آخر الأخبار

بينهم كانسيلو وألونسو.. كيف أضعفت "حمى الهجوم" فنون الدفاع الكلاسيكية؟

شارك

في بدايات كرة القدم، كان مركز "الظهير" يُعتبر المركز الأقل بريقا على المستطيل الأخضر؛ كانت مهمته بسيطة ومباشرة، وهي الدفاع في مناطق متأخرة، إيقاف الأجنحة، وتشتيت الكرة.

لكن مع مرور الوقت، شهد هذا المركز تحولا جذريا، فما كان مركزا دفاعيا بحتا، صار اليوم أحد أكثر الأدوار حيوية ومرونة وتأثيرا تكتيكيا في اللعبة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 بالفيديو.. أوزيل يكشف تفاصيل صادمة عن نهاية مسيرته مع أرسنال
* list 2 of 2 ظهير منتخب إنجلترا السابق يعلن اعتزاله عن 40 عاما end of list

في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، انتقل الأظهرة إلى الأطراف، لكن التعليمات ظلت متحفظة؛ فلم يكن من المتوقع منهم المراوغة أو العرضيات الدقيقة، بل كان الهجوم يُترك للمهاجمين ولاعبي الوسط. ويجسد اللاعب جورج كوهين مع إنجلترا في مونديال 1966 هذا الدور؛ لاعب صلب يعتمد عليه، لكنه نادرا ما يتجاوز خط المنتصف.

التأثير البرازيلي.. الهجوم من الخلف

جاء التغيير الجوهري من البرازيل؛ فمنتخب السامبا عام 1970، الذي يُصنف واحدا من أعظم الفرق تاريخيا، قدم أظهرة هجومية مثل اللاعب كارلوس ألبرتو توريس. لم يكونوا مدافعين فحسب، بل صناع لعب وهدافين.

مصدر الصورة هدف البرازيلي كارلوس ألبرتو سجله لمنتخب بلاده في نهائي مونديال 1970 أمام إيطاليا (مواقع التواصل)

هدف اللاعب كارلوس ألبرتو في نهائي 1970 يظل المثال الأبرز لما يمكن أن يقدمه الظهير الهجومي.

وفي البرازيل، حيث تقدم المهارة، سُمح للأظهرة بالتقدم والتوغل للداخل لدعم الوسط، وهو ما كان ثورة تكتيكية ضد المدربين الأوروبيين الذين تمسكوا طويلا بالانضباط المتزمت للمراكز.

وبحلول تسعينيات القرن الماضي، بدأت فكرة الظهير المهاجم تترسخ في أوروبا. في الدوري الإيطالي، كان اللاعب كافو مع نادي روما ثم نادي ميلان رائدا بانطلاقاته التي لا تهدأ، بينما أحدث اللاعب روبرتو كارلوس ثورة في مركز الظهير الأيسر بفضل سرعته الخارقة وركلاته الحرة الشهيرة مع نادي ريال مدريد.

أما في إنجلترا، فقدم اللاعب غاري نيفيل في مانشستر يونايتد نسخة "واقعية" للظهير الحديث؛ لم يكن استعراضيا، لكنه شكل ثنائية مذهلة مع بيكهام من خلال المساندة الهجومية المستمرة.

إعلان

ثم جاء اللاعب أشلي كول ليضيف صبغة رياضية عدوانية، جامعا بين الغريزة الدفاعية والمشاركة الهجومية الدائمة.

تأثير غوارديولا والثورة التكتيكية

ربما لم يؤثر مدرب على هذا المركز كما فعل المدربالإسباني بيب غوارديولا. ففي نادي برشلونة، جعل من البرازيلي داني ألفيش شخصية محورية ليس لقدرته الدفاعية فحسب، بل لذكائه التكتيكي.

ألفيش كان يتحول أحيانا كلاعب وسط إضافي لخلق كثافة عددية.. خلال فترته مع برشلونة بين 2008 و2016، لعب دورًا محوريًا في المنظومة الهجومية، حيث سجل وصنع عددًا هائلًا من الأهداف، وبلغت مساهماته التهديفية 83 هدفًا في أول أربعة مواسم فقط.

واصل المدرب بيب ابتكاراته مع نادي بايرن ميونخ ثم نادي مانشستر سيتي، حيث استخدم ما يسمى بـ"الأظهرة المقلوبة" مثل اللاعب جواو كانسيلو، الذين يدخلون لعمق الملعب للمساهمة في تدوير الكرة والتحكم في إيقاع اللعب، فلم يعد الظهير مجرد لاعب طرف، بل ترس في قلب المنظومة.

وبينما يركز غوارديولا على "الظهير المفكر"، يعتمد المدرب يورغن كلوب على "الظهير المحرك". في نادي ليفربول، تحول اللاعبان أرنولد وروبرتسون المصدرين الرئيسيين للإبداع، حيث يصنعان معا أكثر من 20 هدفا في الموسم.

وأصبح ألكسندرأرنولد خلال فترة كلوب أحد أفضل الأظهرة الهجومية في العالم، بفضل رؤيته الاستثنائية وقدرته على التمرير وصناعة الفرص، سواء من اللعب المفتوح أو الكرات الثابتة. وفي عام 2020، أصبح أول ظهير يحقق أرقامًا مزدوجة في التمريرات الحاسمة لموسمين متتاليين في الدوري الإنجليزي الممتاز، كما استُخدم أحيانًا كظهير مقلوب يدخل إلى العمق للعب دور صانع ألعاب متأخر.

أما روبرتسون، فيتميز بطاقة لا تنضب، ووعي كبير بالمساحات، وقدرة مميزة على إرسال العرضيات، ويُعد أكثر توازنًا دفاعيًا. غالبًا ما يقود فريقه في المسافة المقطوعة خلال المباراة، ويُعرف بضغطه العالي وعدوانيته الإيجابية، خاصة في تغطية المساحات التي يتركها ساديو ماني.

تكتيك كلوب يعتمد على بقاء الأظهرة على الخط لتوسيع الملعب، مما يسمح للأجنحة بالدخول للعمق. وفي الأكاديميات اليوم، يُدرب الأظهرة كلاعبي الوسط. فاللاعب أرنولد مثلا كان لاعب وسط في بداياته، واللاعب ألفونسو ديفيز كان جناحا.

مصدر الصورة روبيرتسون وألكستندر أرنولد ظهيرا ليفربول الإنجليزي قبل انتقال الأخير إلى ريال مدريد (غيتي)

الرسالة أصبحت واضحة، لتلعب في هذا المركز بالمستويات العليا، يجب أن تكون لاعبا متكاملا تجيد (السرعة، الذكاء، التحمل، والتقنية).

ولكن الذي حدث مع التطور المذهل لدور المدافع الظهير هجوميا أثر سلبيا على الجانب الدفاعي لدى غالبية المدافعين حول العالم، حيث أصبح المدافع يجيد الدور الهجومي ولا يتقن دوره الأساسي كمدافع على عكس الأجيال السابقة من كبار المدافعين حول العالم.

المهام الدفاعية الغائبة

على الرغم من تزايد الدور الهجومي للظهيرين، تظل المسؤولية الدفاعية هي الأهم. ومن أبرز مهامهما مراقبة اللاعبين الهجوميين على الأطراف، الذين غالبًا ما يكونون الأفضل والأسرع في صفوف المنافس.

أكد تحليل لموقع "صوفاسوكر" أن الظهير الجيد أو الكلاسيكي إن صح وصفه على غرار الإيطالي باولو مالديني هو ذلك الذي يتميز بحسن التمركز والقدرة على قراءة نوايا المنافس، كما يجيد استخدام وضعية جسده لتوجيه المهاجمين بعيدًا عن مناطق الخطورة. وبدل الاندفاع المتكرر في الالتحامات، يعتمد على توجيه الخصم، إما بدفعه نحو مناطق أقل خطورة أو نحو الخط الجانبي.

إعلان

علاوة على ذلك، عند الدفاع ضد العرضيات، يجب أن يكون الظهير مستعدًا لاعتراض الكرات، سواء بالقرب من القائم القريب أو للتصدي للكرات الهوائية من لاعبين أطول قامة. كما تندرج ضمن مهامه أيضًا مراقبة الخصوم في الكرات الثابتة، خاصة في حالات الرقابة الفردية.

