يجعله أكثر هشاشة أمام أي اضطراب.
مصدر الصورة
تستحوذ قطر وحدها على نحو 20% من تجارة الغاز المسال عالميا، وهي مورد رئيسي لأوروبا وآسيا. ومع إعلان تعليق أو تعطّل بعض العمليات في منشآتها، قفزت أسعار الغاز الأوروبية بنسبة تراوحت بين 40 و50% خلال جلسات قليلة، مسجلة أعلى مستوياتها منذ نحو عامين.
في المقابل، ارتفعت أسعار النفط بوتيرة أبطأ نسبيا. صعد خام برنت بنحو 7 إلى 8% متجاوزا 80 دولارا للبرميل، فيما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بأكثر من 7%. ما أُضيف فعليا إلى السوق كان “علاوة مخاطر” مرتبطة بمضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من الاستهلاك النفطي العالمي يوميا، أي ما بين 20 و21 مليون برميل من الخام والمكثفات، إضافة إلى الجزء الأكبر من صادرات الغاز القطرية.
ويرى خبير الطاقة العُماني علي الريامي أن ما حدث “تصعيد خطير تجاوز استهداف المنشآت الثابتة ليطال ناقلات النفط ومنشآت الغاز”، مشيرا إلى أن إغلاق بعض مرافق الغاز المسال وتعليق جزء من الصادرات كان كافيا لإرباك الأسواق.
ويضيف أن التداعيات لا تتوقف عند الأسعار، بل تمتد إلى الملاحة وسلاسل الإمداد عبر مضيق هرمز. وبحسب تقديره، فإن قطر والكويت والبحرين ستكون الأكثر تأثرا بأي تعطّل في المضيق، لافتقارها إلى منافذ تصدير بديلة واسعة. أما العراق، فقد يواجه صعوبات إضافية بسبب محدودية طاقة خطه الشمالي عبر تركيا. في المقابل، تبدو السعودية أكثر قدرة على المناورة بفضل خط أنابيب شرق – غرب إلى البحر الأحمر، إلى جانب خط أبوظبي – الفجيرة، ما يوفر بدائل جزئية بعيدا عن هرمز.
في ما يتعلق بقطر، يربط الريامي حجم التأثير بمدة التوقف. فإذا امتد الإغلاق “ستة أو سبعة أشهر”، فمن الطبيعي أن تنعكس تداعيات واضحة على الإيرادات والموازنة، كما يقول. لكنه يرجّح ألا يستمر التعطل أكثر من شهر تقريبا، وهي فترة قد لا تؤثر بشكل جوهري في الاقتصاد القطري، خاصة مع وجود صناديق سيادية ذات ملاءة مالية مرتفعة قادرة على تغطية أي عجز مؤقت.
ويرى أن تداعيات أزمة الغاز قد تكون عالميا أشد من تداعيات النفط، لأن بدائل أوروبا، سواء من الولايات المتحدة أو شمال أفريقيا، ليست سهلة أو منخفضة التكلفة، ولأن جزءا كبيرا من الطاقات الإنتاجية مستغل بالفعل، ما يجعل السوق أقل مرونة وأكثر حساسية لأي اضطراب في الإمدادات القطرية.
من جانبه، يوضح الخبير الاقتصادي البحريني ميثم السيد أن حجم التأثير يتحدد بثلاثة عوامل: “مدى الضرر الذي أصاب المنشآت، حصتها من الإنتاج، ومدة خروجها عن الخدمة”.
ويؤكد أن سرعة استعادة الإنتاج تقلّص الخسائر، بينما يؤدي طول التعطل إلى تداعيات تتجاوز قطاع الطاقة لتطال الموازنات العامة والاستثمارات وثقة الأسواق، خصوصا في الاقتصادات التي تعتمد إيراداتها على صادرات النفط والغاز.
ويشير السيد إلى أن خروج قطر المؤقت من سوق التصدير قد يدفع دولا مستوردة إلى البحث عن موردين آخرين أو الشراء بأسعار أعلى لتأمين احتياجاتها، ما يرفع الكلفة على جميع الأطراف. لكنه يعتبر أنه “من المبكر” الحديث عن أثر طويل الأجل على ميزانيات الخليج، لأن ذلك يظل مرهونا بمدة الأزمة وسرعة عودة الإنتاج.
حتى الآن، بقيت علاوة المخاطر في أسعار النفط دون التوقعات، إذ تراوحت الزيادة بين 5 و10%، أي نحو 5 إلى 8 دولارات للبرميل، مع تحرك الأسعار ضمن نطاق محدود نسبيا رغم استهداف منشآت في دول منتجة رئيسية. لكن الصورة تبدو مختلفة في سوق الغاز، حيث كانت القفزات أوضح وأسرع، خصوصا في أوروبا وآسيا.
ويحذر الريامي من أن الأزمة لا ترتبط فقط باحتمال إغلاق مضيق هرمز، بل أيضا بارتفاع تكاليف التأمين والشحن وتردد بعض الناقلات في العبور، ما يعقّد عمليات التصدير حتى من دون إعلان إغلاق رسمي.
في النهاية، يتفق الخبيران على أن عامل الزمن هو الحاسم. إذا بقي التصعيد قصير الأمد، قد تتمكن دول الخليج من احتواء التداعيات ماليا بفضل احتياطياتها وصناديقها السيادية. أما إذا امتد لعدة أشهر، فقد تتحول “علاوة المخاطر” المؤقتة إلى اختبار أعمق لقدرة المنطقة على حماية شريانها الاقتصادي في زمن الصواريخ.
المصدر:
الحرة