تونس – ميزانية 2026 بين صرامة الإنفاق ورهان السداسي الثاني
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجليرتكز قانون مالية 2026 على معادلة دقيقة تجمع بين الانضباط المالي وتغطية الحاجيات الاجتماعية والتنموية، في سياق دولي مطبوع بتقلب أسعار الطاقة. يُقدَّر حجم ميزانية الدولة لهذه السنة بنحو 79.6 مليار دينار، بزيادة 3.9% عن ميزانية 2025 البالغة 76.6 مليار دينار. وتتوقع وزارة المالية إيرادات في حدود 52.56 مليار دينار، أي بنمو قدره 7.1% مقارنة بنتائج 2025، منها 47.77 مليار دينار إيرادات جبائية تمثل 90.9% من الإجمالي، وهو ما يعكس قدرة متنامية على تعبئة الموارد الذاتية.
تستند هذه التقديرات إلى فرضيات تتعلق بتعافٍ تدريجي في قطاعات الفلاحة والخدمات والسياحة، ونمو بالأسعار القارة بنسبة 3.3%، ومعدل سعر لبرميل البرنت عند 63.3 دولارا، واستقرار سعر صرف الدينار أمام العملات الرئيسية. ويمنح هذا الإطار المالية العمومية رؤية واضحة، شريطة أن تبقى المتغيرات الخارجية ضمن الحدود المفترضة.
جهود التحكم في العجز وضمان التوازنات
تُظهر المؤشرات المتاحة مسارا واضحا نحو ترشيد الإنفاق وضبط التوازنات. فقد قُدّر عجز ميزانية 2025 بنحو 9.64 مليار دينار، مقابل 10.15 مليار دينار في قانون المالية الأصلي، أي أنه جاء دون التوقعات الأولية. وتتوقع الوزارة أن تتراجع خدمة الدين إلى 23.057 مليار دينار في 2026، مقابل 24.484 مليار دينار في 2025، بانخفاض نسبته 5.8%، وهو ما يخفف الضغط على الموارد المتاحة للإنفاق.
يدعم هذا التوجه استقرار كتلة الأجور، إذ تبلغ اعتماداتها 25.2 مليار دينار، وتستقر عند 13.4% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 14.1% في 2025. وتؤكد نتائج السداسي الأول هذا المنحى، فقد بلغت نفقات التسيير 760 مليون دينار بزيادة 1.3% فقط، ونسبة إنجاز 25.9% مقابل 28.7% في الفترة نفسها من 2025. وبلغت جملة النفقات المدفوعة 24917 مليون دينار، بنمو 8.9% ونسبة إنجاز 39.2%، وهي وتيرة تعكس تقدما منتظما في تنفيذ الاعتمادات.
يقتضي التحليل المتوازن الإشارة إلى أن الضغوط الخارجية ما تزال قائمة، إذ توقعت وكالة فيتش أن يبلغ عجز الميزانية 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مدفوعا بارتفاع كلفة دعم المحروقات. ويجعل ذلك أسعار الطاقة العامل الحاسم في معادلة التوازنات، ويؤكد أهمية مواصلة تنويع مصادر التمويل وترشيد الاستهلاك الطاقي.
دعم المحروقات يتجاوز الاستثمار بـ762 مليون دينار
تكشف وثيقة تنفيذ الميزانية إلى موفى جوان 2026 مفارقة تستحق التوقف عندها. فقد ارتفعت نفقات الدعم بنسبة 12% لتبلغ 3486 مليون دينار، بنسبة إنجاز 35.7% من تقديرات قانون المالية. وبلغ دعم المحروقات وحده 2427 مليون دينار، بنسبة إنجاز 48.6%، أي نحو 70% من جملة الدعم و9.7% من إجمالي النفقات المدفوعة. في المقابل، لم تتجاوز نفقات الاستثمار 1665 مليون دينار، أي قرابة 6.7% من النفقات، فتقدّم دعم المحروقات عليها بـ762 مليون دينار.
يعود هذا التطور أساسا إلى ارتفاع أسعار النفط عالميا بفعل الأزمة الإيرانية، إذ بلغ معدل سعر البرميل 92.6 دولارا إلى موفى جوان، أي أعلى بنحو 46% من فرضية 63.3 دولارا التي بُني عليها قانون المالية. ويمثل هذا الفارق صدمة خارجية خارجة عن نطاق التحكم المحلي، وقد امتصتها الدولة حفاظا على القدرة الشرائية واستقرار الأسعار.
يتجلى البعد الاجتماعي كذلك في تحويلات البرامج الاجتماعية التي بلغت 2221 مليون دينار بنسبة إنجاز 47.6%، وبزيادة 431 مليون دينار أي 24.1%. أما نفقات التدخلات فقد ارتفعت بـ849 مليون دينار (14.8%) لتبلغ 6574 مليون دينار، خُصّص 53% منها للدعم. وتمثل نفقات التأجير، وقد بلغت 12184 مليون دينار بنمو 4.9% ونسبة إنجاز 48.2%، قرابة نصف النفقات المدفوعة، وهي تعكس تفعيل القسط الأول من الزيادات المقررة بالفصل 15 من قانون المالية لسنوات 2026 و2027 و2028.
الاستثمار العمومي: محرك النمو وجودة العيش
يظل الاستثمار العمومي الرافعة الأساسية لتحسين البنية التحتية ودعم القطاعات الإنتاجية ورفع جودة عيش التونسيين، من نقل وصحة وتعليم وماء وطاقة. فكل دينار يوجَّه إلى المشاريع المهيكلة يحفّز الاستثمار الخاص ويخلق مواطن شغل ويقلص الفوارق بين الجهات، وهو ما يجعل تسريع نسق الإنجاز أولوية اقتصادية قبل أن يكون مطلبا ماليا.
يكشف ترتيب النفقات المدفوعة في السداسي الأول عن هيكل يميل إلى الاستهلاك: فالتأجير يستأثر بنحو 49% من النفقات المدفوعة، ويستحوذ الدعم على قرابة 14%، فيما لا يتجاوز الاستثمار 6.7%. ويعني ذلك أن نحو 63% من الإنفاق يذهب إلى بنود يصعب ضغطها على المدى القصير، وهو ما يجعل إعادة التوازن بين الإنفاق الجاري والتنموي ورشة إصلاحية متوسطة المدى لا قرارا ظرفيا.
بلغت النفقات التنموية 2533 مليون دينار، موزعة بين 867 مليون دينار تدخلات ذات صبغة تنموية، و1664.7 مليون دينار نفقات استثمار، و1.5 مليون دينار عمليات مالية، بنسبة إنجاز 21.2% من تقديرات قانون المالية. وتفسّر وزارة المالية هذه النسبة بخصوصية الإنفاق التنموي الذي يتركز صرف الجزء الأكبر منه عادة في السداسي الثاني، بعد استكمال الإجراءات الفنية والإدارية وإبرام الصفقات العمومية والحصول على التراخيص اللازمة.
وتواصل الوزارة، بحسب وثيقتها، جهودها لرفع نسق إنجاز المشاريع العمومية وتسريع المشاريع المعطلة أو المتأخرة، عبر معالجة الإشكاليات العقارية والفنية والتمويلية وتكثيف المتابعة الميدانية لمختلف مراحل الإنجاز. ويبقى التحدي في تحويل هذه الاعتمادات إلى منجزات ملموسة قبل موفى السنة.
آفاق السداسي الثاني
يطرح السداسي الثاني اختبارا مزدوجا: احتواء كلفة الدعم إذا استمر ضغط أسعار الطاقة، وتسريع نسق الاستثمار حتى لا يتأخر أثره على النمو والتشغيل. ويشكّل الجمع بين استقرار كتلة الأجور، وتراجع خدمة الدين، وضبط نفقات التسيير قاعدة صلبة لهذا الرهان، ويمنح الحكومة هامشا للمناورة يتيح إعادة توجيه الموارد تدريجيا من الدعم نحو الاستثمار المنتج. ويمكن لهذا المسار، إن اقترن بإصلاح منظومة الدعم نحو استهداف أدق للفئات المستحقة، أن يحافظ على البعد الاجتماعي ويحرّر في الآن نفسه موارد للتنمية.
تؤكد المعطيات مجتمعة أن المالية العمومية التونسية تتحرك ضمن هامش ضيق لكنه قابل للتوسيع: فمن جهة، تبرهن نتائج السداسي الأول على انضباط في التسيير وانتظام في الأجور وتراجع في كلفة الدين؛ ومن جهة أخرى، يفرض الارتفاع الاستثنائي لأسعار النفط إعادة ترتيب الأولويات. ويتحدد بين هذين المسارين مدى قدرة ميزانية 2026 على الجمع بين حماية القدرة الشرائية وبناء أسس نمو أكثر استدامة.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
موصى به لك
*
*
*