"نحلم كثيراً لكن لا نعمل" مقولة ترددت كثيراً في الإعلام التونسي وكانت بمثابة الرصاصة التي أطلقها اللاعب الشاب حنبعل المجبري، محبوب جماهير منتخب تونس في وجه مسؤولي قطاع الرياضة في بلده، عقب الخروج المبكر والمخيب من كأس أمم افريقيا بالمغرب .
حنبعل المجبري المولود بفرنسا ولاعب أندية باريس سان جرمان ومانشستر يونايتد وحالياً نادي بيرنلي الإنجليزي، لم يكن مجرد لاعب متميز فوق الميادين فهو ينظر له كقائد مستقبلي لنسور قرطاج لا سيما مع صغر سنه (22 عاماً).
رفع سقف التوقعات والأحلام في الشارع، قبل أشهر فقط من مونديال 2026 الذي تشارك فيه تونس للمرة السابعة، لا يتوافق مع الحقائق المرة على الأرض ومع الأداء المهتز وسوء النتائج الذي تعاني منه الكرة التونسية منذ سنوات.
ضاعف تأهل منتخبات المغرب والجزائر ومصر إلى الدور ربع النهائي في كأس إفريقيا الحسرة والغضب من أداء لاعبي المنتخب التونسي.صورة من: Tarek Guizani/DWفي منطقتي "باب سويقة" و"باب الجديد" اللتين تمثلان معقلي قطبي العاصمة ناديي الترجي والإفريقي، تقاسمت جماهير الفرقين اللدودين مشاعر الإحباط ذاتها رغم مرور عدة أيام عن الخيبة. وضاعف تأهل منتخبات المغرب والجزائر ومصر إلى الدور ربع النهائي في كأس إفريقيا، الحسرة والغضب من أداء لاعبي المنتخب.
لكن خلف هذه المشاعر كانت نبرة التضامن طاغية مع تصريحات حنبعل مقابل اتهامات مباشرة للمسؤولين، وقد عبر عن ذلك بوضوح وبصوت عال الشاب عزيز معمري في غمرة النقاش مع باقي المشجعين أمام مقهى جماهير الترجي: "نحن لا نملك ملاعب ولدينا ملعب وحيد مطابق للمعايير. هذا لا يساعد على المنافسة قارياً".
وفي دردشة للشباب مع مراسل DW عربية، لم يتردد معمري في الاعتراف بتفوق منتخبات دول الجوار بأشواط عن تونس، مؤكداً أنه "عندما نشاهد منتخبات أخرى سنجد لاعبين مثل (محمد) صلاح و(عمر) مرموش و(أشرف) حكيمي و(رياض) محرز. هؤلاء يلعبون في مستوى عالي، نحن لا نملك لاعبين بهذا المستوى. حنبعل أيضاً لم يصل بعد إلى هذا المستوى".
مع ذلك يتوافق معمري وباقي الجالسين من حوله بشأن ما قاله نجم بيرنلي، ويضيف على ذلك: " المغاربة حلموا ثم أنجزوا. شيدوا ملاعب ويستعدون لتنظيم كأس العالم ومنتخبهم رابع العالم في المونديال الأخير. تونس كلها تعيش من أجل حلم، لكن لم نحقق شيئاً في الرياضة وفي باقي القطاعات".
وبجانب معمري قال الشاب نور الدين بن قيزة بذات النبرة اليائسة: "منذ 2013 أسمع التبريرات ذاتها. نريد أن نفرح. الرياضة مهمشة في تونس، سواء الجماعية أو الفردية. لدينا أبطال يتوجون بميداليات عالمية ولا يحظون بأي استقبال، لهذا يفرون إلى الخارج. إنها فضيحة".
قبل صدمة حنبعل، كان الجمهور التونسي شاهداً على قصص مختلفة لمعاناة رياضيي النخبة بسبب نقص الرعاية والدعم المالي، من بينهم السباح المتوج بالميدالية الذهبية في أولمبياد طوكيو أحمد الحفناوي، وبطل التايكواندو خليل الجندوبي، والرباعة غفران بلخير التي اختارت الهروب من بطولة العالم في النرويج إلى ألمانيا، في حادثة هزت الرأي العام.
ويقول الشاب نور الدين بن قيزة: "هنا أيضاً في باب سويقة نملك كفاءات عالية في كرة القدم لكن الشباب يفتقدون إلى الدعم والتشجيع. ينتهي المطاف بالكثير في الشوارع بلا أفق ".
لا يختلف الحال كثيراً في الوقت الحالي بالنسبة للمنتخب والنوادي، ففي ظل الافتقاد لخارطة طريق واضحة للإصلاح، تبدو كرة القدم في تونس بلا أفق.
أقصت مالي تونس بركلات الترجيح في ثمن نهائي أمم إفريقيا.صورة من: Ulrik Pedersen/NurPhoto/picture allianceخلال الربع الأول من القرن الحالي حققت تونس أفضل إنجازاتها القارية بتتويجها باللقب الوحيد في سجلها لكأس أمم افريقيا عام 2004 على أرضها مع المدرب العالمي الفرنسي روجي لومار المتوج قبلها بكأس أمم أوروبا مع فرنسا عام 2002. وحصدت الأندية التونسية ثلاثة القاب في دوري أبطال إفريقيا وخمسة ألقاب في كأس الكونفدرالية.
لكن تلك الأيام الخوالي لسطوة الكرة التونسية توقفت منذ عدة سنوات؛ إذ فشل المنتخب في الوصول إلى المربع الذهبي منذ تتويجه باللقب في 2004 باستثناء دورة مصر عام 2019، وعجز عن تحقيق هدفه في تخطي الدور الأول في كأس العالم في مونديال روسيا 2018 و مونديال قطر 2022 كما تراجع تصنيفه دولياً إلى المرتبة 41 حسب آخر تحديث نشر في ديسمبر/كانون الأول الماضي. وفي المقابل يعود آخر تتويج على مستوى الأندية إلى عام 2019 مع الترجي في دوري الأبطال.
في حديثه مع DW عربية، يشير سفيان العجيمي، وهو من المدربين الشباب للفئات السنية بأكاديمية خاصة بجهة سوسة وخبير رياضي، إلى أزمة عميقة تشمل كامل منظومة الرياضة بتونس بدءاً بتدهور البنية التحتية للمنشآت الرياضية.
في تقدير سفيان العجيمي وأغلب خبراء الرياضة في تونس، فإن البداية الحقيقية لأي مشروع إصلاحي تكمن في امتلاك بنية تحتية ملائمة. فلا يمكن الحديث عن تكوين أو احتراف أو تطوير أداء في غياب ملاعب صالحة، ومراكز تدريب حديثة تحترم الحد الأدنى من شروط العمل الرياضي. ويضيف العجيمي بشكل حاسم: "البنية التحتية ليست ترفاً، بل هي الأساس الذي تبنى عليه كل النجاحات".
بحسب معطيات قدمتها لجنة برلمانية، فإن الموازنة المخصصة لوزارة الشباب والرياضة لعام 2026 تتجاوز بقليل مليار دينار تونسي (حوالي 344 مليون دولار أمريكي) يخصص أكثر من نصفها للأجور فيما لا تتجاوز التمويلات الموجهة للبنية التحتية وأعمال الصيانة 400 مليون دينار (قرابة 138 مليون دولار أمريكي)، وهي مبالغ تعتبرها اللجنة غير كافية للاستجابة لاحتياجات قطاع الرياضة.
بحسب معطيات قدمتها لجنة برلمانية، فإن الموازنة المخصصة لوزارة الشباب والرياضة لعام 2026 تتجاوز بقليل مليار دينار تونسي صورة من: Chokri Mahjoub/ZUMA Press Wire/picture allianceمنذ ربع قرن لم تشيد تونس ملعباً جديداً، فيما تعطلت أشغال إعادة بناء إستاد المنزه التاريخي في العاصمة لأكثر من عشر سنوات بينما تفتقر باقي الملاعب المستخدمة في المنافسات المحلية للصيانة المطلوبة بسبب أزمة المالية العمومية، وأدى ذلك بالنتيجة إلى استنزاف الملعب الوحيد المطابق لمعايير الاتحاد الافريقي، ملعب رادس، الذي يستقبل مباريات المنتخب وناديي الترجي والإفريقي وباقي الفرق المنافسة في المسابقات القارية.
على الجهة المقابلة تقول السلطة التي سيطرت على الحكم بشكل كامل في 2021 عبر رفع شعار "البناء والتشييد" بعد نحو عقد من الانتقال السياسي المتعثر، إنها تخوض حرب "تحرير" من أجل التنمية، لا سيما في قطاعات الصحة العمومية والنقل والخدمات، دون الإشارة إلى الملاعب الرياضية.
ويوضح الخبير والمحلل الإعلامي في قضايا الرياضة طارق الغديري لـ DW عربية: "هناك أزمة هيكلية للقطاع الرياضي ترتبط بالبنية التحتية، لكن تونس تحتاج أولاً للمستشفيات ومطارات ومدارس".
ترهل المنشآت الرياضية في تونسصورة من: Tarek Guizani/DWينظر هذا التحليل المتداول في تونس بتحفظ إلى الربط بين التألق الرياضي والشرط المسبق لضرورة توفر البنية التحتية، بدليل امتلاك دول افريقية لمنشآت أقل من تونس لكنها تملك منتخبات قوية مثل الكونغو الديمقراطية وبروكينا فاسو ومالي التي أطاحت بتونس من المسابقة القارية في المغرب.
يعتقد الخبير والمحلل الإعلامي في قضايا الرياضة طارق الغديري أن المشكلة بالأساس هيكلية تشمل كيفية رعاية المواهب حيث كان يفترض في تقديره، أن تفتح الأبواب لتصدير المواهب الشابة حتى تصقل بشكل أكثر احترافية في مراكز تكوين متطورة في الخارج وتلعب في دوريات أكثر تنافسية، تماماً مثلما تقوم به دول أخرى في إفريقيا.
مع ذلك تظل العقبة الأكبر حسب المحلل، في التأخر بمعالجة الأسباب الجوهرية مثل سن قوانين جديدة لتنظيم قطاع الرياضة والجمعيات حتى تتحول إلى شركات مستقطبة للاستثمارات.
وفي نقطة أخرى يوضح الغديري لـ DW عربية: "القوانين المطبقة وطريقة الانتخاب لا تسمح باختيار مسؤولين من ذوي الشروط والمعايير الكفؤة، لهذا فإن القوانين الحالية تنتج منظومة الفشل باستمرار وبنفس الطريقة أمام صمت السلطة. المسؤولون هم علة الكرة في تونس ".
على مدار سنوات شهدت العلاقة بين السلطة والاتحاد التونسي لكرة القدم توتراً ما دفع بتكهنات في أكثر من مرة بتدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وفرضه عقوبات على تونس. وقبل سنوات ذكر أسطورة كرة القدم التونسية طارق ذياب الذي شغل منصب وزير الرياضة فيما مضى أنه سيكون من الأفضل حل اتحاد الكرة والتفرغ للإصلاح بدل الاستمرار مع منظومة وصفها في كثير من المرات بالفاسدة.
ومن جانبه، يعتقد سفيان العجيمي في تحليله لـ DW عربية أنه سيكون من الأفضل تعزيز دور الهيئات الرقابية وربط المسؤوليات بالمحاسبة لاستعادة الحوكمة والانضباط والشفافية في قطاع الرياضة، مع فسح المجال لزيادة الاستثمارات في الجهات ومراجعة نظام التوقيت في المدارس بما يسمح للناشئة بالتوفيق بين الدراسة وممارسة الرياضة، وبالتالي تكوين أجيال متوازنة قادرة على النجاح داخل الملعب وخارجه.
المصدر:
DW