لم يكن صعود كرة القدم السنغالية إلى قمة القارة الأفريقية نتاج صدفة سعيدة أو جيل استثنائي عابر، بل ثمرة مسار طويل من الإخفاقات، والمراجعات القاسية، ثم التخطيط الهادئ والاستثمار في الإنسان قبل النتائج.
في 16 يونيو/حزيران 2002، دخل منتخب السنغال التاريخ من أوسع أبوابه. في أول مشاركة له في كأس العالم، أطاح بحامل اللقب فرنسا، وتعادل مع الدنمارك وأوروغواي، ثم أقصى السويد بهدف ذهبي لهنري كامارا، ليبلغ ربع النهائي ويصبح ثاني منتخب أفريقي يحقق هذا الإنجاز بعد الكاميرون.
لكن خلف هذا المجد، كانت المنظومة هشّة. فالسنغال خسرت قبلها نهائي كأس أمم أفريقيا أمام الكاميرون، ولم تُحسن استثمار جيلها الذهبي إداريًا وفنيًا.
اكتفت بالمركز الرابع في كان 2006، ثم غابت عن كأس العالم وأمم أفريقيا 2010، في واحدة من أكثر الفترات إحباطًا في تاريخها الكروي.
شكّل عام 2009 نقطة التحول الحقيقية. بعد حل الاتحاد السنغالي لكرة القدم، تم انتخاب أوغستان سينغور رئيسًا جديدًا، ليقود عملية إعادة هيكلة شاملة شملت:
وكانت الأكاديميات الخاصة قد بدأت عملها منذ سنوات، وعلى رأسها جينيراسيون فوت (Génération Foot) (2001) وديامبارس (Diambars) (2003)، واضعة أسس ثورة تكوين حقيقية ستغيّر وجه الكرة السنغالية.
بينما تعاني معظم المنتخبات الأفريقية من تغييرات إدارية وفنية مستمرة، اختارت السنغال طريقًا نادرًا وهو الاستقرار.
هذا الاستقرار سمح ببناء منتخب بهوية واضحة، ونواة صلبة من القادة مثل إدريسا غاي، ساديو ماني، وكاليدو كوليبالي، مع تجديد تدريجي دون صدمات.
"كأس أمم أفريقيا كسرت الحاجز" يصف ديمبا با التتويج بكأس أمم أفريقيا 2021 (لُعبت في 2022) بأنه لحظة تحرر ذهني: "هذه الكأس كسرت الحاجز النفسي. السنغال تعرف كيف تفوز الآن" بعد خسارة نهائي 2019 أمام الجزائر، بدا المنتخب أكثر نضجًا.
وفي الكاميرون، تجاوز كل العقد، وتُوّج باللقب القاري الأول في تاريخه على حساب مصر، ليُغلق صفحة الانتظار التي امتدت نصف قرن.
لكن المفاجأة الحقيقية جاءت لاحقًا. اجتياح القارة: ألقاب بلا استثناء خلال 12 شهراً فقط، أصبحت السنغال أول دولة أفريقية تتوّج بالألقاب الثلاثة الكبرى التابعة للكاف:
إضافة إلى: كأس أفريقيا تحت 20 سنة، وكأس أفريقيا تحت 17 سنة، حضور قوي للمنتخب النسوي، تأهل دائم لكؤوس العالم في الفئات السنية.
9 أندية من أصل 14 في الدوري المحلي مثّلت منتخب الشان، في دليل صارخ على عمق القاعدة وليس مجرد قمة لامعة.
المصنع الحقيقي للألقاب رغم محدودية الإمكانيات المالية مقارنة بدول شمال أفريقيا، ركّزت السنغال على الاستثمار في الإنسان:
مئات المدربين برخص كاف (إيه – بي – سي – دي).
مراكز تكوين وطنية افتُتحت منذ عامي 2013 و2019 وأكاديميات تصدّر اللاعبين لأكبر الدوريات ويكفي أن نعلم أن السنغال تُعد ثاني أكثر جنسية أجنبية حضورا في الدوري الفرنسي بعد البرازيل، وقبل الأرجنتين، رغم عدد سكانها المحدود.
الدوري المحلي الحلقة الأضعف رغم الهيمنة القارية، يظل الدوري السنغالي شبه محترف: رواتب ضعيفة مع ملاعب وبنية تحتية متواضعة عجلت بهجرة سريعة للمواهب ومع كل تتويج، تزداد شهية الأندية الأوروبية وشمال الأفريقية، ما يفرغ البطولة المحلية من نجومها قبل أن تجني ثمارهم.
وحدها الأكاديميات، مثل جينيراسيون فوت بشراكتها مع ميتز (Metz)، استطاعت الاستفادة اقتصاديًا جزئيًا من هذا النجاح.
بين الوعود والانتظار بعد التتويج بلقب الشان في الجزائر، أعلن الرئيس ماكي سال عن برنامج وطني لدعم كرة القدم، ومنح اللاعبين مكافآت وأراضي، ودعا القطاعين العام والخاص للاستثمار في الأندية.
لكن التحدي الحقيقي يبقى في تحويل الإنجازات إلى بنية مستدامة: ملاعب حديثة، وتمويل منتظم، وتقليص نزيف المواهب.
ما تعيشه السنغال اليوم ليس طفرة، بل نتيجة 15 عاما من التخطيط والصبر: رؤية واضحة، واستثمار في التكوين، وثقة في الخبرة المحلية، واستقرار إداري نادر، وثقافة فوز ترسخت تدريجيا. السنغال اليوم لا تنافس على الألقاب فقط، بل تفرض نموذجا في القارة.
ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على هذا البناء من أن تفرغه هجرة المواهب.. قبل أن يبلغ ذروته الكاملة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة