في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كابل- لم يعد التوتر بين باكستان و أفغانستان مجرد احتكاك حدودي عابر على طول خط "ديوراند"، بل تحوّل خلال العامين الأخيرين إلى أزمة أمنية مركّبة تعيد رسم ملامح العلاقات بين البلدين، وتضع إسلام آباد أمام خيارات صعبة في التعامل مع واقع ما بعد عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابل.
وتكشف الغارات الجوية التي ينفذها الجيش الباكستاني داخل الأراضي الأفغانية مؤخرا، وردود طالبان العسكرية عبر الحدود، أن العلاقة دخلت مرحلة مواجهة هيكلية، تتجاوز الردّ التكتيكي على هجمات حركة "طالبان باكستان"، إلى صراع إرادات وإستراتيجيات.
منذ سيطرة حركة طالبان على الحكم في أغسطس/آب 2021، سعت إسلام آباد إلى توظيف أدوات عسكرية واقتصادية وسياسية لإجبار كابل على كبح جماح حركة طالبان باكستان، التي تصعّد هجماتها داخل الأراضي الباكستانية.
لكن، بحسب تقارير صادرة عن بعثة الأمم المتحدة للمساعدة في أفغانستان، فإن بعض الغارات الباكستانية داخل أفغانستان أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، مما فاقم المشاعر المعادية لباكستان وضيّق هامش المناورة السياسية أمام طالبان.
يقول المحلل السياسي الأفغاني أحمد جمال، في حديثه للجزيرة نت، إن "إسلام آباد راهنت على أن الضغوط المتعددة المستويات -السياسية والأمنية والاقتصادية- ستدفع حركة طالبان إلى اتخاذ موقف حاسم اتجاه حركة طالبان باكستان، غير أنها اصطدمت برفض كابل الاستجابة لتلك الضغوط"، ويوضح "أن السلطات في كابل تعتبر ملف طالبان باكستان شأنا داخليا باكستانيا بحتا، ولا ترى نفسها ملزمة بالتدخل فيه أو قادرة على ضبط تحركاتها استجابة لمطالب خارجية".
ويضيف جمال أن "أي خطوة جذرية قد تُقدم عليها طالبان الأفغانية ضد نظيرتها الباكستانية يمكن أن تُفسّر داخليا على أنها انصياع لإملاءات خارجية، وهو ما قد ينعكس سلبًا على تماسك الحركة ووحدتها الداخلية، في ظل حساسيات أيديولوجية وتنظيمية معقدة تحكم العلاقة بين الطرفين".
من جهته، يرى الباحث الباكستاني في شؤون الأمن الإقليمي، الجنرال علي مسعود في حديثه للجزيرة نت، أن "إسلام آباد لا تستطيع تجاهل تصاعد هجمات طالبان باكستان، لكن الأدوات العسكرية وحدها لم تثبت فعاليتها حتى الآن، بل أوجدت ردودا سياسية وأمنية معقدة".
في المقابل، أظهرت طالبان قدرة ملحوظة على إدارة الضغوط الاقتصادية والسياسية، فمع تشديد القيود التجارية وإغلاق المعابر وترحيل اللاجئين، سعت كابل إلى تنويع منافذها التجارية، عبر توسيع استخدام ميناء تشابهار في إيران، وتعزيز التبادل مع دول آسيا الوسطى، إضافة إلى تطوير العلاقات الاقتصادية مع الهند.
ويقول الخبير الاقتصادي وحيد الله غفوري للجزيرة نت إن "طالبان تعمل على تقليل الاعتماد البنيوي على باكستان، وهذا يمنحها هامشًا أوسع في التفاوض، كما أن إدارة عملية عودة آلاف اللاجئين الأفغان من باكستان دون انهيار إنساني واسع عززت -بحسب مراقبين- ثقة الحركة بقدرتها على امتصاص أدوات الضغط الباكستانية".
رغم التصعيد، تظهر في الداخل الباكستاني أصوات تدعو إلى مراجعة المقاربة العسكرية، فقد انتقدت قوى سياسية ودينية نهج الحكومة، مطالبة بإحياء المسار الدبلوماسي.
كما أن اتفاق الجانبين على تشكيل لجنة تجارية مشتركة يشير إلى أن إسلام آباد لا تزال تبقي قنوات التواصل مفتوحة، رغم استمرار الضربات العسكرية.
ويرى الباحث في الشؤون الأمنية عبد الله جان في حديثه للجزيرة نت، أن "المؤسسة الأمنية الباكستانية تدرك أن المواجهة المفتوحة مع طالبان ليست خيارا مستداما، خصوصا في ظل التحديات الاقتصادية الداخلية، وأن كثيرا من المحللين يعتقدون أن المؤسسة العسكرية الباكستانية تقوم بأعمال عدائية ضد أفغانستان بطلب أمريكي للضغط على طالبان".
أولا: التصعيد غير المباشر:
ثانيا: المسار الدبلوماسي والوساطة
يتمثل هذا السيناريو في العودة الجدية إلى الدبلوماسية:
ويرى الخبير الأمني في شؤون آسيا فريد مومند في حديثه للجزيرة نت أن "الوساطة قد تركز على آلية مشتركة لمراقبة الحدود وتبادل المعلومات، بدل المطالبة بإجراءات قصوى يصعب تنفيذها".
ثالثا: إدارة التوتر بدل حله
فالسيناريو الأكثر واقعية، بحسب عدد من الخبراء، هو التحول نحو "إدارة الصراع" بدل حسمه.
في هذا الإطار، قد يقبل الطرفان بمستوى منخفض من التوترات الحدودية، مع الحفاظ على حد أدنى من التعاون الاقتصادي والأمني. فلا تتمكن باكستان من فرض مطالبها كاملة، ولا تقضي طالبان على تهديد طالبان باكستان تمامًا.
ويقول الباحث السياسي عبد السلام ستانكزاي، في حديثه للجزيرة نت، إن العلاقة بين الجانبين قد تتجه نحو نمط من "إدارة التوتر"، أقرب إلى "هدنة غير مكتوبة" تُحتوَى فيها الأزمات دون الوصول إلى حلول جذرية لها. ويشير إلى أن أزمة الثقة تظل العامل الحاكم في مسار العلاقة، في ظل تراكم الشكوك المتبادلة.
ويضيف أن "جزءا من التعقيد يرتبط بطبيعة المطالب الباكستانية" التي يراها ستانكزاي "صعبة التنفيذ ميدانيا وسياسيا"، لافتا إلى أن "طالبان لا ترغب في تقديم تعهدات قد تعجز عن الوفاء بها لاحقا، تجنبا لتحمل كلفة سياسية وأمنية داخلية".
يشير مراقبون إلى أن الصراع الحالي يعكس تحولًا أعمق في موازين القوى، فطالبان لم تعد حركة معزولة تبحث عن دعم باكستاني، بل سلطة أمر واقع تسعى إلى تنويع علاقاتها الإقليمية. وفي المقابل، تجد إسلام آباد نفسها أمام واقع جديد حيث إن نفوذها التقليدي في كابل لم يعد كافيا لفرض إملاءات أمنية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن الخيار الأكثر واقعية يتمثل في مزيج من الدبلوماسية والوساطة وإدارة الأزمات، لتفادي انزلاق الصراع إلى مواجهة مزمنة قد تمتد تداعياتها إلى مجمل جنوب آسيا. فأزمة باكستان وطالبان لم تعد مسألة حدود، بل أصبحت اختبارا لإعادة تعريف العلاقة بين دولتين جارتين في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة