تنتمي معظم الشركات الأفريقية الكبرى اليوم إلى نموذج واحد؛ أعمال متنوعة مملوكة للعائلات. ويقول رئيس مكتب أفريقيا في شركة ماكنزي للاستشارات أتشا ليكي إن "تكتلات أكبر فأكبر يسيطر عليها أفارقة" بدأت تظهر، وفق تقرير نشرته مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية. وتفيد ماكنزي بأن ثلثي الشركات في القارة التي تتجاوز إيراداتها السنوية مليار دولار باتت مملوكة لمواطنين أفارقة ومقارها في القارة، في حين لا تتجاوز حصة فروع الشركات المتعددة الجنسيات الأجنبية، التي كانت مهيمنة، 30% بالكاد.
ولصعود الشركات الأفريقية وجه واحد لدى كثيرين خارج القارة: فالنيجيري أليكو دانغوتي أغنى رجل في أفريقيا، الذي يمتد نشاطه الصناعي من الإسمنت إلى الأسمدة في 17 بلدا أفريقيا، افتتح أكبر مصفاة نفط في القارة عام 2023، ويريد أن تصبح مجموعته أول شركة أفريقية بقيمة 100 مليار دولار بحلول 2030.
لكن ثمة من يلاحقه، ففي نيجيريا نفسها يواجه منافسا هو عبد الصمد رابيو مؤسس مجموعة "بوا" وسليل أسرة صناعية أخرى من مدينة كانو، وقد كوّن ثروته من خلال العمل في مجال الإسمنت والسكر، وصُنف ثاني أغنى شخص في أفريقيا في مايو/أيار الماضي، حين قدرت وكالة بلومبيرغ ثروته بنحو 19 مليار دولار، ثم تراجعت إلى نحو 14 مليارا.
وفي تنزانيا، يسعى محمد ديوجي -الوحيد في شرق أفريقيا والأصغر سنا في القارة- إلى تنمية مجموعة "إم إي تي إل"، التي أسسها والده في السبعينيات، لتبلغ 10 مليارات دولار بحلول عام 2030 بالتوسع في التعدين ومعالجة المعادن، ويقول لمجلة إيكونوميست إنه يريد لاحقا تحويلها إلى شركة تجارة إلكترونية.
لكن هذه الشركات ما زالت قليلة. ففي عام 2022، أحصت "ماكنزي" 345 شركة تتجاوز إيراداتها مليار دولار، ولم يُضف إليها اليوم سوى 26. وبحسب أحدث نسخة من "تقرير الثروة في أفريقيا"، ينحدر 25 من أصل 28 مليارديرا أفريقيا من أربعة من أكبر خمسة اقتصادات في القارة، هي نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر والمغرب. ويقول ليكي إن بناء شركة بمليار دولار "صعب جدا" خارج نيجيريا وجنوب أفريقيا ومصر.
بل إن ما يملكه الأفارقة الأصليون منها أقل. ففي شرق أفريقيا، تملك عائلات من أصول آسيوية كثيرا من كبريات الشركات، مثل عائلة ديوجي. وفي غرب أفريقيا، ينحدر بعض أكثر الصناعيين ثراء من أصول لبنانية، مثل غيلبرت شاغوري. ويشير المصرفي الاستثماري الكيني جون نغومي إلى أن "الأفارقة وصلوا متأخرين جدا إلى حفل تراكم رأس المال"، إذ منحت الشبكات التجارية التي بنتها العائلات الآسيوية واللبنانية في ظل الحكم الاستعماري أفضلية للانطلاق.
وينبع التنويع جزئيا من تشظي أسواق أفريقيا، إذ يقول ديوجي: "حين تتعامل مع اقتصاد ليس كبيرا بما يكفي، ينتهي بك الأمر إلى ممارسة أعمال متعددة". ويتوقف النجاح غالبا على علاقات وثيقة مع المسؤولين. فقد ساعد صعود دانغوتي ارتباطه بالرئيس النيجيري الأسبق أولوسيغون أوباسانجو، الذي أدخلت حكومته سياسات فضلت أعماله في الإسمنت والسكر والأرز على منافسين أجانب. ويُعرف عن رابيو قربه من الرئيس الحالي بولا أحمد تينوبو، في حين كان ديوجي نائبا في البرلمان عن الحزب الحاكم في تنزانيا.
وتبقى السياسة أكبر التحديات. ففي كتاب جديد عن التنمية الاقتصادية في رواندا، يرى بريتيش بيهوريا من جامعة مانشستر أن ارتياب الحكومة في الرأسماليين المحليين يفسر جزئيا قلة ما أنتجته البلاد من شركات كبيرة خاصة بها، إذ يُنظر إلى رأس المال الأجنبي بوصفه الرهان الأكثر أمانا سياسيا.
لكن جدوى هذا الرهان اقتصاديا أقل وضوحا، فرغم إنجازات دانغوتي، فإن شركاته لم تطلق بعد تصنيعا واسع النطاق في نيجيريا. ويلاحظ بيهوريا أن معظم التكتلات الأفريقية ما زالت تستثمر قليلا في تطوير درايتها الفنية، وهو ما يتركها غير مؤهلة للمنافسة عالميا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة