آخر الأخبار

كتاب "الأمازيغ والإسلام".. قصة لقاء غيّر وجه التاريخ

شارك

الجزائر- ظل الغموض المشوب بالأحكام الجاهزة يطبع صورة الأمازيغ، بصفتهم أمة يمتد نطاقها الجغرافي ما بين واحة سيوة في مصر وجزر الكناري الإسبانية، أما علاقتهم بالإسلام، بصفته دينا وحضارة ومخيالا، فقد ظلت محل تضاربات تحكمها العواطف والأيديولوجيات، أكثر مما تحكمها معطيات التاريخ.

حدث ذلك بسبب اعتراض أمازيغ القرن السابع الميلادي على الفتوحات الإسلامية التي عطلتها مقاومتهم لسبعة عقود، قبل أن يفهموا أهدافها الحضارية والإنسانية، ويفتحوا لها قلوبهم، ويسخّروا لها أنفسهم، فينقلوها إلى الأندلس وعموم الساحل الأفريقي.

وبسبب ارتباط بعض الجيوب الأمازيغية المعاصرة التي تنتصر للبعد المتوسطي، على حساب البعد العربي في الهوية المغاربية المتراكمة، انحازت إلى مقولات المؤسسة الاستعمارية الفرنسية.

ويأتي كتاب "الأمازيغ والإسلام: قصة لقاء"، في طبعتيه التونسية والجزائرية، في عام 2025، للكاتب والمترجم والناشر الجزائري إبراهيم تزاغارت ليفكك ذلك الغموض، ويقارب تلك الأحكام الجاهزة، من خلال مصادر عربية وغربية نأت بنفسها عن النظر إلى الأمازيغ، على أنهم أمة مارقة أو غير موجودة أصلا.

علاقة الأمازيغ بالتوحيد لم تبدأ بوصول الإسلام إلى شمال أفريقيا بل تعود إلى القرن الرابع، حيث شاعت فيهم عقيدة الراهب آريوس المولود في برقة الليبية

توحيد مبكر

ومن مفاجآت الكتاب المهدى إلى روح عرّاب النضال الفكري من أجل اللغة والثقافة الأمازيغيتين مولود معمري "الذي عاش إسلامه وأمازيغيته في اطمئنان"، أن علاقة الأمازيغ بالتوحيد، لم تبدأ بوصول الإسلام إلى شمال أفريقيا، في القرن السابع الميلادي، بل تعود إلى القرن الرابع، حيث شاعت فيهم عقيدة الراهب آريوس المولود في برقة الليبية من أصل أمازيغي عام 256 للميلاد،.

وتنفي هذه العقيدة الطبيعة الإلهية للمسيح، عكس ما أقره مجمع نيقية عام 325، بضغط من الإمبراطور قسطنطين الأول، ليتأكد خيار التثليث في المجمع المسكوني الثاني بالقسطنطينية عام 381، على عهد الإمبراطور ثيودوسيوس الكبير.

إعلان

ويورد الكاتب رسالة آريوس إلى الإمبراطور قسطنطين الأول: "إن جميع سكان شمال أفريقيا يقفون إلى جانبي، وإنهم يقدمون لي دعمهم الكامل".

هنا؛ يمكن أن نفهم المقصود بالأريسيين في رسالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إلى هرقل ملك الروم: "فإن تولّيت فعليك إثم الأريسيين"، أي أتباع آريوس الموحّد، وفق بعض التفسيرات للحديث.

ظلم تاريخي

لعبت هذه الخلفية التوحيدية، دورا حاسما في اعتناق الأمازيغ للإسلام جماعيا، بعد مقاومة فرضها اعتقادهم أن العرب إنما جاؤوا ليستولوا على أرضهم، حتى إنه لم يبق في البلاد جيب مسيحي واحد، عكس ما حصل في سوريا ولبنان والعراق وفلسطين.

وبالتالي فإن الأب الروحي للمسيحية الموحِّدة في شمال أفريقيا، حسب تزاغارت، هو الأب آريوس، وليس سانت أوغسطين المثلِّث الذي فرضته المركزية الاستعمارية الغربية، ثم أدى هزال الوعي الحضاري لدى حكومات الاستقلال الوطني في الجزائر إلى تبني هذا الطرح، حتى إن الرئيس الجزائري السابق عبد العزيز بوتفليقة وضع مقدمة لكتاب عن سانت أوغسطين أقرّ له فيها بوجاهة التمثيل.

مصدر الصورة الكاتب والمترجم الجزائري إبراهيم تزاغارت (الجزيرة)

احتكاكات أولى

ويفاجئ الكتاب أيضا قارئه الذي كان يعتقد أن الاحتكاك الأول للأمازيغ بالإسلام إنما كان عبر الفتوحات، بقصص وردت في مصادر عربية مختلفة، تبين أن الاحتكاك الأول كان سابقا على ذلك، حتى إن بعضه حدث في الزمن النبوي نفسه.

فبعد خروج النبي محمد صلى الله عليه وسلم بجيشه إلى تبوك، على حدود الشام، في العام التاسع للهجرة، وانتصاره المعنوي بتغيّب جيش ملك الروم هرقل وحلفائه الغساسنة، شرع في استقبال وفود القبائل والضواحي، للدخول في الإسلام، أو لعقد اتفاقيات سلام.

وكان من بين تلك الوفود، حسب ابن كثير، وفد أمازيغي تشكّل من حجاج آريوسيين موحّدين إلى القدس، انتهى إليهم خبر النبي الجديد، فقرروا أن يوافوه لعله يكون هو المذكور في كتبهم، فوجد الطرفان في بعضهما شبها جوهريا يتعلق بعقيدة التوحيد، ومنه طلع الحديث النبوي القائل: "إن الله اطلع على أهل الأرض، فمقتهم عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب".

وذكر ابن خلدون أن وجيها أمازيغيا من مغراوة يسمى صولات بن وزمار، التقى الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فأقرّه بعد إسلامه على قومه ووطنه، وكان ذلك خلفية للحلف الذي ظهر لاحقا، بين مغراوة وبني أمية في الأندلس.

ويُرجع الكاتب ربط قطاع واسع من المسلمين المعاصرين لهذه اللقاءات الأولى للأمازيغ بالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبعض خلفائه، بالخيال والتقوّل على التاريخ، إلى كون المخيال الشعبي الأمازيغي أصبح خاليا من الأحداث الكبرى التي عاشها الأسلاف، نتيجة ما اعتبره تهميشا مدروسا لتاريخ شمال أفريقيا "فانحصر التاريخ الأمازيغي في ذكر المقاومة والحروب، دون أي ذكر للسياسة والرحلات والمساهمة الثقافية والروحية والعلمية، في بناء الحضارة الإنسانية".

ذكر ابن خلدون أن وجيها أمازيغيا من مغراوة يسمى صولات بن وزمار، التقى الخليفة الثالث عثمان بن عفان، فأقرّه بعد إسلامه على قومه ووطنه، وكان ذلك خلفية للحلف الذي ظهر لاحقا بين مغراوة وبني أمية في الأندلس

عقدة الفاتح

ولأن انتظارات القارئ الحامل لأحكام مسبقة عن تاريخ الأمازيغ، تجعله يركز على فترة الفتح الإسلامي لبلاد المغرب، حيث تقبع عدة فخاخ ما تزال تثير الجدل في الحاضر، منها مقتل أحد قادة الفتح عقبة بن نافع الفهري عام 683 للميلاد على يد القائد الأمازيغي كسيلة بن لمزم.

إعلان

فقد حاول كتاب "الأمازيغ والإسلام"، أن يضع الحادثة في سياقها التاريخي، ومن ذلك أن والي أفريقية وقائد الفتح أبا المهاجر دينار الأنصاري عرف كيف يستقطب الزعيم كسيلة ويقربه، حتى اعتنق الإسلام، وانضم مع قومه إلى مسعى الفتح، عكس عقبة الذي خلفه بأمر من الخليفة الأموي يزيد بن معاوية، فقد ألقى القبض على الرجل، وكان يبالغ في اعتباره مصدر تمرد وتهديد، مما خلق لديه ولدى بعض أتباعه حالة حقد وغضب شخصيين لا علاقة لهما بموقفه من الإسلام والمسلمين.

ويخلص الكاتب إلى أن تهميش أبي المهاجر دينار، وقبله مسلمة بن مخلد، والتركيز المفرط على عقبة بن نافع، في رواية الفتح الإسلامي لشمال أفريقيا، إنما هو انتصار لتاريخ الصدامات والعنف العسكري، على حساب تاريخ التوافقات والتقارب السياسي، "وهو خيار تنخرط فيه بعض النخب المغاربية بسذاجة عند البعض، وبخبث عن آخرين".

ملح مشترك

لم يشأ مركز الخلافة في دمشق أن يفرّط في ما تحقق من فتح بلاد المغرب، فأرسل قائدا جديدا عام 788 هو حسّان بن النعمان، فكان أول ما فعله الهجوم على ديهيا ملكة الأوراس التي سماها المؤرخون العرب بالكاهنة، لكنه تراجع إلى برقة، بعد هزيمة جيشه أمام جيش ديهيا التي استبقت من بين الأسرى الأمويين الذين حررتهم لاحقا محاربا شجاعا هو خالد بن يزيد، وأعلنته أخا لولديها، وفق تقليد أمازيغي يقضي بأن تضع المرأة طعاما على ثديها، فيأكل منه أولادها والشخص الغريب، فيصيرون إخوة في نظرها، وفي نظر محيطها.

ولم يكن هذا الإجراء، حسب الكاتب، إلا تعبيرا من الملكة الأمازيغية عن كونها لم ترفض الفتح الإسلامي لذاته، بل رفضت إقدام قائده الجديد، على غزوها من غير أن يراسلها أو يحاول أن يشرح لها ولقومها أهداف الرسالة المحمدية، بما جعلها تفهم الفتح غزوا لوطنها يملي عليها الدفاع عنه.

يدخل بنا الكتاب إلى تجربة إقدام أمازيغ المغرب الإسلامي على الانشقاق عن مركز الخلافة في دمشق ثم بغداد، منذ النصف الثاني من القرن الثامن للميلاد، حيث ظهرت إمارات أمازيغية بروح إسلامية

نهاية الشكوك

بعد أن تجاوز عموم الأمازيغ فكرة أن العرب الوافدين إليهم إنما جاؤوا لنشر الأنوار المحمدية، لا للاستيلاء على الأرض وخيراتها، انخرطوا في الدين الإسلامي وجدانا وأذهانا، فلم يعد مركز الخلافة في دمشق محتاجا إلى إرسال مدد جديد للجيش الفاتح، فقد أصبح يقوم على أبناء الأرض أنفسهم، فانبثقت فكرة فتح الأندلس.

ويفاجئنا الكتاب بجملة من المصادر، منها ما ذهب إليه بن خلدون من أن جوليان الحاكم الإسباني لسبتة على الساحل المغربي، لم يكن إسبانيا، بل كانت أصوله أمازيغية، وكانت عقيدته آريوسية، وهو ما يفسر مساعدته لطارق بن زياد الأمازيغي، على العبور إلى شبه الجزيرة الأيبيرية.

ويدخل بنا الكتاب إلى تجربة إقدام أمازيغ المغرب الإسلامي على الانشقاق عن مركز الخلافة في دمشق ثم بغداد، منذ النصف الثاني من القرن الثامن للميلاد، حيث ظهرت إمارات أمازيغية بروح إسلامية، مثلما فعل الأغالبة والرستميون والفاطميون والزيانيون والزيريون والحماديون.

حدث ذلك حسب الكاتب، بسبب تغافل الخلفاء في المشرق عن الشكاوى التي رفعها إليهم الأمازيغ، في ولاتهم وممثليهم، حتى إن بعضها كان يتعلق بانتهاك الكرامة، فما كان من أعيان القوم إلا أن يتمسكوا بالإسلام الذي أصبح عميقا في الوجدان والأذهان، ويتخلصوا من التبعية إلى الخلافة التي كانت تأخذ شرعيتها من الدين، لكنها لا تطبق العدل الذي أمر به، في تعاملها معهم.

هوية ثقافية

ويرى الكاتب أن تلك الاستقلالية السياسية للأمازيغ، عن المركزية المشرقية التي انحرفت عن البعد الديني المشترك، لصالح البعد العرقي، أدت إلى تبلور إعلان الثقافة الأمازيغية المكتوبة عن نفسها، إلى جانب روافدها الشفوية، مؤطرة بالرؤية الإسلامية للوجود، بما أكسبها خصوصية حضارية لا تحيل إلا عليها.

فقد مال الأمازيغ في تلك الفترة إلى استعمال الحرف العربي في كتاباتهم المختلفة، بالرغم من كونهم يملكون أبجدية خاصة تسمّى "التفيناغ"، بالنظر إلى علاقتهم الروحية بكل ما يمت للإسلام من صلة. وكانت ترجمة "كتاب التوحيد" التي قام بها مهدي النفوسي الويغري (توفي في حدود 811)، أول مصنّف مكتوب باللغة الأمازيغية، وصولا إلى كتب المهدي بن تومرت في القرن الحادي عشر والثاني عشر.

إعلان

وتأتي أهمية كتاب "الأمازيغ والإسلام" لإبراهيم تازاغارت من كونه يعرّي بأدوات منهجية رصينة مقولات نخبتين تتحكمان في مفاصل المشهد الثقافي الجزائري، في القول بكون الثقافة الأمازيغية مفتعلة، حيث تغرق الأولى في مقولات البعث العربي التي تدعو إلى طمس كل الثقافات المحلية، في الفضاء العربي العام، فيما تغرق الثانية في أبجديات الثقافة الغربية، خاصة في شقها الفرنسي، حيث تراها بديلا عمّا يشكل خصوصيات ماضوية للشعوب المغاربية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا