فجّر إعلان الاحتلال الإسرائيلي إطلاق عملية واسعة للبحث عن جثة الجندي ران غويلي، آخر أسير إسرائيلي في قطاع غزة، أمس الأحد، موجة تساؤلات وجدل واسعين على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تشكيك في توقيت الخطوة ودوافعها السياسية، وربطها بالضغوط الدولية المتزايدة للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
وبحسب مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ينفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي منذ نهاية الأسبوع عملية بحث موسعة في شمال قطاع غزة، بالاعتماد على جميع المعلومات الاستخبارية المتوفرة، مؤكدا أن عمليات البحث ستستمر ما دام ذلك ضروريا.
في المقابل، نقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصادر أن أعمال البحث تتركز حاليا في حي الزيتون جنوب مدينة غزة.
بيد أن توقيت الإعلان أثار تساؤلات واسعة، لا سيما أنه يتزامن مع تصريحات أمريكية تحدثت عن قرب فتح معبر رفح، وهو ما دفع ناشطين إلى الربط بين تحريك ملف الجثة وبين الضغوط الدولية المتصاعدة لدفع الاحتلال نحو تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية.
ويرى مغردون أن إعادة فتح هذا الملف ميدانيا قد تعني اقترابه من نهايته، بما يهدد بسقوط واحدة من أبرز الذرائع التي استخدمها الاحتلال خلال الفترة الماضية لتعطيل الاستحقاقات السياسية والإنسانية، وفي مقدمتها فتح معبر رفح.
وفي هذا السياق، أشار مغردون إلى أن المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر ( الكابينت) قرر عدم فتح معبر رفح حتى انتهاء عملية البحث عن جثة آخر جندي إسرائيلي في غزة.
في المقابل، أكدت وسائل إعلام إسرائيلية أن لدى تل أبيب معلومات استخبارية عن موقع الجثة منذ نحو شهر، إلا أن نتنياهو لم يمنح الضوء الأخضر للبدء بعمليات البحث في حينه، بسبب ما وُصف بحساسية الموقع.
وأثار هذا المعطى تساؤلات إضافية حول ما إذا كان تأخير إطلاق العملية يعود إلى اعتبارات أمنية فعلية، أم إلى استفادة سياسية من إبقاء ملف الجثة مفتوحا كورقة ضغط استخدمها نتنياهو لتعطيل الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق.
ورأى ناشطون أن صياغة بيان مكتب نتنياهو حملت دلالات لافتة، خاصة استخدامه تعبير "بذل الجهد للعثور على الجثة"، بدلا من جعل العثور عليها شرطا حاسما، وهو ما اعتُبر مؤشرا على تراجع إسرائيلي تحت ضغط أمريكي، مع قناعة لدى واشنطن بأن حركة حماس قدمت كل ما لديها من معلومات وجهود في هذا الملف.
كما توقف بعضهم عند استخدام البيان تعبير "فتح معبر رفح بشكل محدود"، معتبرين أنه توصيف ملتبس، إذ يُقصد به فتح المعبر لعبور الأشخاص فقط دون إدخال البضائع، وليس فتحا محدودا من حيث عدد العابرين، إضافة إلى حديث البيان عن "رقابة إسرائيلية" دون الإشارة إلى وجود عسكري ميداني داخل المعبر.
وفي ضوء هذه التطورات، تساءل ناشطون عمّا إذا كانت الحجج التي استخدمها الاحتلال خلال الأشهر الماضية لتعطيل بدء المرحلة الثانية توشك على النفاد، خاصة مع انتقال ملف الجثة من مستوى التصريحات السياسية إلى البحث الميداني الفعلي داخل قطاع غزة.
ويرى متابعون أن قدرة الاحتلال على التذرع بملف جثة الجندي الإسرائيلي تتراجع تدريجيا، بعد أن سلّمت المقاومة، عبر الوسطاء، كل ما لديها من معلومات عن موقع الجثمان، مما دفع جيش الاحتلال إلى إعلان بدء عمليات بحث استنادا إلى هذه المعطيات، بالتوازي مع تصريحات أمريكية تؤكد امتلاك واشنطن تقديرا لمكانه.
واعتبر ناشطون أن هذا التطور يضع الملف عمليا في مساره الأخير، ويحوّل مسألة العثور على الجثمان إلى مسألة وقت، مما يعني أن الذريعة التي جُمدت تحتها استحقاقات سياسية وإنسانية باتت مهددة بالسقوط.
ومع تسارع الضغوط الدولية، رأى مدونون أن الاحتلال بات أقرب من أي وقت مضى إلى فقدان آخر أوراق المماطلة، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد الإعلان عن العثور على الجثمان، بما يكشف أن التأخير لم يكن تقنيا بقدر ما كان قرارا سياسيا مؤجلا، في وقت تتصاعد فيه المطالب بفتح معبر رفح وإنهاء حالة الجمود.
وفي المحصلة، يرى متابعون أن تحريك ملف الجثة ميدانيا، بعد أشهر من الجمود، يعكس تحولا في مقاربة الاحتلال لهذا الملف، في ظل ضغوط دولية متزايدة للدفع نحو استحقاقات المرحلة الثانية.
ويذهب هؤلاء إلى أن الأيام المقبلة ستكون حاسمة في اختبار ما إذا كان هذا التطور سيترجم إلى خطوات عملية على الأرض، أم سيبقى ضمن إطار إدارة الوقت والمناورة السياسية.
المصدر:
الجزيرة