في إيران، لا يدور التنافس السياسي بين أحزاب متكافئة بقدر ما يجري داخل بنية دولة شديدة التعقيد، تتجاور فيها مؤسسات منتخبة مع أخرى غير منتخبة تمتلك سلطة تقريرية.
وفي قلب هذا التوازن يتكرر الصدام بين تيارين كبيرين: الإصلاحي (اليساري) الذي يرفع شعار توسيع المجال السياسي والاجتماعي عبر التدرج والقانون، والأصولي (اليميني/المحافظ) الذي يقدم حماية هوية الثورة واعتبارات الأمن والاستقرار على ما سواها، ويرى أن الانفتاح السياسي والثقافي قد يتحول إلى مدخل لاختراق النظام.
هذا الصراع لا يبقى نظريا. فهو يظهر بوضوح عند كل منعطف، انتخابات رئاسية أو برلمانية حاسمة، تفاوض نووي مع الغرب، احتجاجات في الشارع، أو مواجهة على نفوذ الحكومة والبرلمان في مقابل مراكز قوة أخرى.
على المستوى الخطابي، يميل الإصلاحيون إلى الحديث عن سيادة القانون وتفعيل دور المؤسسات المنتخبة، وتخفيف القيود الاجتماعية، واتباع دبلوماسية تقلل التوتر وتفتح نافذة اقتصادية عبر تخفيف العقوبات.
أما التيار المحافظ فيرى أن الحفاظ على الثوابت يتطلب ضبطا سياسيا وثقافيا أقوى، وأن التفاوض مع الغرب لا يكون مجديا إلا من موقع صلابة وردع، مع تفضيل بناء بدائل اقتصادية وشراكات شرقية كلما اتسعت القطيعة مع الولايات المتحدة.
لكن الفارق الأهم ليس في الشعارات فقط، بل في سؤال السلطة: من يدير الدولة فعليا؟ وما حدود صلاحيات الرئيس والبرلمان أمام مؤسسات رقابية ودينية وأمنية؟
الإصلاحيون: محمد خاتمي، ميرحسين موسوي، مهدي كروبي، آذر منصوري، مصطفى تاج زاده، محمد رضا عارف
المحافظون: سعيد جليلي، إبراهيم رئيسي، محمد باقر قاليباف، غلام حسين محسني إيجئي، علي الخميني، إسماعيل قآني.
وهناك تيار ثالث يطلق عليه "الاعتدال" وهو بين اليمين واليسار ولكنه مقرب من الإصلاحيين ومن أبرز شخصياته: حسن روحاني، محمد جواد ظريف، علي شمخاني، علي لاريجاني، مسعود بزشكيان، عباس عراقجي، حسن الخميني، مجتبى خامنئي.
تعد الرئاسة المؤشر الأكثر وضوحا على مد وجزر التيارين، لكنها ليست وحدها من يحدد الاتجاه العام، لأن قدرة الرئيس على تنفيذ برنامجه تصطدم غالبا بتوازنات المؤسسات.
1997: صعود الإصلاح عبر "المفاجأة الانتخابية"
فوز محمد خاتمي شكل لحظة مفصلية واُعتبر بمثابة رسالة شعبية تطالب بانفتاح اجتماعي وسياسي أكبر، وتخفيف التوتر الخارجي. لكن هذه الموجة سرعان ما اصطدمت بممانعة مؤسسات اعتبرت أن وتيرة الانفتاح تهدد بنية النظام.
ومنذ تلك اللحظة أصبح الصراع عنوانا دائما: رئيس منتخب ببرنامج إصلاحي في مقابل منظومة رقابية وأمنية تملك قدرة التعطيل.
2005: عودة المحافظين عبر خطاب العدالة والهوية
هنا ظهر شكل جديد للصراع تمثل بخسارة الإصلاحيين صندوق الاقتراع، لكنهم اعتبروا أن البيئة السياسية نفسها تضيق تدريجيا أمامهم، وأن المنافسة لم تعد متوازنة.
2013 و2017: براغماتية تفاوضية في مواجهة تشدد داخلي
انتخاب حسن روحاني، المدعوم من الإصلاحيين وقطاع من البراغماتيين، أعاد ملف السياسة الخارجية إلى الواجهة، وتحول الاتفاق النووي إلى ساحة تنازع بين الإصلاحيين الذين يرونه مدخلا لإنقاذ الاقتصاد وتقليل العزلة، والأصوليين الذين يرونه تنازلا محفوفا بالمخاطر، خصوصا مع استمرار انعدام الثقة بالغرب.
ومع انسحاب واشنطن من الاتفاق لاحقا، تعززت حجة المحافظين القائلة إن الرهان على التسويات مع الغرب لا ينتج استقرارا طويل المدى.
2021: رئاسة بتمثيل انتخابي أضعف ومنافسة أضيق
جاء انتخاب إبراهيم رئيسي في سياق تضييق سياسي واضح، مع تراجع المشاركة بحسب الأرقام الرسمية، وتنامي شعور لدى معسكر الإصلاح بأن الوصول إلى السلطة عبر الصندوق بات أكثر صعوبة.
بالنسبة للمحافظين كانت اللحظة تأكيدا على ضرورة "توحيد" القرار الداخلي في مواجهة الضغوط الخارجية والاضطراب الاجتماعي.
2024: عودة إصلاحية جزئية تحت سقف جديد
فوز مسعود بزشكيان أعاد الأمل لبعض قواعد الإصلاح، لكنه في الوقت نفسه كشف عن معضلة قديمة، إذ حتى لو عاد الإصلاحيون أو حلفاؤهم إلى الرئاسة، يبقى السؤال حول هامش الحركة الفعلي في ملفات حساسة مثل الحريات الداخلية، والاقتصاد المرتبط بالعقوبات، وعلاقة الحكومة بمراكز القوة.
في خلاصة هذه المحطة، يمكن القول إن الانتخابات في إيران ليست مجرد تناوب، بل آلية لقياس المزاج الشعبي، ثم اختبار قدرة الرئيس على تحويل التفويض إلى سياسات في نظام متعدد المراكز.
في كثير من المرات، لا يبدأ الصراع يوم التصويت، بل يوم التسجيل للترشح، إذ يملك مجلس صيانة الدستور صلاحية قبول أو رفض المرشحين للبرلمان والرئاسة، وهي نقطة احتكاك متكررة بين التيارين.
2004: برلمان يتبدل عبر موجة استبعادات
شهدت انتخابات مجلس الشورى (البرلمان) حينها استبعاد أعداد كبيرة من مرشحي التيار الإصلاحي، مما أدى إلى تحول ميزان البرلمان لصالح المحافظين. واعتبر الإصلاحيون ذلك إفراغا للتنافس من مضمونه، بينما رأى المحافظون أنه تطبيق لمعايير "الأهلية" وحماية للنظام.
سنوات لاحقة: دورة متكررة من القبول والرفض
كلما اقتربت انتخابات مفصلية، يتجدد الجدل نفسه بين إصلاحيين يشتكون من تضييق يقلص خيارات الناخب، ومحافظين يعدون ذلك فلترة لازمة لمنع اختراق المؤسسات. والنتيجة أن الصراع يتحول إلى معركة على قواعد اللعبة، لا على البرامج فقط.
حين يغلق المجال السياسي أو يفقد الجمهور الثقة بفاعلية المؤسسات، ينتقل الضغط إلى الشارع، فيصبح الصراع بين التيارين أكثر حدة: من يملك "تفسير" ما يحدث؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ وكيف تكون الاستجابة؟
2009: "الانقسام الكبير" بعد الانتخابات
شكلت احتجاجات 2009 لحظة فاصلة. جزء من التيار الإصلاحي، أو رموزه، كان في قلب الاعتراضات، بينما اعتبر المحافظون ما جرى تهديدا للنظام.
منذ ذلك التاريخ باتت كلفة الصراع أعلى، واتسعت الهوة في تعريف الشرعية بين من يرى أن الشرعية تتجدد عبر تنافس أوسع، ومن يراها مرتبطة قبل كل شيء بصون النظام من الفوضى والاختراق.
2017-2019 وما بعدهما: احتجاجات اقتصادية وسياسية
احتجاجات مرتبطة بالغلاء والبطالة والفساد كشفت ضعفا بنيويا، حيث يرزح الاقتصاد تحت العقوبات، وشبكات مصالح، ووعود انتخابية لا تتحقق.
الإصلاحيون غالبا حاولوا تقديم حلول عبر الانفتاح والتفاوض وتخفيف القيود، لكنهم وجدوا أن جمهورهم يعاقبهم أيضا لأنهم كانوا في السلطة ولم يمنعوا الانهيارات المعيشية.
أما المحافظون فقدموا الاحتجاجات بوصفها فوضى تغذيها قوى خارجية، مع إجراءات أمنية مشددة.
2022: انفجار اجتماعي على خلفية قضايا الحريات والهوية
الاحتجاجات الواسعة حينها طرحت سؤالا مباشرا حول العلاقة بين المجتمع والدولة، وحدود الضبط الاجتماعي.
هنا ظهر التباين الحاد حيث دعا الإصلاحيون إلى مقاربات تهدئة وتغيير سياسات، بينما شدد الأصوليون على الردع واعتبروا أن التنازل سيقود إلى تفكك الهيبة.
وفي كل الأحوال، اتضح أن انقسام النخب لا يواكب وحده حجم التحولات الاجتماعية داخل البلاد.
النووي والعقوبات: الاقتصاد رهينة السياسة
في الخط الإصلاحي، لا يعتبر التفاوض ترفا، بل شرطا لتقليل العقوبات وفتح الاستثمار وتخفيف الضغط على العملة والمعيشة. وفي الخط المحافظ، التفاوض يجب ألا يتحول إلى اعتماد على الغرب، وأن التجربة أثبتت هشاشة الوعود.
وبينهما يقف المواطن أمام نتيجة ملموسة بين ارتفاع الأسعار، تراجع القدرة الشرائية، وتآكل الطبقة الوسطى.
الحريات والإعلام والإنترنت: صورة الدولة في عين مجتمع شاب
ويتجاذب التياران بشكل يومي تقريبا، حيث يدفع الإصلاحيون نحو مساحة أكبر للإعلام والمجتمع المدني وتقليل الرقابة، في حين يربط المحافظون ذلك بمنع "التسيب" وحماية القيم.
ومع توسع الفضاء الرقمي، صار التحكم أصعب، وصار الصراع أكثر ارتباطا بالأمن السيبراني وبمخاوف التعبئة عبر الشبكات.
تعريف "الدولة": حكومة خدمات أم حكومة عقيدة؟
يميل الإصلاحيون إلى تقديم الدولة كإدارة ومؤسسات وخدمات، في حين يراها المحافظون أيضا كحامل عقائدي وهوياتي. وهذا الفارق ينعكس في كل شيء: من المناهج الثقافية، إلى السياسة الخارجية، إلى طريقة التعامل مع الخصوم الداخليين.
الإصلاحيون يعتمدون على صناديق الاقتراع، وتحالفات مع "البراغماتيين"، وخطاب التدرج القانوني. لكنهم يعانون من مشكلتين هما تضييق سياسي متكرر، وإحباط قواعدهم عندما لا تتحقق وعود الانفتاح.
ويعتمد المحافظون على شبكة مؤسسات متماسكة وخطاب الاستقرار والأمن، ويستفيدون من إخفاقات التفاوض الخارجي. لكنهم يواجهون تحديا اجتماعيا واقتصاديا يتمثل بكيفية ضمان شرعية شعبية في ظل ضغوط معيشية وتوقعات مجتمع شاب ومتصل بالعالم؟
المؤشرات العامة تقول إن الصدام سيستمر، لكن أشكاله قد تتغير. ففي كل مرة يضيق فيها المجال السياسي، يرتفع احتمال انتقال التوتر إلى الشارع.
وفي كل مرة تتعمق الأزمة الاقتصادية، يصبح الصراع داخل الدولة على "من يملك الحل" أكثر حدة، سواء كان الحل تفاوضا خارجيا، أو تشديدا داخليا، أو مزيجا من الاثنين.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يعيد إنتاج نفسه في إيران هل يمكن بناء تسوية داخلية تسمح بتنافس أوسع دون أن ترى مؤسسات النظام في ذلك تهديدا وجوديا؟ أم أن القاعدة التي تحكم علاقة الإصلاحيين والأصوليين لسنوات مقبلة هي دورة "انتخابات، ثم تعطيل ثم احتقان".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة