في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
عَمان – لم يكن شهر رمضان من الناحية الاقتصادية في الأردن هذا العام مجرد موسم للإنفاق المرتفع، بل بات اختبارا حقيقياً لقدرة الأسر على التوازن بين احتياجاتها اليومية ومخاوفها من مستقبل اقتصادي غير واضح، في ظل حرب إقليمية تلقي بظلالها على الأسواق وسلوك المستهلكين.
فلم يتوقع الثلاثيني طارق خريسات، الذي يسكن في العاصمة الأردنية، أن القصف الصاروخي المتبادل بين إسرائيل وإيران في السماء قد ينعكس على جيبه، وتدفعه لإعادة ترتيب أولوياته، والتمييز بين الأساسيات والكماليات.
فتطورات المنطقة جعلت طارق يعيد حساباته، بعدما كان يخطط لشراء ملابس عيد الفطر له ولزوجته، قبل أن ينتهي به الأمر إلى الاكتفاء بشراء الملابس لطفليه فقط، في ظل إقليم مشتعل ومخاوف أردنية من أزمة طاقة مرتقبة، عقب القرار الإسرائيلي بقطع إمدادات الغاز الطبيعي عن الأردن.
رافقت "الجزيرة نت" الشاب الأردني خلال جولته بسوق منطقة البيادر تحت وقع صفارات الإنذار من هجوم صاورخي، ويقول طارق إن أسعار السلع تظل ثابتة ولكن الذي تغير هو أولويات الإنفاق بالنسبة له، فشراء المؤونة الغذائية والغاز أصبح أكثر أولوية من الملابس وحلوى العيد.
يقول الخبير الاقتصادي الأردني حسام عايش لـ "الجزيرة نت" إن الإنفاق في رمضان ارتفع بنسب تتراوح بين 30% و50%، نتيجة التركيز على الغذاء والشراب والحلويات، وهي سلع تستحوذ على 33% من الإنفاق السنوي الأسرة الأردنية، وذلك وفق أرقام رسمية صادرة عن دائرة الإحصاءات الأردنية.
ويبلغ متوسط إنفاق الأسرة نحو 12512 دينارا سنويا (17650 دولارا)، مقابل دخل سنوي يقارب 11519 دينارا (16230 دولارا)، ما يعني وجود فجوة مالية، تتسع بشكل أكبر خلال رمضان.
ورغم أن معدل التضخم في الأردن بلغ 1.8% العام الماضي، وتراجع إلى 1.1% خلال أول شهرين من 2026، إلا أن هذه الأرقام لا تعكس الواقع الفعلي، بحسب حسام عايش، إذ ترتفع أسعار السلع الغذائية في رمضان بنسب تتراوح بين 10% و20%، ما يزيد الضغط على الأسر.
ومع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تغيّر سلوك المستهلكين الأردنيين إلى حد ما، إذ تراجع الاندفاع نحو الشراء بعد النصف الأول من رمضان، واتجه كثيرون نحو الادخار والتحوّط المالي، خشية ارتفاع الأسعار أو طول أمد الأزمة، مع تركيز لافت على تأمين أسطوانات الغاز.
في هذا السياق، لجأت ربة المنزل غلا الزيود إلى شراء أسطوانة غاز احتياطية تحسباً لأي انقطاع محتمل، ما دفعها لتعديل نمط إنفاقها خلال عيد الفطر، إذ قررت الامتناع عن إعداد حلوى المعمول وخبز العيد في المنزل، والاكتفاء بشراء الحلويات الجاهزة من الأسواق بأسعار أقل.
وتعزو غلا الزيود قرارها في تصريح للجزيرة نت إلى نهج استهلاكي أكثر حذرا في ظل الظروف الحالية، مشيرة إلى حرصها على تخزين المواد الغذائية في المنزل، مستفيدة من توفر وسائل التبريد، لضمان الجاهزية لأي طارئ محتمل.
وفي تصريحات سابقة، قال وزير الطاقة الأردني صالح الخرابشة عقب انقطاع إمدادات الغاز الإسرائيلي، إن الحكومة باشرت تنفيذ خطة الطوارئ المعتمدة، من خلال الانتقال إلى استخدام بدائل الطاقة المختلفة، بما يشمل الغاز الطبيعي عبر الباخرة العائمة، والديزل والوقود الثقيل.
وأوضح الوزير الخرابشة أن التحول لاستخدام الديزل بدل الغاز الطبيعي يكلّف شركة الكهرباء الوطنية نحو 1.8 مليون دينار يوميا، (مليونان و538 ألف دولار) لكنه طمأن المواطنين بأن الأردن يمتلك مخزونا إستراتيجيا كافيا، ولا توجد أي مشكلات فنية في عملية التزود بالإمدادات.
وفي تصريحات للخرابشة صدرت مساء أول أمس الخميس، قال الوزير إن المملكة تمتلك احتياطيات مريحة من مشتقات النفط، لافتا إلى أن المخزونات الحالية من الطاقة تكفي لنحو 30 يوما، ويتم تعزيزها باستمرار.
ويشير الاقتصادي حسام عايش إلى أن هذه التحولات الحالية تدفع الأردنيين إلى تقليل الإنفاق، وتأجيل التزامات مالية، والبحث عن بدائل أرخص، بما في ذلك الاستغناء عن شراء الملابس للآباء والاكتفاء بملابس الأطفال، في وقت يفرض فيه الواقع انتظارا أطول للراتب التالي يصل إلى 35 أو 40 يوماً.
ويظهر أثر هذا التحول أيضا في قطاعات اقتصادية بعينها، إذ تراجعت نسب الإشغال السياحي في بعض المناطق مثل مدينة العقبة إلى مستويات قد لا تتجاوز 10% إلى 20%، بعد أن كانت تصل إلى 100% في المواسم السابقة، وذلك بسبب الحرب المشتعلة في المنطقة.
وفي قطاع تجارة التجزئة، يقول ممثل قطاع المواد الغذائية في غرفة تجارة الأردن جمال عمرو للجزيرة نت إن أسعار بعض البضائع ارتفعت بعد 5 مارس/آذار الحالي، نتيجة زيادة كلف الشحن البحري بسبب تداعيات الحرب على إيران.
وبيّن عمرو أن السلع الأساسية مثل الأرز والسكر والبقوليات لم تشهد أي ارتفاعات، في حين سجلت بعض الزيادات على المعلبات مثل التونة والسردين والذرة والزيوت، غير أنه يؤكد بأن الأسواق لم تشهد ارتفاعات واسعة حتى الآن، وأن الأوضاع ما تزال مستقرة.
وتبدو الأسواق الأردنية حتى الآن صامدة في وجه الأزمة الأمنية والاقتصادية في المنطقة، وفق ما يؤكده الناطق الإعلامي باسم جمعية حماية المستهلك ماهر الحجات.
فحتى اللحظة، لم تسجل الأسواق المحلية ارتفاعات تُذكر على السلع الأساسية مثل السكر والأرز والسمن، وبقيت هذه المواد متوفرة بكميات كافية وأسعار مستقرة.
لكن خلف هذا الاستقرار، تلوح مخاوف من المرحلة المقبلة، إذ يحذر ماهر الحجات في تصريحات للجزيرة نت" من أن استمرار الأوضاع الحالية قد يرفع كلف الشحن والنقل والتخزين والمحروقات، ما سينعكس على الأسعار، ويدفع التجار لاحقا إلى تحميل المستهلكين هذه الزيادات.
وسبق لوزير الصناعة والتجارة والتموين الأردني يعرب القضاة أن صرح بأن المخزون الإستراتيجي من السلع الأساسية في الأردن "مطمئن"، إذ يبلغ مخزون القمح في الصوامع نحو خمسة أشهر، مع تعاقدات تمتد لأربعة أشهر ليصل الإجمالي إلى نحو تسعة أشهر ونصف، فيما يصل مخزون الشعير إلى أكثر من ثمانية أشهر، ويغطي المخزون من السكر ثلاثة أشهر، في حين تغطي مخزونات الأرز والحليب المجفف أربعة أشهر لكل منهما.
تتحرك الحكومة الأردنية على أكثر من مسار لاحتواء التداعيات الاقتصادية الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وذلك في محاولة لضمان استقرار الأسواق وأمن الطاقة والغذاء.
فقد أقر مجلس الوزراء حزمة إجراءات شملت إعفاء مشتريات شركة الكهرباء الوطنية من الديزل وزيوت الوقود من جميع الضرائب والرسوم، إلى جانب السماح باستيراد البضائع عبر المنافذ البرية لمدة شهر، وإعفاء الشحن البحري من الرسوم لمدة ستة أشهر، في خطوة تهدف لتقليل كلف الاستيراد.
كما دعمت الحكومة المؤسسة الاستهلاكية المدنية بمبلغ 2.5 مليون دينار (3.5 مليون دولار) لتعزيز مخزون السلع الأساسية، وشرعت في تسريع صرف مستحقات الشركات الصناعية بقيمة تقارب 15 مليون دينار (21 مليون دولار)، لتحفيز النشاط الاقتصادي.
ويشير مسؤولون أردنيون إلى أن الصناعات الغذائية المحلية تغطي نحو 65% من احتياجات السوق، ما يعزز نسبيا قدرة المملكة على مواجهة أي اضطرابات محتملة.
وتكشف بيانات نقابة ملاحة الأردن عن تحولات كبيرة في مسارات الشحن البحري، بعد تحويلها من مضيق باب المندب إلى رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، ما أطال الرحلات آلاف الأميال ورفع زمن التوصيل بشكل ملحوظ.
فقد ارتفعت مدة الشحن البحري من شنغهاي إلى الأردن من 6100 إلى 9500 ميل بحري (11297 كلم إلى 17594 كلم)، مع تأخير يصل إلى 13 يوماً، فيما قفزت مدة رحلات الشحن البحري من سنغافورة إلى 27 يوماً بدلا من 17، وسجلت الشحنات من ميناء جبل علي (دولة الإمارات) أعلى تأخير، إذ تضاعف مدتها إلى نحو 24 يوماً.
هذا التحول لم يمر دون كلفة، إذ فرضت شركات الملاحة البحرية رسوماً إضافية متعددة، تراوحت بين 700 و4000 دولار للحاوية، إلى جانب رسوم مخاطر الحرب التي وصلت إلى 3500 دولار، ما يعكس ضغطا متزايدا على كلف الاستيراد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة