الأمن الطاقي التونسي: حين يختبر برنت صلابة المالية العمومية
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
يضع التقلب الحاد في أسعار الخام الاقتصاد التونسي أمام اختبار دقيق لقدرته على الموازنة بين حماية القدرة الشرائية وصون التوازنات المالية. ويكشف تحليل الأرقام المحينة أن كلفة الدعم الطاقي ترتبط ارتباطا مباشرا بمسار برنت، غير أن المعطيات نفسها تحمل مؤشرات انفراج مرتقب مع مطلع 2027.
جهود تونس لتأمين الإمداد وتنويع المصادر
تواصل تونس بناء منظومتها الطاقية على ركيزتين متكاملتين، هما استقرار الأسعار في المدى القريب وتنويع المصادر في المدى المتوسط. وتتجلى الركيزة الأولى في أن الدولة لم تقرر أي زيادة في أسعار المحروقات ولم تعد إلى آلية التعديل الآلي للأسعار، وهو ما يحمي المؤسسات والأسر من انتقال الصدمات الخارجية إلى الأسعار المحلية. وقد رصد قانون المالية لسنة 2026 نحو 4.993 مليارات دينار لدعم المحروقات والكهرباء، في خيار يعكس أولوية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
وتتجه الركيزة الثانية نحو الطاقات المتجددة، التي ارتفع إنتاجها من الكهرباء بنسبة 57 بالمائة إلى حدود جوان 2026 مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وفق تقرير المرصد الوطني للطاقة والمناجم. وتبلغ حصتها 9 بالمائة من الإنتاج الوطني للكهرباء، الذي ناهز 12.333 غيغاواط ساعة إلى نهاية جويلية 2026 بزيادة قدرها 6 بالمائة. ويظل هذا المستوى دون الهدف المعلن، أي 35 بالمائة من المزيج الكهربائي بحلول 2030، لكن وتيرة النمو تعكس بداية تسارع فعلي. وتشير تقديرات متداولة إلى أن كلفة إنتاج الكيلوواط ساعة في بعض المشاريع المتجددة تناهز 108 مليمات، مقابل نحو 300 مليم للإنتاج المعتمد على الغاز المستورد، وهو فارق يبرر تسريع الاستثمار.
ظرف طاقي عالمي بين الضغط الآني وانفراج مرتقب
تفرض الظرفية الدولية رهانات مزدوجة على الاقتصادات المستوردة للطاقة. فوفق أحدث توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، سيبلغ متوسط سعر خام برنت 105 دولارات للبرميل في الربع الأخير من 2026، مقابل متوسط سنوي عند نحو 96 دولارا. ثم يتراجع المتوسط إلى 83.74 دولارا في 2027، وهو ما يعني أن الضغط يبلغ ذروته في الأشهر المقبلة قبل أن يتخفف تدريجيا.
ويقابل هذا السياق الخارجي واقع داخلي يتميز بتراجع الإنتاج الوطني من النفط الخام والغاز حيث بلغ معدل التبعية الطاقية 66 بالمائة نهاية جوان 2026 مقابل 62 بالمائة قبل عام، أي أن نسبة الاستقلال الطاقي لا تتجاوز 34 بالمائة. ولا تزال المنتجات البترولية والغاز الطبيعي تتقاسمان الطلب على الطاقة الأولية بحصة 49 بالمائة لكل منهما تقريبا، فيما لا تتجاوز الكهرباء المتجددة 5 بالمائة من الموارد الأولية. ويبقى الاعتماد على الواردات الجزائرية، التي غطت نحو 10 بالمائة من حاجيات السوق المحلية من الكهرباء، عنصرا يستوجب مزيدا من التنويع.
2026: كلفة الدعم تتجاوز ضعف الاعتماد المرصود
ترتفع كلفة دعم المحروقات في 2026 بفعل الفارق الواسع بين السعر المرجعي لبرنت المعتمد في قانون المالية، وهو 63.3 دولارا، ومتوسط السعر المتوقع. ويقدر أثر كل دولار إضافي في سعر البرميل بنحو 164 مليون دينار على كلفة الدعم. وباحتساب متوسط 96 دولارا، يبلغ الفارق 32.7 دولارا، أي ما يقارب 5.4 مليارات دينار إضافية، فتصل الكلفة إلى نحو 10.4 مليارات دينار، وهو ما يفوق ضعف الاعتماد المرصود أصلا.
ويتعزز هذا الضغط بعجز الميزان التجاري الطاقي، الذي بلغ 8.271 مليارات دينار إلى نهاية جويلية 2026 مقابل نحو 6.4 مليارات قبل عام، بارتفاع نسبته 29 بالمائة. وبجمع الرقمين، تصل قيمة دعم المحروقات والعجز التجاري الطاقي إلى 18.7 مليار دينار. ويستوجب التحليل التنبيه إلى أن العجز محتسب لسبعة أشهر فقط، ما يجعل الحصيلة السنوية الفعلية مرشحة لمستوى أعلى.
2027: مسار نزولي يعيد جزءا من الهامش المالي
تقوم فرضيات مشروع ميزانية 2027 على سعر برنت بين 75 و80 دولارا للبرميل. وباعتماد معامل الحساسية البالغ 164 مليون دينار لكل دولار يفوق السعر المرجعي، تتراوح كلفة دعم المحروقات بين 6.9 مليارات دينار عند 75 دولارا و7.7 مليارات دينار عند 80 دولارا، أي بتراجع يتراوح بين 26 و34 بالمائة مقارنة بتقدير 2026.
وتقدم توقعات الإدارة الأميركية قراءة أكثر تحفظا، إذ يبلغ المتوسط المتوقع 83.74 دولارا، وهو ما يرفع الكلفة المحسوبة إلى نحو 8.35 مليارات دينار، أي بانخفاض في حدود 20 بالمائة عن 2026. وتؤكد هذه المقارنة أن الفرضية الرسمية تبدو متفائلة نسبيا، وأن هامش الحذر يقتضي بناء الميزانية على سيناريوهات متعددة بدل رقم مرجعي واحد. ويظل الفارق بين أدنى التقديرات وأعلاها، وهو نحو 1.45 مليار دينار، مؤشرا على حجم المخاطرة التي تحملها الفرضية السعرية.
الدعم الطاقي رافعة للقطاعات ومحرك للنمو
يؤدي دعم الطاقة وظيفة اقتصادية تتجاوز بعده الاجتماعي، إذ تمثل الطاقة مدخلا أساسيا في الصناعات التحويلية والنقل والفلاحة والسياحة. ويسهم استقرار كلفتها في تحصين القدرة التنافسية للمؤسسات المصدرة، وكبح الضغوط التضخمية، وتوفير رؤية واضحة للمستثمرين، وهي عوامل تدعم النمو في فترات تقلب الأسواق.
وفي المقابل، يحمل اتساع فاتورة الدعم كلفة فرصة بديلة تتمثل في موارد كان يمكن توجيهها إلى الاستثمار العمومي. ومن هنا تبرز أهمية تحويل الدعم تدريجيا من أداة لامتصاص الصدمات إلى جسر نحو الانتقال الطاقي، عبر تمويل النجاعة الطاقية وتوسيع قدرات التوليد المتجددة وتعزيز الربط الكهربائي.
وتخلص القراءة المتوازنة إلى أن تونس نجحت في تفادي صدمة سعرية داخلية في ظرف دولي صعب، غير أن استدامة هذا النجاح ترتبط بتسريع تنويع المصادر وتخفيف التبعية. ويمنح المسار المتوقع لأسعار 2027 فرصة ثمينة لتحويل الانفراج المالي المرتقب إلى استثمار هيكلي يعزز السيادة الطاقية.
احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
موصى به لك
*
*
*