في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
طهران- خلال الأيام الماضية، وجد الإيرانيون أنفسهم أمام واقع قاسٍ، انقطاع شبه كامل للاتصال شمل الإنترنت الدولي والمحلي على حد سواء، بإضافة إلى تعطل واسع في وسائل التواصل، واضطراب الاتصالات الهاتفية، بالتزامن مع توقف كثير من الرحلات الجوية الدولية من وإلى طهران، بسبب انقطاع الإنترنت، حسب بيان رسمي.
وهذا التزامن حوّل الحياة اليومية إلى سلسلة من المحاولات غير المكتملة، ورسّخ شعورا عاما بالعزلة المؤقتة، داخل البلاد وخارجها.
وفي الشوارع، تبدو الحياة ظاهريا طبيعية، فالأسواق مفتوحة، وحركة المرور مستمرة، والمقاهي مكتظة، لكن خلف هذا المشهد، تتراكم قصص قلق وتعطّل وانقطاع، لا تظهر في العلن، بل تُعاش داخل البيوت، وفي تفاصيل العمل والدراسة والعلاقات الإنسانية.
وبخلاف ما اعتاده الإيرانيون في فترات سابقة، لم يقتصر الانقطاع هذه المرة على الإنترنت الدولي، بل طال نظيره المحلي أيضا إلى حد كبير، وتطبيقات التواصل الداخلية التي لجأ إليها المواطنون سابقا بوصفها بديلا اضطراريا خرجت عن الخدمة، في حين بات الاتصال بالشبكة عموما متعذّرا لساعات طويلة.
ويقول شاب من طهران إن هاتفه تحوّل إلى قطعة صامتة، مضيفا أن المشكلة لم تعد في غياب منصات أجنبية، بل في فقدان أي وسيلة تواصل رقمية، حتى الرسائل النصية القصيرة لا تصل.
ومع غياب الإنترنت، لجأ كثيرون إلى الاتصال الهاتفي التقليدي، لكن هذا الخيار بدوره لم يكن مستقرا. ويشكو مواطنون من انقطاع المكالمات، أو عدم إتمامها من الأساس، خصوصا في الاتصالات الدولية.
وضاعف هذا الاضطراب منسوب القلق لدى الإيرانيين في الداخل والخارج، إذ بات الاطمئنان على الأهل مهمة شاقة، لا تُحسم بمكالمة سريعة كما في السابق، وتقول سيدة تقيم عائلتها في الخارج إن محاولاتها اليومية للاتصال تنتهي غالبا بصمت أو بانقطاع مفاجئ.
ومع غياب الإنترنت والاتصال الهاتفي المستقر، لم يعد التأجيل مرتبطا فقط بالرحلة، بل أيضا بعدم القدرة على التنسيق، أو حتى تبادل المعلومات الأساسية.
ويقول مواطن إيراني مقيم في الخارج، كان يستعد للعودة، إن الرحلة أُلغيت، والاتصال انقطع، ولا يعرف متى يمكن إعادة التخطيط. وهذا الفراغ الزمني غير المحدد خلق حالة انتظار مفتوحة، بلا إجابات واضحة.
وألقى الانقطاع بظلاله الثقيلة على التعليم، خصوصا لدى الطلاب الذين يعتمدون على منصات إلكترونية أو يدرسون في جامعات خارج إيران، حيث توقَّفت المحاضرات، وتعذّر تسليم الواجبات، وانقطع التواصل مع الأساتذة، وحتى داخل البلاد، تعطّلت أشكال التعليم عن بُعد، واضطر طلاب لتجميد فصل دراسي كامل فعليا.
أما الأعمال المعتمدة على الإنترنت، فكانت من أكثر القطاعات تضررا، فقد وجد صحفيون ومبرمجون ومصممون ومترجمون ومسوّقون رقميون، وأصحاب متاجر إلكترونية، أنفسهم فجأة بلا أدوات عمل.
ويقول أحد العاملين في مجال الترجمة إن الدخل توقف بالكامل، مضيفا أن المشكلة لا تقتصر على الخسارة المالية، بل تمتد إلى فقدان الثقة مع العملاء في الخارج بسبب الغياب القسري.
وعند أحد شوارع طهران الرئيسية، يقف سائق سيارة أجرة ينظر إلى هاتفه باستمرار، ويشرح أن عمله يعتمد بشكل كامل على تطبيق إلكتروني لتلقي الطلبات، لكنه شبه متوقف منذ أيام، ويقول بنبرة متعبة "حتى لو أردت العمل بالطريقة التقليدية، فالطلب أقل، والناس اعتادت الحجز عبر الهاتف".
وبالنسبة له، لا يعني انقطاع الإنترنت فقدان وسيلة ترفيه أو تواصل، بل فقدان مصدر رزقه اليومي، ويضيف "كل ساعة بلا إنترنت هي خسارة مباشرة"، مشيرا إلى أن كثيرين من زملائه يواجهون الوضع نفسه.
ويمتد الأثر إلى المرضى الذين يعتمدون على السفر للعلاج أو المتابعة الطبية في الخارج، فقد توقفت الرحلات، وتعذّر التواصل مع المستشفيات، وأُجّلت مواعيد حسّاسة. وتقول عائلة مريض إن كل شيء عالق، لا موعد، ولا رحلة، ولا حتى وسيلة تواصل لشرح الحالة للطبيب.
ولا يصف كثير من الإيرانيين ما يحدث بأنه أزمة معلنة، بل حالة عزلة تتسلل بهدوء إلى تفاصيل الحياة، فحين تتوقف الرحلات، وينقطع الاتصال، وتتعطل الأعمال، يصبح الإحساس بالانفصال عن العالم أمرا يوميا، حتى وإن بدت الشوارع مزدحمة والحياة مستمرة ظاهريا.
وفي سياق محاولة تفسير ما بات يُعرف داخليا بـ"العزلة الرقمية"، قدّمت السلطات الإيرانية تفسيرها الرسمي لقرار قطع الإنترنت الذي طال البلاد برمّتها لعدة أيام. ووفق تصريحات نقلها مسؤولون إيرانيون، فإن القرار اتُّخذ لأسباب أمنية تتعلق بما وصفوه بـ"التهديدات المتصاعدة" خلال الاحتجاجات القائمة.
وفي تصريح لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قال إن خطوة حجب الإنترنت اتُّخذت بعد بدء ما وصفته طهران بالعمليات الإرهابية ضمن المظاهرات، معتبرا أن هذا الإجراء كان ضروريا لـ"حماية الأمن العام واستقرار المجتمع"، في ظل ما وصفته السلطات بـ"التنسيق عن بُعد للمظاهر غير القانونية".
كما أكد وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، ستار هاشمي، أن قيود الإنترنت وقطع الشبكة جاءت بسبب "الاحتجاجات الشعبية المشتعلة"، في إشارة إلى المظاهرات الواسعة التي تشهدها المدن، وأن تلك القيود ضرورية لـ"منع إساءة استخدام الفضاء الإلكتروني في تحريض العنف وتنظيم أنشطة يعتبرها جهاز الأمن تهديدا".
وهذا المنطق الأمني يأتي في سياق حوادث مماثلة شهدتها إيران سابقا، حيث لجأت السلطات إلى حجب جزئي أو شبه كامل للإنترنت في أعقاب احتجاجات واسعة، معتبرة أن السيطرة على تدفق المعلومات جزء من إدارة الموقف على الأرض.
ومن وجهة نظر المسؤولين، يتمثّل الهدف من قطع الخدمة في تحييد أدوات تنسيق الاحتجاجات وتقييد نشر ما يرونه "معلومات مضلِّلة" أو تحريضية، وهو ما يُقدَّم على أنه إجراء مؤقت يتوافق مع أولويات الأمن والاستقرار، رغم الانتقادات الدولية التي تعتبره تقييدا صارما لحرية التعبير والتواصل.
من ناحيته، يقول الخبير الإعلامي حامي حامدي إن الانقطاعات الواسعة في الإنترنت والاتصالات الهاتفية منذ الخميس 8 يناير/كانون الثاني خلقت حالة شبيهة بـ"الإغلاق العام"، حيث بدا أن معظم مفاصل الحياة اليومية باتت مجمّدة.
ويضيف أن قرار الإغلاق، وفق ما يُفهم من السياق الرسمي، اتُّخذ لدواعٍ أمنية، وأسهم -من وجهة نظر السلطات- في الحد من الاضطرابات، والسيطرة على بعض العمليات التي وُصفت بالإرهابية خلال الاحتجاجات الأخيرة.
بيد أنه أشار في المقابل إلى أن هذا الإغلاق الرقمي خلّف مشكلات واسعة النطاق، خاصة لدى الفئات التي ترتبط أعمالها بالإنترنت الدولي لا المحلي فقط، مثل التجار، وأصحاب الشركات الصغيرة، والعاملين في الاستيراد، والذين تعتمد أنشطتهم على التواصل المباشر مع الخارج.
وفي حديثه عن الاحتجاجات، يرى حامدي أن جزءا منها يعكس مطالب اجتماعية واقتصادية حقيقية، مرتبطة بارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، وأن المجتمع كان ينتظر استجابة من الحكومة.
لكنه يضيف أن "دخول أعمال عنف وعمليات إرهابية على خط الاحتجاجات غيّر مسارها"، ودفع السلطات إلى التعامل معها بمنطق أمني مشدد، كان من نتائجه شلل واسع في البلاد.
ويؤكد الخبير الإعلامي أن غياب الإنترنت لا يُعد مشكلة إعلامية فقط، بل أزمة معيشية واقتصادية، تمسّ من يتعاملون بالعملات الأجنبية، ومن يحتاجون إلى طلب قطع غيار من الخارج، أو إتمام عمليات شراء لا يمكن تسليمها في ظل الانقطاع. ويشبّه الوضع بحالة عطلة طويلة قسرية، لكن دون استعدادات.
وبرأي الخبير الإيراني، فإن محدودية البنية التحتية الرقمية تزيد من تعقيد المشهد، فحتى في الحالات التي تعمل فيها بعض الخدمات الأساسية، مثل تطبيقات النقل أو الخدمات المصرفية، فإن غياب تطبيقات التواصل الداخلية يجعل أبسط أشكال التنسيق صعبة.
ويضرب مثالا بعدم القدرة على إرسال ملف أو صورة داخل المدينة الواحدة، مما يعيد الناس -على حد تعبيره- إلى ما يشبه زمن ما قبل الإنترنت، حيث يُضطر الأفراد إلى نقل المعلومات يدويًا، مما يترتب عليه زيادة في الوقت والكلفة.
ويختم حامدي بالإشارة إلى أن الإنترنت لا يوفّر السرعة فحسب، بل يخفّض التكاليف ويبسّط الحياة اليومية، وأن غيابه يضاعف الأعباء المعيشية على الأفراد.
ويقول إن الأمل السائد داخل المجتمع هو أن تهدأ الأوضاع سريعا، بما يتيح عودة الاتصال، وفك حالة "القفل" التي تعيشها البلاد، واستئناف الحد الأدنى من الحياة الطبيعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة