في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
على السواحل التي تعصف بها الرياح في ولايتي أوريغون وكاليفورنيا الأمريكيتين، تنمو نبتة صغيرة، لكنها تمتلك قدرة لافتة على البقاء في مواجهة رذاذ الملح الذي يفتك بالنباتات المشابهة لها في المناطق الداخلية.
إنها "زهرة القرد الصفراء" المعروفة حديثا في التصنيف العلمي باسم "إريثرانث غوتاتا"، والتي بدأ علماء الأحياء في جامعة ولاية ميشيغان الأمريكية أخيرا في كشف أسرار بقائها، في محاولة لفهم الكيفية التي تمكنها من الازدهار في ظروف تترك نباتات أخرى محترقة وبنية وذابلة.
وتوضح ماديسون بلونكيرت، طالبة الدكتوراه في علم بيولوجيا النبات ضمن برنامج علم البيئة والتطور والسلوك في جامعة ولاية ميشيغان أن "العلماء عندما يدرسون قدرة النباتات على تحمل الملوحة، يركزون عادة على نسبة الملح الموجود في التربة، إذ يمتلك الباحثون في مجال ملوحة التربة إطارا أساسيا من الآليات التي يختبرونها لفهم كيفية تعامل نبات معين مع الإجهاد الملحي".
وتضيف المؤلفة الرئيسية للدراسة الجديدة التي نُشرت مؤخرا في مجلة "أمريكان جورنال أوف بيولوجي"، في حديثها للجزيرة نت: "كان هدفنا هو فهم آليات تكيف هذه النباتات مع رذاذ الملح على وجه التحديد: هل تنجو من رذاذ الملح لأنها تتعرض لكميات أقل منه بسبب تأخر موعد إزهارها؟ أم أنها تتعرض للملح ولكنها تمنع دخوله إلى الأوراق؟ أم أنها تسمح بدخول الملح إلى الأوراق ولكنها تحمي خلاياها من التلف؟ وقد تبين أن الإجابة تشمل هذه الاحتمالات الثلاثة جميعا!".
للوهلة الأولى، قد لا توحي أزهار القرد بأنها نباتات قادرة على تحمل الظروف القاسية، لكنها تنتشر في مناطق واسعة من غرب أمريكا الشمالية، وتنجح في النمو داخل بيئات يصعب على معظم النباتات البقاء فيها.
فقد عثر الباحثون على أنواع منها تنمو على أطراف مناجم النحاس المهجورة، وفي محيط الينابيع الحارة، وكذلك في الترب السربنتينية، وهي بيئات تحتوي على ظروف أو تراكيز من العناصر يمكن أن تكون سامة لمعظم النباتات.
أما أزهار القرد التي تنمو على طول ساحل المحيط الهادئ إلى مناطق داخلية تمتد حتى السهول الكبرى، فعليها أن تواجه تحديا إضافيا يتمثل في التعرض المستمر لرذاذ الملح الذي تحمله الرياح القادمة من البحر.
وتكشف المنازل الساحلية الواقعة على الشواطئ، والتي تغطيها بقع الصدأ ويتقشر طلاؤها، جانبا من التأثيرات التآكلية للملح، لكن بقدر ما يمكن للملوحة أن تلحق الضرر بالخشب والمعادن والطلاء، فإن تأثيرها في النباتات قد يكون أكثر خطورة، إذ يمكن أن تتسبب في جفاف الجذور والأوراق، فضلا عن إعاقة نمو النبات.
قبل نحو 20 عاما، لاحظ عالم الأحياء في جامعة ولاية ميشيغان ديفيد لوري، المؤلف الرئيسي للدراسة الذي يشرف على ماديسون، أنه عندما رش أزهار القرد الساحلية والداخلية بالماء المالح داخل الدفيئة (البيوت المحمية)، ذبلت النباتات الداخلية وتحولت إلى اللون البني، ونفق كثير منها، في حين نجت النباتات التي جُمعت من المناطق الساحلية، وبدت قدرتها على مقاومة التأثيرات السامة المعتادة لرذاذ الملح لغزا يحتاج إلى تفسير.
ولفهم كيفية تعامل هذه النباتات مع هذه الظروف، ابتكر ديفيد وماديسون وزملاؤهما طريقة تحاكي البيئة الساحلية داخل غرف النمو في مختبرهم بولاية ميشيغان، وأطلقوا عليها اسم "مركبة الملح"، وهي عربة مزودة بمسدسات رش هوائية وزجاجات من مياه البحر، وأُحيطت بكيس قمامة حتى لا يمتلئ الممر بضباب من رذاذ الملح.
وجمع الباحثون نباتات من زهرة القرد من 5 مناطق ساحلية و5 مناطق داخلية في أوريغون وكاليفورنيا، ثم عرَّضوها لرذاذ ملحي، وتركوه حتى يجف، وبعد ذلك قاسوا كميات الصوديوم المتراكمة داخل الأوراق.
وجاءت النتائج لافتة، فمقابل كل سنتيمتر مربع من مساحة الورقة، احتوت نباتات المناطق الساحلية على كمية من الصوديوم أقل بنحو 30% عن تلك الموجودة في أوراق النباتات المنتمية إلى التجمعات البرية الداخلية، مما يعني أن النباتات الساحلية كانت أفضل في منع الملح من دخول أوراقها.
وتوضح ماديسون أن هذا الانخفاض في تراكم الصوديوم في أوراق النباتات الساحلية مقارنة بالنباتات الداخلية يدل على أن استبعاد رذاذ الملح عند سطح الورقة يمثل إحدى الإستراتيجيات الرئيسية التي طورتها هذه النباتات للتكيف مع رذاذ الملح.
ولفهم الكيفية التي تمنع بها النباتات الساحلية دخول الملح، أجرى الباحثون قياسات مختلفة لخصائص الأوراق. وتساءلوا عما إذا كانت هذه النباتات قد طورت تغيرات في مسام أوراقها تقلل فرص دخول مياه البحر.
وتقول ماديسون: "وجدنا أن النباتات الساحلية تمتلك عددا أكبر بكثير من المسام في أوراقها"، موضحة أن "هذه الملاحظة لا تفسر كيفية منعها للملح من الدخول، لكنها تطرح احتمالا مفاده أن النباتات الساحلية قادرة على إغلاق مسام أوراقها بسرعة استجابة لوجود الملح".
كما بحث الفريق احتمال أن يكون الماء المالح أكثر ميلا إلى التكتل على هيئة قطرات ثم الانزلاق عن سطح الأوراق، بدلا من بقائه عليها فترة تسمح للملح بالتسلل إلى الداخل، لكن النتائج لم تدعم أيا من هذه التفسيرات، مما يشير إلى وجود حواجز بنيوية أو فسيولوجية أخرى تحول دون دخول الملح.
في تجارب لاحقة، اكتشف الباحثون أن دفاع النباتات الساحلية لا يقتصر على منع الملح من دخول أوراقها، فحتى عندما يتسلل الملح إلى أنسجة الأوراق، تُظهر النباتات الساحلية قدرة أكبر على تحمله.
ولاختبار ذلك، اقتطع الفريق دوائر صغيرة من الأوراق ووضعها في أطباق بتري، أضيف كلوريد الصوديوم إلى بعضها، بينما خلا بعضها الآخر منه.
وبتكرار التجربة على نباتات جُمعت من مواقع متعددة، جاءت النتائج متسقة في كل مرة، إذ تمكنت دوائر الأوراق المأخوذة من تجمعات ساحلية من الصمود لفترة أطول في محاليل مرتفعة الصوديوم قبل ظهور علامات الضرر، مقارنة بالأوراق المأخوذة من النباتات الداخلية، مما يشير إلى وجود مستوى ثان من الدفاع يعمل على المستوى الخلوي.
وهكذا تكشف النتائج عن آليتين متكاملتين من الدفاع: الأولى تحد من كمية الملح التي تصل إلى الأوراق، والثانية تساعد الأنسجة على تحمله عندما يتمكن من الدخول إليها.
في دراسة منفصلة، وجد الباحثون أن أزهار القرد الساحلية تتبع إستراتيجية أخرى لتقليل تعرضها لرذاذ الملح ترتبط بتوقيت نموها وتكاثرها.
وتوضح ماديسون أن "خط الدفاع الأول يبدأ قبل وصول الرذاذ الملحي إلى النباتات أصلا، إذ تميل أزهار القرد الساحلية إلى الإزهار في وقت متأخر من الموسم، أي بعد انحسار رياح الربيع، مما يجنب سيقانها الزهرية الطويلة التعرض لكميات كبيرة من رذاذ الملح الذي تحمله الرياح خلال أكثر مراحل دورة حياتها حساسية".
أما النباتات التي تنمو في البيئات الداخلية، فيتحتم عليها الإزهار مبكرا حتى تتمكن من إنتاج البذور قبل حلول موجة الجفاف الصيفي الشديد. لكن سمة الإزهار المبكر هذه تصبح ضارة في البيئة الساحلية، إذ تنمو النباتات الداخلية هناك لتصبح طويلة وتزهر في أسوأ توقيت ممكن، أي عندما تبلغ كثافة رذاذ الملح ذروتها.
وتشير الباحثة إلى أن "اختلاف توقيت الإزهار لا يمكن أن يكون كافيا بمفرده، لأن رذاذ الملح يغطي كل شيء تقريبا على ساحل كاليفورنيا، ولذلك يعمل استبعاد الرذاذ عند سطح الورقة كخط دفاع ثان، إلى جانب وجود آليات أخرى لحماية الخلايا من كميات الملح التي قد تتسرب بالفعل إلى داخل النبات".
مع استمرار تغير المناخ، قد يزداد الضغط على النباتات الساحلية، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر واشتداد اضطراب الأمواج إلى زيادة تعرض النباتات الساحلية للملوحة.
ويعمل الباحثون حاليا على تحديد الآليات الجينية التي تقف وراء قدرة أزهار القرد الساحلية على الحد من دخول الملح إلى أنسجتها، وكذلك تحمل الأضرار الناجمة عنه عندما يتمكن من الوصول إليها.
وتقول ماديسون إن "فريق البحث حدد بعض الجينات المرشحة من خلال تحليل الاختلافات في الحمض النووي واختلافات التعبير الجيني بين النباتات الساحلية والداخلية، إلى جانب مراجعة الدراسات العلمية المتعلقة بملوحة التربة".
وتضيف أن "الباحثين يستخدمون الهندسة الوراثية في المختبر لتغيير مستويات التعبير عن هذه الجينات، ثم يعرضون النباتات المعدلة لرذاذ الملح في المختبر لاختبار ما إذا كانت هذه التغيرات تؤثر في قدرتها على تحمل الملح".
ويمكن أن يساعد فهم هذه التكيفات الطبيعية في جهود تطوير وسائل تجعل نباتات أخرى، بما فيها المحاصيل الزراعية، أكثر قدرة على تحمل الملوحة، خاصة مع تزايد تعرض النباتات للأملاح القادمة من ملح الطرق واندفاع مياه العواصف وارتفاع مستوى سطح البحر.
وتوضح ماديسون أن مصدر الملح لا يغير كثيرا من المشكلة التي تواجهها النباتات، فسواء كان مصدر الملح التربة أو هواء الساحل المالح، فإن الملح الزائد في النبات ينتهي به المطاف عادة بالانتقال إلى الأوراق".
وترى أن "فهم الكيفية التي طورت بها تجمعات النباتات الطبيعية قدرتها على التكيف مع الملوحة، قد يتيح مستقبلا نقل هذه الإستراتيجيات أو دمجها في المحاصيل الزراعية، سواء عن طريق التربية التقليدية أو الهندسة الوراثية".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة