يشهد سباق الذكاء الاصطناعي تحولا يتجاوز قوة المعالجات، إذ تتطلب النماذج الأكثر تطورا، مع قدرتها على معالجة السياقات الطويلة وتنفيذ المهام المتواصلة، كميات متزايدة من الذاكرة للوصول إلى البيانات بسرعة.

وفي هذا العام، يمتد هذا الطلب من خوادم مراكز البيانات إلى الحواسيب والهواتف والروبوتات التي تشغل الذكاء الاصطناعي محليا، مما يضع صناعة الذاكرة أمام تحديات تتعلق بالإمدادات وتكاليف الإنتاج ومواكبة احتياجات السوق.

مصدر الصورة نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة تحتاج إلى ذاكرة سريعة وسعة كبيرة لمعالجة البيانات والسياقات الطويلة (شترستوك)

ذاكرة لا تقل أهمية عن المعالج

لا تعتمد كفاءة تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي على قوة المعالج وحدها، بل تحتاج أيضا إلى ذاكرة تتيح الوصول السريع إلى أوزان النموذج والبيانات والنتائج الوسيطة أثناء المعالجة. وكلما ازداد حجم النموذج وطال السياق الذي يتعامل معه، ارتفعت كمية البيانات التي ينبغي الاحتفاظ بها في الذاكرة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 من العدسات إلى الخوارزميات.. عندما يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الصورة العلمية
* list 2 of 2 من الترانزستور إلى "شات جي بي تي".. رحلة مفاتيح صنعت ثورة الذكاء الاصطناعي end of list

وتبرز هنا ذاكرة إتش بي إم (HBM)، أو الذاكرة عالية النطاق الترددي، التي تستخدم بالقرب من معالجات الذكاء الاصطناعي لنقل كميات كبيرة من البيانات بسرعة عالية، وتعد هذه التقنية مهمة في مراكز البيانات التي تشغل نماذج ضخمة، إذ تساعد على تقليل الوقت الذي تنتظره المعالجات للحصول على البيانات اللازمة للحسابات.

وتزداد الحاجة إلى الذاكرة أيضا مع معالجة السياقات الطويلة وتشغيل الأنظمة التي تنفذ مهام متتابعة. وتستخدم هذه الأنظمة ذاكرة مؤقتة تُعرف باسم كيه-في كاش (KV Cache) للاحتفاظ بمعلومات وسيطة خلال توليد الإجابات، مما قد يزيد استهلاك الذاكرة بحسب حجم النموذج وطول السياق وطبيعة المهمة.

كيف يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل سوق الذاكرة؟

لا يقتصر تأثير التوسع في الذكاء الاصطناعي على مراكز البيانات، بل يمتد إلى صناعة أشباه الموصلات، فالشركات المصنعة توزع استثماراتها وطاقاتها الإنتاجية بين أنواع مختلفة من الذاكرة، أبرزها إتش بي إم المستخدمة في مسرعات الذكاء الاصطناعي، ودي آر إيه إم (DRAM) التي تعتمد عليها الحواسيب والهواتف والخوادم، وناند فلاش (NAND Flash) المستخدمة في وحدات التخزين.

إعلان

ومع ارتفاع الطلب على ذاكرة إتش بي إم، تواجه الشركات تحديا في زيادة إنتاجها لتلبية احتياجات مراكز البيانات، مع المحافظة على إمدادات الأنواع الأخرى، وقد يؤدي التنافس على الطاقة الإنتاجية والاستثمارات إلى اختلال التوازن بين العرض والطلب، بما ينعكس على أسعار الذاكرة وتوافرها.

ويزيد انتشار ما يعرف بالذكاء الاصطناعي الوكيلي من هذه الاحتياجات، إذ تستطيع الأنظمة تنفيذ سلسلة من الخطوات تشمل تحليل المعلومات واستخدام الأدوات ومراجعة النتائج، بدلا من الاكتفاء بإجابة واحدة. ومع ذلك، تختلف كمية الذاكرة المطلوبة باختلاف النموذج والتطبيق، كما يمكن لتقنيات تحسين البرمجيات وإدارة الذاكرة أن تخفف الاستهلاك في بعض الحالات.

فاتورة الذكاء الاصطناعي تصل إلى الحواسيب والهواتف

عندما يرتفع الطلب على الذاكرة المخصصة للخوادم، تتأثر إمدادات الذاكرة المتاحة للأجهزة الاستهلاكية، خصوصا إذا اتجهت الاستثمارات نحو المنتجات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، ويمكن أن يؤدي ارتفاع تكاليف المكونات إلى زيادة أسعار بعض الحواسيب والهواتف، أو دفع الشركات إلى تعديل مواصفات أجهزتها، بحسب حجم المخزون وتكاليف التصنيع وإستراتيجيات التسعير.

ولا يعني ذلك أن أسعار جميع الأجهزة سترتفع بالمقدار نفسه، إذ تتأثر التكلفة أيضا بأسعار المعالجات والشاشات والتجميع، وبالفئة السعرية التي يستهدفها كل منتج.

وفي المقابل، أصبحت الذاكرة الأكبر مهمة لتشغيل بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي مباشرة على الأجهزة، بما يتيح معالجة البيانات محليا وتقليل الاعتماد على الخدمات السحابية. لكن زيادة السعة وحدها لا تضمن أداء أفضل، إذ يعتمد ذلك أيضا على قوة المعالج وعرض نطاق الذاكرة وكفاءة البرمجيات وحجم النموذج.

مصدر الصورة انتشار الذكاء الاصطناعي الوكيلي يسهم في زيادة احتياجات بعض الأنظمة إلى الذاكرة أثناء تنفيذ المهام المتتابعة (أسوشيتد برس)

من الخوادم إلى الروبوتات

يمتد الطلب على الذاكرة إلى الروبوتات التي تستخدم الكاميرات وأجهزة الاستشعار لفهم البيئة المحيطة واتخاذ قرارات في الوقت الحقيقي. وتحتاج هذه الأنظمة إلى معالجة البيانات بسرعة، والاحتفاظ بالمعلومات اللازمة لتشغيل النماذج وتنسيق الحركة وتنفيذ المهام.

وقد تعتمد الروبوتات المتقدمة على ذاكرة منخفضة استهلاك الطاقة مثل ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية منخفضة الطاقة (LPDDR)، إلى جانب وحدات تخزين سريعة مثل "إن في إم إي" (NVMe)، غير أن احتياجاتها تختلف بحسب تصميمها وطبيعة المهام التي تنفذها؛ فالروبوت الذي يعالج البيانات محليا قد يحتاج إلى موارد أكبر من جهاز يعتمد على مركز بيانات لتنفيذ العمليات المعقدة.

ويكشف هذا التوسع أن الذاكرة أصبحت عنصرا أساسيا في انتقال الذكاء الاصطناعي من الخوادم إلى الأجهزة الطرفية، بما يشمل الحواسيب والهواتف والآلات الذكية.

هل تستطيع صناعة الذاكرة مواكبة الطلب؟

يتطلب توسيع إنتاج الذاكرة استثمارات كبيرة في المصانع والمعدات، ولا يمكن زيادة الطاقة الإنتاجية بالسرعة نفسها التي تتطور بها البرمجيات وتتوسع بها تطبيقات الذكاء الاصطناعي. لذلك، قد يستمر الضغط على الإمدادات والأسعار خلال فترات النمو السريع، رغم خطط الشركات لزيادة الإنتاج.

إعلان

وفي الوقت نفسه، تعمل شركات التكنولوجيا على تقليل احتياجات النماذج إلى الذاكرة من خلال ضغط النماذج وتحسين إدارة البيانات المؤقتة وتطوير تقنيات أكثر كفاءة في الاستدلال. وقد تساعد هذه الأساليب على تشغيل بعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي على أجهزة محدودة الموارد، لكنها لا تلغي الحاجة إلى تطوير الذاكرة مع اتساع قدرات النماذج.

مصدر الصورة شركات أشباه الموصلات تستثمر في توسيع الإنتاج، بينما تعمل شركات التكنولوجيا على تحسين كفاءة استخدام الذاكرة (أسوشيتد برس)

معركة الذكاء الاصطناعي أصبحت معركة ذاكرة

المنافسة في الذكاء الاصطناعي لم تعد مقتصرة على تطوير معالجات أسرع ونماذج أكثر قدرة، بل أصبحت تشمل توفير الذاكرة والتخزين والطاقة والبنية التحتية اللازمة لتشغيلها، فكلما زادت قدرة النماذج على معالجة البيانات وتنفيذ المهام المتواصلة، اتسعت احتياجاتها إلى الموارد، بالتزامن مع انتقال الذكاء الاصطناعي إلى مزيد من الأجهزة.

وفي ظل هذا التحول، ستؤثر قدرة صناعة الذاكرة على مواكبة الطلب في تكلفة أنظمة الذكاء الاصطناعي ومواصفات الأجهزة وسرعة انتشار التطبيقات الجديدة. وبذلك، لم تعد الذاكرة مجرد رقم في قائمة مواصفات الهاتف أو الحاسوب، بل أصبحت موردا إستراتيجيا في سباق التكنولوجيا، قد تحدد إمداداته حدود التوسع في السنوات المقبلة.