كعادته، حمل محمد الأمين المودن -الباحث في مختبر علم البيئة والتصنيف والحفاظ على التنوع البيولوجي بكلية العلوم بجامعة عبد المالك السعدي في تطوان بالمغرب- أدواته العلمية إلى متنزه بوهاشم الطبيعي في شمالي البلاد، ضمن مشروع علمي يهدف إلى البحث عن حشرات صغيرة تعيش في مثل هذه البيئات التي لا يلتفت إليها أحد.

لم يكن محمد ورفاقه من الباحثين يطمحون إلى أكثر من العثور على أنواع جديدة تضاف إلى العلم، وهي الغاية الكبرى التي يسعى إليها كل باحث في هذا التخصص، لكن الحظ كان حليفا له ولرفاقه في تلك المهمة البحثية التي وثقوا نتائجها في دراسة نُشرت أخيرا في دورية "إنترناشونال جورنال أوف إنتومولوجي"، إذ اكتشفوا نوعا جديدا للعلم، وأعادوا تسجيل ثمانية أنواع لم تكن معروفة في المغرب أو شمال أفريقيا من قبل، ومن بين كل هذه الاكتشافات كانت هناك حشرة واحدة تحمل مفارقة جغرافية لافتة، هي حشرة المرتفعات الأسكتلندية "كريغدهوبيا مالوكوروم".

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 64 مليون ظهور.. كيف اقتحم بوتافوغو السوق العربية عبر المغربي زياش؟
* list 2 of 2 شاهد.. ملخص وهدفي مباراة المغرب ضد مالي الودية استعدادا لكأس أمم أفريقيا 2027 end of list

وتنتمي هذه الحشرة النادرة جدا إلى فصيلة "ميسيتوفيليدي" (Mycetophilidae) المعروفة باسم "ذباب الفطريات"، وهي حشرات صغيرة ترتبط بيئاتها عادة بالغابات الرطبة والمواد العضوية والفطريات التي تعتمد عليها يرقاتها في مراحل من دورة حياتها.

ووُصفت هذه الحشرة علميا عام 1999، ومنذ ذلك التاريخ ظلت معروفة من ثلاثة مواقع فقط في المرتفعات الأسكتلندية قبل أن تسجلها دراسة محمد ورفاقه في متنزه بوهاشم في المغرب، ليكون أول تسجيل لها خارج الجزر البريطانية.

مصدر الصورة الباحثون في متنزه بوهاشم الطبيعي في شمالي البلاد ( محمد الأمين المودن)

كيف وصلت الحشرة إلى المغرب؟

ورغم أن الدراسة كانت مليئة بالاكتشافات، فإن محمد ورفاقه توقفوا كثيرا أمام مفارقة لافتة أثارها العثور على حشرة "كريغدهوبيا مالوكوروم"، إذ كيف لهذه الحشرة التي لم تكن معروفة إلا في أسكتلندا أن تصل إلى المغرب؟ وكيف تكون معروفة في أسكتلندا والمغرب من دون أن تكون مسجلة في البلدان الواقعة بينهما؟

إعلان

لم يقدّم الباحثون إجابة محددة، لكنهم طرحوا ثلاث فرضيات، مع تأكيد الحاجة إلى دراسات إضافية لاعتماد إحداها تفسيرا لتلك المفارقة.

يقول محمد للجزيرة نت "إحدى هذه الفرضيات هي أن انتشارها ربما يكون أوسع مما نعرف، لكنها تعيش في موائل محددة ونادرا ما تُجمع عيناتها، أو ربما -وهذه فرضية ثانية- أن تكون التجمعات الأسكتلندية والمغربية بقايا لتوزيع أوسع بكثير تشكل عبر تغيرات البيئة والمناخ في الماضي، وهناك احتمال آخر وهو انتقال مراحلها غير البالغة إلى المغرب بواسطة الإنسان".

ويشدد محمد على أنه "لا يوجد دليل حاليا يثبت أيا من هذه السيناريوهات، إذ تثبت العينة المغربية وجود النوع، لكنها لا تخبر بكيفية وصولها إلى المغرب ولا متى وصلت".

ويضيف "قد تساعد المسوحات الموجهة في البلدان الواقعة بين المنطقتين، والأبحاث عن موائل الحشرة وأطوارها غير البالغة، والمقارنات الجينية بين العينات الأسكتلندية والمغربية في المفاضلة بين هذه الفرضيات، لكن المؤكد في الوقت الراهن هو أن هذا الاكتشاف يُظهر أن الفجوة في التوزيع المسجل قد تعكس فجوة في معرفتنا بفصيلة ميسيتوفيليدي في جميع أنحاء أوروبا وشمال أفريقيا".

مصدر الصورة عُثر على حشرة المرتفعات الأسكتلندية "كريغدهوبيا مالوكوروم" بجوار مجرى مائي (محمد الأمين المودن)

"ذبابة أسكتلندا" ليست وحدها

كان يمكن لمحمد ورفاقه الاكتفاء في دراستهم بالإشارة إلى اكتشاف "ذبابة أسكتلندا"، فهذا الإنجاز في حد ذاته لافت، لكنه كان في الحقيقة جزءا من صورة أكبر، إذ سُجلت 8 أنواع من ذباب الفطريات في المغرب للمرة الأولى، من بينها 6 أنواع تُسجَّل للمرة الأولى في شمال أفريقيا، كما كان هناك اكتشاف آخر يمثل نوعا جديدا للعلم، ومنحه الباحثون اسم "إكتريبستونورا بوهاشمنسيس"، نسبة إلى مكان الاكتشاف.

ويقول محمد "هذا العدد من الاكتشافات يرتبط بالتباين الكبير في البيئات التي يوفرها متنزه بوهاشم، إذ يضم مناطق شبه رطبة ورطبة وشديدة الرطوبة، وعلى ارتفاعات مختلفة، إذ تغطي الغابات نحو 40 إلى 50% من مساحة المتنزه، إلى جانب الينابيع والجداول والشلالات والمروج الرطبة والمستنقعات الموسمية".

ويوضح محمد أن "هذه الظروف توفر مجموعة واسعة من البيئات المظللة والرطبة التي يمكن أن تزدهر فيها أنواع ذباب الفطريات، إذ تنمو يرقات هذه الحشرات في الفطريات المرتبطة بفرشة الأوراق والخشب المتحلل، مما يجعل الغطاء الغابي والرطوبة وتوافر المواد العضوية عوامل يُرجَّح أن تكون مهمة لوجودها".

ويضيف أن "مواقع العثور على الأنواع تبين هذه العلاقة بين التنوع والموائل، فقد جُمعت عينات إكتريبستونورا بوهاشمنسيس في ضاية أمسمليل، وهي منطقة مستنقعية تغمرها المياه موسميا، تحيط بها أشجار الصنوبر ونباتات الورد الصخري، وتقع بالقرب من نهر، كما جُمعت عينات من النوع في غابة الصنوبر الأكثر جفافا في غابة مطاحن القريبة. أما حشرة المرتفعات الأسكتلندية كريغدهوبيا مالوكوروم، فعُثر على فرد بالغ منها في مرج رطب بجوار مجرى مائي وغابة في مرج الخيل".

ويثق محمد بأن هذا الكم من الاكتشافات ليس إلا نزرا قليلا مما يوجد في بوهاشم، إذ يتوقع أن تكشف عمليات أخذ العينات المنتظمة منه ومن المناطق المحمية الأخرى التي لم تحظ بدراسة كافية عن مزيد من الأنواع الجديدة للعلم، وكذلك أنواع معروفة علميا لكنها لم تُسجَّل سابقا في المغرب أو شمال أفريقيا، مثل "ذبابة المرتفعات الأسكتلندية".

مصدر الصورة لا يزال متنزه بوهاشم بحاجة إلى تنفيذ مسوحات منتظمة (محمد الأمين المودن)

قصة أكبر من "بوهاشم"

ويقول محمد إن ما ظهر في بوهاشم يعكس مشكلة أوسع في معرفة التنوع البيولوجي للحشرات في المنطقة، مشيرا إلى أنه "على المستوى العالمي، يشير أحد التقديرات إلى أن نحو 4.5 ملايين نوع من الحشرات قد تكون غير موصوفة علميا بعد".

إعلان

ويضيف أن "المغرب يُعَد من أغنى دول حوض البحر المتوسط بالتنوع البيولوجي البري، وغالبا ما يُصنَّف في المرتبة الثانية بعد تركيا، ولذلك فإن استمرار اكتشاف أنواع جديدة فيه ليس أمرا مستغربا".

ويشير إلى أن الأولوية البحثية المقبلة تتمثل في تنفيذ مسوحات منتظمة تشمل موائل ومواسم مختلفة، مع توسيع نطاق البحث من ذباب الفطريات إلى رتب أخرى من الحشرات.

كما أن التعاون مع متخصصين في علم تصنيف الحشرات في مختلف أنحاء شمال أفريقيا يمكن أن يساعد في توثيق انتشار الأنواع، وبناء صورة أكثر اكتمالا عن التنوع البيولوجي في المنطقة.

خريطة ناقصة للمتوسط الغربي

وفي النهاية، فإن قصة هذه الاكتشافات الجديدة تشير إلى أن خرائط التنوع البيولوجي في غرب البحر المتوسط لا تزال غير مكتملة بدرجة كبيرة.

ويقول محمد إن "العثور على ذبابة كريغدهوبيا مالوكوروم في المغرب، بعد أن كان معروفا من أسكتلندا فقط، يوضح أن النطاق الجغرافي الذي يبدو ضيقا لنوع ما قد يكون في بعض الحالات نتيجة قلة المسوحات، وليس بالضرورة محدودية الانتشار الحقيقي".

ويضيف أن الرسالة الأوسع التي تخرج بها الدراسة هي أن ما نعرفه عن حشرات شمال أفريقيا قد يكون مجرد جزء من الصورة، وأن استمرار العمل الميداني والتصنيف العلمي في المناطق المحمية يمكن أن يحول حشرات صغيرة لم تكن تحظى بالاهتمام إلى مفاتيح لفهم تاريخ التنوع البيولوجي في غرب البحر المتوسط بأكمله.