ربما نجح من الجيل الجديد الظهيران المميزان كايل ووكر مع مانشستر سيتي ورييس جيمس مع تشيلسي الذين يتمتعان بقدرة بدنية كبيرة في الالتحامات الثنائية، ويتميزان بالتركيز العالي وتقليص المساحات أمام الأجنحة، ما يساعد على إجهاض الهجمات قبل أن تتشكل بشكل كامل.

مصدر الصورة كاي ووكر برز كظهير قوي دفاعيا إضافة إلى مساهمته هجوميا مع نادي مانشستر سيتي (غيتي إيميجز)

والأمر لا يعتمد فقط على القوة البدنية، بل على الذكاء التكتيكي. فالظهير مطالب بتقييم مجريات اللعب باستمرار، ومعرفة متى يتقدم للهجوم، ومتى يبقى في الخلف، وحجم المخاطرة التي يمكنه تحملها. وفي بعض الأنظمة، يُطلب من الظهير التحول إلى وسط الملعب أثناء بناء اللعب، ما يتطلب وعيًا أكبر بالتمركز واتخاذ القرار.

وكما تختلف تعليمات الأظهرة حسب ظروف المباراة؛ ففي المواجهات المتكافئة قد يفضل المدربون التحفظ والتركيز على التوازن الدفاعي، بينما في المباريات التي تتطلب تسجيل الأهداف، قد يُطلب منهم التقدم أكثر واللعب كأجنحة إضافية.

مشاكل هندسة اللعب الحديثة

يرد بعض المحللين ضعف الأظهرة دفاعيًا في كرة القدم الحديثة لطغيان الأدوار الهجومية، حيث يُطلب منهم التقدم المستمر والمشاركة في البناء، ما يخلق فراغات خلفهم ويجعلهم في كثير من الأحيان خارج مواقعهم عند لحظة فقدان الكرة، وليس لكونه ناتجًا عن نقص في المهارات الدفاعية

تشهد كرة القدم الحديثة مفارقة واضحة؛ فبينما بلغت الفرق درجة عالية من التنظيم عند امتلاك الكرة، أصبحت في المقابل أكثر هشاشة عند فقدانها. ولا يعود ذلك إلى تراجع جودة المدافعين، بقدر ما يرتبط بالتحول التكتيكي الحاد نحو الهجوم، حيث تسعى الفرق إلى خلق تفوق عددي عبر أنظمة مثل 2-3-5 و3-2-5، مع تقدم الأظهرة إلى مواقع هجومية متقدمة، بل ودخولهم أحيانًا إلى عمق وسط الملعب للمشاركة في البناء.

غير أن هذه الجرأة الهجومية تحمل ثمنًا واضحًا؛ فعند فقدان الكرة، تتحول البنية نفسها التي منحت الفريق السيطرة إلى نقطة ضعف، إذ لا يتبقى في الخلف سوى مدافعين اثنين أو ثلاثة، مع مساحات واسعة بين الخطوط.

وفي هذه اللحظة تحديدًا، تظهر الأزمة الحقيقية، حيث يكون الظهيران خارج موقعيهما الطبيعيين، وتصبح المسافات طويلة للعودة والتغطية، بينما يجد قلوب الدفاع أنفسهم معزولين في مواجهة الهجمات المرتدة.

واجه المدافع الإسباني ماركوس ألونسو انتقادات دفاعية حادة طوال مسيرته، تركزت حول بطء حركته وضعف ارتداده الدفاعي. واعتُبر دائماً لاعباً بخصائص هجومية خارقة تفوق قدراته الدفاعية.

مصدر الصورة ماركوس ألونسو ظهير مميز هجوميا ولكن يعاني دفاعيا أمام الأجنحة السريعة في المرتدات (غيتي)

وبهذا المعنى، لا يمكن اختزال المشكلة في ضعف فردي لدى الظهير، بل هي نتيجة مباشرة للهندسة التكتيكية الحديثة التي تدفعه إلى أدوار هجومية مستمرة، فتُبعده عن تمركزه الدفاعي. وعندما يفشل الضغط العكسي، تنهار المنظومة بسرعة، لأن الفريق يكون قد تمدد طوليًا وعرضيًا، ما يجعل عملية الارتداد الدفاعي بطيئة ومعقدة.

كما أن الاعتماد المتزايد على الأظهرة في صناعة اللعب والتقدم الهجومي أعاد توزيع الأدوار داخل الفريق، حيث أصبحت مسؤولية التوازن الدفاعي تقع على عدد أقل من اللاعبين، غالبًا في وسط الملعب، وهو ما يترك الأطراف مكشوفة ويضاعف من حدة المخاطر في التحولات السريعة.

القدرات البدنية

اللعب بظهير حديث يمكن أن يترك مساحات كبيرة في المناطق الجانبية، وهو ما يسمح للخصم بشن هجمات مرتدة عبر هذه المساحات. وإذا تمكن الخصم من استغلال هذا الفراغ، فقد يجد قلبا الدفاع نفسه مكشوفًا أمام مهاجم سريع يتقدم بالكرة بسرعة نحو المرمى.

إعلان

تشير تحليلات الأداء البدني الحديثة في كرة القدم إلى أن مركز الظهير يعد من أكثر المراكز استنزافا للطاقة داخل الملعب، بسبب اعتماده على الجري المستمر بين الأدوار الهجومية والدفاعية دون فترات راحة حقيقية.

دراسات مثل تلك المنشورة في ستاتس بومب (StatsBomb) تؤكد أن الأظهرة يقطعون مسافات كبيرة مع تكرار انطلاقات عالية الشدة طوال المباراة. هذا الجهد المتواصل لا يقتصر على الركض فقط، بل يشمل أيضا تسارعا وتباطؤا متكررا يفرض ضغطا عضليا كبيرا على اللاعب.

ووفق تحليلات ذا كوتشز فويس (The Coaches’ Voice)، فإن هذا النمط من اللعب يؤدي إلى تراكم الإرهاق تدريجيا مع مرور الوقت. النتيجة المباشرة لهذا الإجهاد هي تراجع في جودة التمركز وسرعة العودة الدفاعية في اللحظات الحاسمة.

كما أنه إذا طلب المدرب من الظهير المساهمة في الجانبين الهجومي والدفاعي، وكان اللاعب غير قادر على أداء أحد الدورين بشكل جيد، فقد يتضرر الفريق بشكل واضح. وبالتالي، فإن الضعف الدفاعي للأظهرة الحديثة لا يعود لنقص المهارة بقدر ما هو انعكاس لحمل بدني مفرط ومتواصل طوال زمن المباراة.

الظهير المتكامل

يُعد الظهير أو الظهير المتقدم من أكثر اللاعبين تكاملًا في الملعب؛ فهو مطالب بالجمع بين لياقة عدّاء المسافات الطويلة التي تتيح له الصعود والعودة دون توقف، وإبداع صانع الألعاب في بناء الهجمة وصناعة الفرص، إلى جانب صلابة المدافع في الالتحامات والتمركز وقراءة اللعب. هذه التركيبة المعقدة تفرض عليه اتخاذ قرارات دقيقة في أجزاء من الثانية.

لهذا، تبقى الأطراف ساحات حاسمة في الصراع التكتيكي، وغالبًا ما يُحسم الكثير من المباريات الكبرى عبر تفوق أحد الفريقين في هذه المناطق. وفي هذا السياق، برز لاعبون استثنائيون مثل داني ألفيش مع برشلونة و مارسيلو مع ريال مدريد وآشلي كول مع تشيلسي، الذين جسدوا هذا التوازن النادر بين الواجبين الهجومي والدفاعي، وأسهموا بشكل مباشر في ترجيح كفة فرقهم في أهم المواجهات.

مصدر الصورة صراع على الكرة بين الظهيرين البرازيليين في صفوف برشلونة وريال مدريد ألفيش ومارسيلو على التوالي (رويترز)

ومع تسارع إيقاع كرة القدم الحديثة وتزايد الاعتماد على اللعب عبر الأطراف، تتضاعف أهمية هذا المركز بشكل لافت. لم يعد الظهير مجرد لاعب يؤدي دورًا تقليديًا، بل أصبح عنصرًا محوريًا في التحولات السريعة، وفي كسر خطوط الضغط، وحتى في التحكم بإيقاع اللعب. ومع مرور الوقت، سيزداد العبء التكتيكي والبدني على الأظهرة، خاصة في ظل تنوع الخطط وتطور أدوارهم داخل الملعب، سواء بالدخول إلى العمق أو التحول إلى أجنحة إضافية.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا