أعلن السيسي، السبت، تقديره للرسالة التي تلقاها من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مثمّنًا عرضه التوسط في النزاع المستمر منذ سنوات بين مصر وإثيوبيا حول مياه نهر النيل. وفي منشورات على منصات التواصل الاجتماعي، أوضح أنه ردّ على الرسالة بتأكيد موقف مصر ومخاوفها المرتبطة بأمنها المائي في ما يخص سدّ النهضة الإثيوبي، واصفًا النيل بأنه "شريان حياة للشعب المصري".
وأكد السيسي التزام القاهرة بالتعاون "الجاد والبنّاء" مع دول حوض النيل، استنادًا إلى مبادئ القانون الدولي، وبما يحقق المصالح المشتركة ويمنع الإضرار بأي طرف، مشددًا على أن هذه المبادئ تمثّل "الثوابت التي يتأسس عليها الموقف المصري".
كما رحّب بما تضمنته رسالة ترامب من اعتراف بالدور المحوري الذي تضطلع به مصر في دعم الأمن والاستقرار الإقليميين، ولا سيما في سياق الجهود التي ساهمت في التوصل إلى وقف إطلاق نار في غزة.
كان ترامب قد عرض، الجمعة، إعادة إطلاق وساطة أمريكية رفيعة المستوى بين مصر وإثيوبيا، معتبرًا في رسالة وجّهها إلى السيسي ونشرها أيضًا على منصة "تروث سوشال" أن "أي دولة في هذه المنطقة لا ينبغي أن تسيطر بشكل أحادي على الموارد الثمينة لنهر النيل" بما يضر جيرانها.
وأعلن الرئيس الأمريكي استعداده لاستئناف الجهود الدبلوماسية "لحل مسألة تقاسم مياه النيل بشكل مسؤول ونهائي"، متعهدًا بأن يكون سدّ النهضة الإثيوبي الكبير على رأس جدول أعماله. وأعرب عن أمله في التوصل إلى صيغة تضمن إمدادات مائية مستقرة لمصر والسودان، وتتيح لإثيوبيا بيع أو تقديم الكهرباء لهما، بما يعزز الاعتماد المتبادل إقليميًا.
كما حذّر ترامب من أن استمرار النزاع من دون حل قد يقود إلى تصعيد واسع وربما مواجهة عسكرية كبرى، معتبرًا أن معالجة التوترات المرتبطة بالسد تمثّل أولوية قصوى ضمن جهود إدارته للسلام في إفريقيا والشرق الأوسط.
افتتحت إثيوبيا في سبتمبر سدّ النهضة، أكبر مشروع كهرومائي في إفريقيا، بعد أعمال بناء استمرت 14 عامًا، بكلفة تتراوح بين 4 و5 مليارات دولار، ومن المتوقع أن يضاعف أكثر من مرة القدرة الكهربائية الحالية للبلاد. وترى أديس أبابا في السد ركيزة أساسية لطموحاتها الاقتصادية وجهود الحد من الفقر، وقد رفضت مرارًا الاتهامات المصرية بأن المشروع سيضر بإمداداتها المائية.
في المقابل، تصف مصر السد بأنه تهديد وجودي، إذ تعتمد على نهر النيل لتأمين نحو 97 في المئة من احتياجاتها المائية، في بلد يُعد من أكثر دول العالم جفافًا ويبلغ عدد سكانه قرابة 110 ملايين نسمة. وتؤكد القاهرة أن أي خفض في حصتها من المياه ستكون له آثار كارثية على توازنها الغذائي، وقد يؤدي إلى فقدان مئات الآلاف من الوظائف الزراعية.
أما السودان، فقد عبّر بدوره عن مخاوفه، معتبرًا أن عدم مشاركة إثيوبيا معلومات آنية حول تشغيل السد تسبب بفيضانات مميتة في بعض المناطق، وطرح تهديدات هيكلية لسدوده الأصغر. وقد رحّب قائد الجيش السوداني ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان بعرض ترامب للوساطة، مؤكدًا دعم الخرطوم لأي مبادرة تفضي إلى حلول مستدامة تحفظ حقوق جميع الأطراف وتساعد على استدامة الأمن والاستقرار في الإقليم.
فشلت خلال العقد الماضي محاولات وساطة عديدة بين الدول الثلاث، قادتها تباعًا الولايات المتحدة والبنك الدولي وروسيا والإمارات العربية المتحدة والاتحاد الإفريقي، في التوصل إلى اتفاق ملزم قانونيًا بشأن تشغيل السد، الذي اكتمل العام الماضي وأصبح يعمل بكامل طاقته.
وكانت الولايات المتحدة قد توسطت في اتفاق عام 2020 خلال الولاية الأولى لترامب، إلا أن إثيوبيا امتنعت عن توقيعه في اللحظة الأخيرة. وخلال تلك الفترة، أدلى ترامب بتصريحات مثيرة للجدل قرب نهاية ولايته الأولى، قال فيها إنه يأمل بالتوصل إلى حل، مضيفًا أنه في حال عدم حصول ذلك "سيفجرون ذلك السد"، في إشارة إلى مصر. وقد أثارت هذه التصريحات صدمة في القاهرة وأديس أبابا، اللتين استدعتا السفير الأمريكي لطلب توضيحات وتعهدتا بمقاومة أي هجوم.
ورغم الجدل، لطالما ردد ترامب في تصريحات علنية المخاوف التي تطرحها القاهرة بشأن قضية المياه، معتبرًا أن السد "مشكلة كبيرة". واليوم، يعود الدور الأمريكي إلى الواجهة بمحاولة ثانية لكسر الجمود الدبلوماسي، في وقت يتمسك فيه كل طرف بموقفه، فيما يبقى نهر النيل محور نزاع مفتوح على احتمالات سياسية وأمنية معقّدة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة