في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

اعتبر رياض الصيداوي، مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف، أن الاحتجاجات الطلابية والنقابية في فرنسا لا يمكن فصلها عن أزمة اقتصادية واجتماعية عميقة تراكمت على مدى عقود، مشيراً إلى أن تراجع المكاسب الاجتماعية وارتفاع الأسعار وتفاقم المديونية من أبرز العوامل التي تغذي حالة الاحتقان في الشارع الفرنسي.

وأوضح الصيداوي في تصريح خاصة به تونس الرقمية أن ما تشهده فرنسا هو أزمة «هيكلية وبنيوية»، تتجاوز الظرفية الاقتصادية الراهنة، وترتبط، وفق تقديره، بطبيعة توزيع الثروة والعلاقة بين الطبقات العاملة والقوى الاقتصادية النافذة.

المديونية والتضخم في قلب الأزمة الفرنسية

وفي تفسيره للأزمة، استعرض الصيداوي جملة من المؤشرات الاقتصادية، مشيراً إلى أن الناتج الداخلي الخام الفرنسي بلغ، بحسب الأرقام التي أوردها، نحو 2800 مليار دولار سنة 2023، مقابل ديون تجاوزت 3300 مليار دولار.

واعتبر أن هذا الاختلال يعكس حجم الضغوط المالية التي تواجهها فرنسا، مضيفاً أن الاتحاد الأوروبي وجّه تحذيرات إلى باريس بشأن وضعيتها المالية ومستويات المديونية.

كما أشار إلى استثمارات صينية في سندات فرنسية قدّر قيمتها بأكثر من 300 مليار دولار، في سياق حديثه عن ارتباط الاقتصاد الفرنسي بالتمويل الخارجي.

وربط الصيداوي تفاقم الأزمة بارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية، وخاصة الأسماك واللحوم والغلال والخضر، موضحاً أن موجة التضخم بدأت مع أزمة جائحة كورونا، ثم اشتدت مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.

واستحضر في هذا السياق فترات شهدت فيها الأسواق قيوداً على شراء بعض المواد، من بينها الزيت، قبل أن تتعمق الضغوط على القدرة الشرائية بفعل أزمة الطاقة وارتفاع أسعار البنزين والمحروقات عموماً.

الصيداوي: الشارع الفرنسي يحمل إرثاً ثورياً

وفي قراءته للخلفيات التاريخية والاجتماعية للاحتجاجات، شدد الصيداوي على أن الشارع الفرنسي يتميز، وفق تعبيره، بطابع ثوري متجذر في تاريخه.

واعتبر أن الطبقة الشغيلة والطبقة العمالية في فرنسا تشعران باستمرار بأن المكاسب المرتبطة بالثورة الفرنسية قد انتُزعت منهما لمصلحة ما وصفه بـ«الأوليغارشية»، أي الأقلية الاقتصادية والمالية التي تضم قوى صناعية ومصرفية نافذة.

وبحسب تحليله، فإن الاحتجاجات الاجتماعية المتكررة تعبّر عن استمرار الصراع بين الفئات الشعبية وهذه القوى الاقتصادية، في ظل شعور قطاعات من المجتمع الفرنسي بتراجع نصيبها من الثروة والمكاسب الاجتماعية.

وسائل التواصل الاجتماعي تغيّر موازين التأثير

وتطرق مدير المركز العربي للدراسات السياسية والاجتماعية بجنيف إلى دور الإعلام في التحولات التي يشهدها المجتمع الفرنسي.

واعتبر أن القوى الاقتصادية النافذة سعت إلى الحفاظ على تأثيرها من خلال وسائل الإعلام التقليدية ومحاولات التحكم في تدفق المعلومات، غير أن انتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي جعل السيطرة المطلقة على المجال الإعلامي أمراً شبه مستحيل. وأشار إلى أن الشباب أصبحوا قادرين على الوصول إلى المعلومات والتعبير عن مواقفهم خارج القنوات الإعلامية التقليدية.

واستشهد في هذا السياق بالمواقف من الحرب في غزة، معتبراً أن هناك تبايناً بين التوجهات التي تعكسها بعض وسائل الإعلام التقليدية ومواقف قطاعات من الشارع الفرنسي المتضامنة مع غزة.

ورأى الصيداوي أن هذا التباين يعكس تراجع قدرة وسائل الإعلام التقليدية على توجيه الرأي العام، خصوصاً لدى الأجيال الشابة.

الاحتجاجات جولة جديدة من الصراع الاجتماعي

وفي تفسيره للتحركات الطلابية والنقابية، وصف الصيداوي الاحتجاجات الحالية بأنها «جولة جديدة» من المواجهة الاجتماعية بين الشباب والقوى الاقتصادية النافذة في فرنسا.

وربط هذه التحركات بالإرث التاريخي للثورة الفرنسية التي اندلعت في 14 جويلية 1789، معتبراً أن قطاعات من المجتمع الفرنسي لا تزال تسعى إلى استعادة ما تراه مكاسب ثورية واجتماعية استحوذت عليها، وفق قراءته، القوى الرأسمالية عبر مراحل تاريخية متعاقبة.

وأضاف أن الطابع الدوري للاحتجاجات يعكس استمرار التوتر الاجتماعي وعدم معالجة الأسباب العميقة التي تدفع الشباب والعمال إلى النزول إلى الشوارع.

تراجع الدولة الاجتماعية رغم قوة منظومة الحماية

وفي المقابل، أكد الصيداوي أن فرنسا تظل، وفق تقييمه، من بين الدول الأوروبية التي تتمتع بمنظومات متقدمة في مجال الرعاية والحماية الاجتماعية.

غير أنه اعتبر أن هذه المنظومة بدأت تشهد تراجعاً تدريجياً، بالتزامن مع فقدان الطبقات العاملة جانباً من مكاسبها وامتيازاتها السابقة.

ووصف هذا التحول بأنه اقتراب من نموذج رأسمالي أكثر تشدداً، شبيه بالنموذج الأمريكي، مشيراً إلى أن الضغوط الاقتصادية والتضخم وارتفاع المديونية تزيد من حدة التوترات الاجتماعية.

ويرى الصيداوي أن تزامن هذه العوامل يفسر استمرار الاحتجاجات واتساع المطالب الاجتماعية، خاصة في أوساط الفئات التي تشعر بتراجع قدرتها الشرائية وتقلص مكاسبها.

إعادة توزيع الثروة للخروج من الأزمة

وفي ختام تحليله، شدد رياض الصيداوي على أن معالجة الأزمة الفرنسية تتطلب، وفق رأيه، إعادة النظر في توزيع الثروة داخل المجتمع.

واعتبر أن المرحلة الحالية تستوجب تقديم تنازلات مالية من جانب القوى الاقتصادية الأكثر نفوذاً، إلى جانب اعتماد سياسات جبائية تخفف الأعباء عن الفئات الفقيرة ومحدودة الدخل.

وأكد أن إعادة توزيع الثروة والتخفيف من الضغط الضريبي على الفئات الأقل دخلاً يمثلان، في تقديره، مدخلاً لمعالجة الاختلالات الاجتماعية التي تقف وراء موجات الاحتجاج المتكررة في فرنسا.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب