في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عدن ــ على وقع التحولات السياسية والعسكرية المتسارعة في محافظات جنوب اليمن، يعود إلى الواجهة أحد أكثر الملفات إيلاما وتعقيدا: ملف الاغتيالات السياسية والأمنية، الذي حصد منذ عام 2015 مئات الضحايا، وخلّف أُسرا مفجوعة، تعيش بين الصدمة ومرارة الانتظار، في ظل عدالة مؤجلة لم تُكتب فصولها بعد.
ومع الانحسار الأخير للنفوذ العسكري للمجلس الانتقالي الجنوبي ودخول وحدات تابعة للحكومة الشرعية إلى عدن، وتصاعد الحديث عن إعادة ترتيب المشهد الأمني واستعادة دور الدولة ومؤسساتها، ارتفعت مطالب أهالي الضحايا بتحريك الملفات العالقة، وكشف جميع المتورطين، ووضع حد لسنوات طويلة من الإفلات من العقاب.
ورغم التحسن النسبي وتراجع حوادث الاغتيالات خلال العام الماضي، فإن موجة الاغتيالات لم تختفِ تماما، إذ شهدت مدينة عدن، يوم 26 سبتمبر/أيلول 2025، جريمة اغتيال مروّعة طالت الشيخ مهدي العقربي، أحد أبرز الشخصيات الاجتماعية بمنطقة بير أحمد، والمعروف بنفوذه القبلي في محافظتي عدن ولحج.
كذلك جاءت أحدث محاولات الاغتيال الأربعاء الماضي، حين نجا قائد اللواء الثاني ب قوات العمالقة، العميد حمدي شكري، من انفجار سيارة مفخخة استهدفت موكبه في أثناء مروره بمنطقة جعولة شمالي مدينة عدن، لتثير المخاوف من تجدد موجات الاغتيالات التي شملت سابقا شخصيات عامة ومؤثرة.
ويزيد من هذه المخاوف ضعف الاستجابة القضائية وغياب المساءلة تجاه سلسلة الجرائم المسجلة طوال العقد الأخير، لتأتي المطالب الحقوقية وسط آمال حذرة بأن تفتح المرحلة المقبلة نافذة لمعالجة إرث سنوات من الانتهاكات والفوضى.
وقد طالبت رابطة أُسر ضحايا الاغتيالات، خلال اليومين الماضيين، مجلس القيادة الرئاسي اليمني بإصدار توجيهات عاجلة للجهات القضائية والأمنية للبدء بتحقيقات شفافة وجادة تعيد الثقة بمسار العدالة.
وبرزت موجة الاغتيالات في جنوب اليمن منذ أواخر عام 2015، بعد فترة وجيزة من استعادة مدينة عدن وعدد من المحافظات الجنوبية من سيطرة جماعة الحوثيين، في ظل فراغ أمني، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد التشكيلات العسكرية والأمنية الخارجة عن الأطر الرسمية.
وبعد أسابيع فقط من استعادة عدن، هزّ المدينة حادث اغتيال محافظها اللواء جعفر محمد سعد، في عملية شكّلت صدمة واسعة، واعتُبرت بداية لسلسلة من الاغتيالات التي طالت لاحقا قيادات عسكرية وأمنية، وأئمة مساجد وصحفيين وناشطين سياسيين، وصولا إلى شخصيات أكاديمية ورياضية.
وخلال السنوات اللاحقة، تصاعدت وتيرة الاغتيالات تصاعدا لافتا في مدينة عدن، التي خضعت لسيطرة قوات المجلس الانتقالي الجنوبي، مما أعاد إلى الواجهة تساؤلات واسعة عن الجهة المسيطرة أمنيا، ومسؤوليتها عن تفشي هذه الظاهرة.
ووُجّهت اتهامات سياسية وحقوقية لشخصيات في المجلس الانتقالي الجنوبي وتشكيلات مسلحة تابعة له بالتورط في بعض عمليات الاغتيال، وهي اتهامات عززها تقرير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة الصادر في يناير/كانون الثاني 2019، الذي أشار إلى اغتيالات استهدفت عددا من علماء الدين والناشطين السياسيين وقيادات حزبية، في ظل غياب المساءلة وضعف المنظومة القضائية والأمنية آنذاك.
وسبق أن نقلت وسائل إعلام تابعة للانتقالي عن قيادات فيه نفيها مسؤوليتها عن أي اغتيالات، في ظل تصريحات لبعضهم بأن خططهم الأمنية تستهدف تصفية من يصفونهم بـ"الإرهابيين".
وقد اعتمدت معظم عمليات الاغتيال على نمط متكرر، في استخدام الدراجات النارية والأسلحة الكاتمة للصوت، مع تنفيذ سريع يعقبه انسحاب إلى المجهول. وغالبا ما كانت القضايا تُقيد ضد مجهول، مما فتح الباب واسعا أمام الإفلات من العقاب، ورسخ شعورا عامّا بانعدام الأمان.
ورغم أن خريطة الاغتيالات شملت أغلب المحافظات الجنوبية، فإن عدن ظلت المسرح الأوسع لها، مما دفع مئات السياسيين والناشطين إلى مغادرة المدينة خلال السنوات الماضية، في حين سُجلت عشرات محاولات الاغتيال الفاشلة.
ولم يتوقف أثر الاغتيالات عند لحظة فقد الضحايا، بل امتد ليشكل عبئا نفسيا وأمنيا دائما على أسرهم. ومع تصاعد ضغوط الرأي العام وأسر الضحايا ونشطاء المجتمع المدني، بدأت الجهات القضائية خلال السنتين الماضيتين باتخاذ خطوات محدودة، تمثلت في محاكمة عدد من المتهمين وإصدار أحكام قضائية في بعض القضايا. غير أن حقوقيين يؤكدون أن الملف لا يزال مفتوحا، في ظل مئات القضايا التي لم يُكشف عن خيوطها بعد.
وفي هذا السياق، يقول رئيس رابطة أُسر ضحايا الاغتيالات، المهندس خالد محمد سعد، إن هناك نحو 28 قضية منظورة أمام المحكمة الجزائية المتخصصة، من بينها قضايا مرتبطة بضحايا اغتيالات في محافظتي عدن والضالع، وقد نُظر فيها قضائيا، غير أن مسارها يشهد -بحسب تعبيره- بطئا وتعطيلا حال دون استكمال الإجراءات القانونية بالشكل المطلوب.
ويوضح سعد للجزيرة نت أن هذه القضايا تمثل جزءا محدودا من إجمالي جرائم الاغتيال في المحافظات المحررة، مشيرا إلى أن ما تم توثيقه حتى الآن يفيد بتسجيل أكثر من 480 حالة اغتيال منذ عام 2015، من بينها نحو 250 عملية اغتيال استهدفت قيادات مدنية وعسكرية وأكاديمية ودعوية في محافظات عدن ولحج وأبين.
ويؤكد أن الرابطة تعمل منذ تأسيسها على توثيق الجرائم، وجمع إفادات أسر الضحايا، ومتابعة القضايا لدى الجهات القضائية والأمنية، إلى جانب تنظيم وقفات احتجاجية وإصدار بيانات للمطالبة بتحقيق العدالة.
ويضيف أن الرابطة خاطبت خلال اليومين الماضيين مجلس القيادة الرئاسي للمطالبة بتحريك ملف الاغتيالات، غير أن الأُسر -حسب قوله- لم تلمس حتى الآن استجابة عملية، ولا تزال تنتظر خطوات جادة تعيد الثقة بمسار العدالة.
ويشدد سعد على أن مطالب أسر الضحايا لا تقتصر على محاسبة المنفذين المباشرين، بل تشمل المخططين والممولين، باعتبار أن الاغتيالات جرت ضمن شبكات منظمة، وليست حوادث فردية.
أما في ما يتعلق بقضية اغتيال شقيقه، محافظ عدن السابق اللواء جعفر محمد سعد، فيؤكد أنه لم يطرأ عليها حتى الآن أي تطور جوهري، رغم توجيهات النائب العام بالتحقيق وإعلانات سابقة عن ضبط منفذين، لافتا إلى أن التحركات القانونية مستمرة ولن تتوقف حتى تتحقق العدالة كاملة.
ويرى ناشطون أن التحولات السياسية والعسكرية الجارية قد تمثل فرصة لإعادة بناء مؤسسات الدولة وضبط الحالة الأمنية، إذا ما جرى التعامل معها كمدخل لمعالجة إرث الانتهاكات، لا مجرد ترتيبات أمنية مؤقتة. ويعتبرون أن استعادة الأمن والاستقرار تبقى ناقصة ما لم تترافق مع مسار حقوقي وقضائي يعالج القضايا العالقة، وفي مقدمتها الاغتيالات والإخفاء القسري والفساد.
وحسب مراقبين، فإن نجاح أي ترتيبات قادمة يتوقف على قدرتها على إحداث انتقال حقيقي وواقعي، يقوم على فتح الملفات الحساسة بشفافية، والاستفادة من نماذج جزئية شهدتها بعض المحافظات، حيث تزامنت الإجراءات الأمنية مع تحركات حقوقية.
وفي هذا الإطار، يقول الصحفي والمحلل السياسي عبد الرقيب الهدياني، الذي نجا من محاولات اغتيال سابقة، إن التحولات الجارية تفتح نافذة أمل لعودة مؤسسات الدولة، بما يشمل استعادة النظام والقانون والدستور، وتطبيع الحياة العامة.
ويضيف للجزيرة نت أن هذه المتغيرات، إذا ما استُكملت بصورة مؤسسية، يمكن أن تسهم في تعزيز الأمن والاستقرار، وتهيئة المناخ لتحقيق العدالة، وفي مقدمتها إنصاف المتضررين من الانتهاكات، والبت في القضايا العالقة التي ظلت دون حسم لسنوات.
ويؤكد أن أي ترتيبات جديدة لا ينبغي أن تكون شكلية، بل يجب أن تقوم على انتقال حقيقي وواقعي، يبدأ بإعادة فتح ملفات الانتهاكات، وفي مقدمتها قضايا الاغتيالات والإخفاء القسري والفساد، ومعالجتها عبر مسارات قانونية وقضائية منصفة.
من جهته، يرى لؤي محمد سيف، شقيق أحد ضحايا الاغتيالات ورئيس رابطة ضحايا الاغتيالات في محافظة الضالع، أن التحولات الأخيرة قد تسهم في تحريك بعض القضايا العالقة، وتعطي مؤشرا على أن العدالة، مهما طال انتظارها، لا بد أن تأخذ مجراها.
ويقول سيف للجزيرة نت إن محافظة الضالع وحدها شهدت اغتيال نحو 20 كادرا مدنيا وعسكريا، مؤكدا أن تحقيق العدالة يتطلب كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة جميع المتورطين دون استثناء أو حصانة، إلى جانب إنصاف الضحايا وأسرهم ماديا ومعنويا، والاعتراف بحجم المعاناة التي تكبدوها.
ويحذّر من أي محاولات للضغط من أجل تمييع القضايا أو عرقلة استكمال الإجراءات القانونية، مشددا على أن العدالة لا يمكن أن تُبنى على أنصاف الحقائق، وأن "نسيان الجريمة هو قتل ثان للضحايا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة