في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كييف- بالمُسيَّرات ومختلف أنواع الصواريخ، تعرضت العاصمة الأوكرانية كييف إلى واحدة من أضخم وأعنف الهجمات الروسية المركبة ليلة أول أمس الخميس، أدت إلى مقتل 23 شخصا وإصابة أكثر من 50 آخرين، ثم إعلان الحداد حزنا على الضحايا، وحجم الدمار الواسع الذي طال 225 مبنى في المدينة، وفق إدارتها العسكرية.
ولكن، رغم أن ختام أغسطس/آب كان بهذا الهجوم الضخم، وهجمات أخرى على مدن دنيبرو وزاباروجيا وغيرها، فإنه شهر رجحت فيه كفة القصف بعيد المدى -وفق خبراء- لصالح أوكرانيا ، بعشرات الضربات اليومية تقريبا على مصافي النفط ومرافق التخزين ومحطات وشبكات التصدير في العمق الروسي، أو داخل الأراضي الأوكرانية الخاضعة للسيطرة الروسية.
وأحصت وسائل إعلام محلية أن أوكرانيا شنَّت منذ بداية العام الجاري 100 هجوم مؤكد رسميا من قبل كييف على البنية التحتية للنفط والغاز في روسيا، جُلها كان خلال الشهر الجاري.
بالدراسات والأرقام، يؤكد أوكرانيون أن ما صرفوه على تلك الهجمات لا يساوي شيئا أمام حجم الخسائر التي لحقت بروسيا في شتى المجالات، لاسيما الاقتصاد والناتج المحلي.
ولتوضيح ذلك، تحدثت الجزيرة نت مع مدير البرامج الاقتصادية في "المعهد الأوكراني للمستقبل"، أناتولي أميلين، الذي كشف أن "المعهد أجرى دراسة مفصلة على 75 هجوما أوكرانيا من أصل 100، وخلص إلى أن كل دولار واحد أنفقته أوكرانيا، ألحق أضرارا مختلفة لدى الجانب الروسي، تتراوح ما بين 50 وألف دولار، بحسب المواقع المستهدفة".
وأوضح قائلا "متوسط تكلفة الطائرة المسيرة بعيدة المدى هو 50 و200 ألف دولار، لأنها صناعة محلية خالصة تقريبا، ومتوسط تكلفة الهجوم تتراوح ما بين 0.5 ومليوني دولار (باستخدام 1-10 طائرات)، وهكذا فإن (حملة 2025) كلفت تقريبا ما بين 50 و200 مليون دولار".
وأضاف "على الجانب الآخر، أحصينا، وتحدث الروس، عن خسائر مباشرة تبلغ من 1 إلى 1.5 مليار دولار، وحجم أضرار تتراوح بين 10و20 مليارا".
وتابع "لقد تراجعت أحجام تكرير النفط لديهم (الروس) بواقع 540 إلى 900 ألف برميل يوميا أي بنسبة 10-17% من إجمالي الإنتاج السابق، وخسر الناتج المحلي 0.5 -1%، أي ما بين 10 و20 مليار دولار من قيمة الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2025، والبالغ تريليوني دولار".
بهذه الضربات وغيرها، يتحدث مراقبون عن "نموذج أوكراني خاص" لخلق شيء من تكافؤ في القوى مع روسيا، وإستراتيجية تسمح باستنزاف وإضعاف الروس، إذا ما طال أمد الحرب أكثر.
ويقول مستشار لجنة الدفاع في البرلمان الأوكراني، يوري فيدورينكو "حربنا مختلفة بكل مقاييس القوى، فجيشنا الذي احتل المركز 21 عالميا يقاتل ثاني أكبر وأقوى الجيوش، ورغم هذا الفارق، عرَّضناه لضرب مبرح على مدار أعوام الحرب الماضية".
وأوضح للجزيرة نت "هم أكثر مالا وعددا وقوة، ولكننا أكثر إبداعا، ورغم حجم الخسائر، صنعنا انتصارات غيَّرت مسار الحرب، بدءا من استخدام الطائرات المسيرة ، ثم بتوجيه ضربة ساحقة لأسطول روسيا في البحر الأسود -الذي لا يقهر- وتحرير المنطقة المائية منه".
وأضاف فيدورينكو أنهم يلحقون بالمجمع الصناعي العسكري واقتصاد الروس أضرارا لا يمكن إصلاحها، بسبب التعليق المنتظم لحركة النقل الجوي، "والآن نقوم بتدمير قطاع النفط الأكثر أهمية وقداسة في الاقتصاد الروسي".
وتابع أن "هذه ليست نجاحات تكتيكية، بل إستراتيجية استنزاف مستمر، يدمر الأساس الاقتصادي لآلة الحرب بشكل منهجي، ويظهر كيف يمكن لدولة محدودة الموارد، ولكنها متقدمة تقنيا، أن تقاوم العدو بشكل فعال وطرق متعددة".
وأردف متوقعا أنه إذا استمرت ضرباتهم على روسيا بوتيرتها الراهنة، "فمع نهاية العام 2025 قد يصل إجمالي خسائر الاقتصاد الروسي إلى 35-45 مليار دولار، أي ما يعادل 2-2.5% من الناتج المحلي الإجمالي".
ورغم أن هذه الضربات تقابل برد فعل روسي أقوى، لا يستثني محطات وشبكات النفط والغاز والكهرباء أيضا، يبدو أن أوكرانيا مصرة على الاستمرار بما يسميه بعض الخبراء "حملات قصف منتظمة".
ومن وجهة نظر الخبير أناتولي أميلين "إذا حافظت أوكرانيا على (حملات منتظمة) بمعدل 8-10 شهريا، فهذه ستكون عملية مستمرة أثرها أكبر حتى من عملية (شبكة العنكبوت) التي تم تنفيذها بداية شهر يونيو/حزيران الماضي".
ويدلل على ذلك بالقول: "بالإضافة إلى خسائر قطاع النفط وتداعيات ذلك على قدرات التصدير والاقتصاد بشكل عام، بدأت تتشكل أزمة داخل مجتمع روسيا، بطوابير طويلة أمام محطات الوقود، وأصوات متزايدة لوقف الحرب، وهذه مجرد بداية فقط".
أما فيما يخص جبهات القتال الممتدة مسافة تزيد عن 1200 كيلو متر، فيقول المستشار يوري فيدورينكو "عندما تشكل عائدات النفط والغاز 30-40% من الميزانية الروسية، فإن كل مصفاة متضررة تشكل ضربة لإمكاناتهم، وإن الروس بدؤوا يعانون نقصا في إمدادات الوقود، وهذا يقلل كثافة عملياتهم الهجومية شيئا فشيئا".
ويرى فيدورينكو أن "التاريخ يعيد نفسه كما حدث قبل انهيار الاتحاد السوفياتي ، فأزمة الوقود التي تلوح في الأفق، والعقوبات المتوقعة على روسيا والمتعاونين معها، قد تكون هي العامل الذي سيجبر الكرملين على إعادة النظر في طموحاته العسكرية".
ويضيف أن "الأهم ألا نتوقف عند هذا الحد، حتى وإن كان الرد الروسي مؤلما، والمزيد ينتظر الروس، وليس فقط بالمسيرات، بل بصواريخ (نيبتون) و(فلامينغو) محلية الصنع، وربما حتى بصواريخ أميركية نوعية سنحصل عليها، إذا سمح لنا باستخدامها لضرب مواقع في العمق الروسي".