من الفكرة الى التمويل: هياكل الإسناد تدعم مسار باعثي المؤسسات
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
يكشف منتدى “فين فور ياث+”، الذي احتضنته العاصمة تحت شعار “نحو مشاريع أكثر قابلية للتمويل وذات أثر قوي”، عن تحوّل في زاوية النظر إلى إشكالية التمويل في تونس فقد جرت العادة أن يُنظر إلى صعوبة النفاذ إلى التمويل بوصفها مشكلة عرض، أي نقصاً في الموارد أو تشدداً من المؤسسات المالية. أما النقاش الذي دار في المنتدى فيميل إلى أن جزءاً معتبراً من الفجوة يقع في منطقة وسطى، هي جودة إعداد المشاريع وقدرتها على مخاطبة منطق المموّل ومعايير قراره.
يجمع المنتدى هياكل المرافقة والدعم والمؤسسات المالية وهيئات الاستثمار وفاعلين من القطاعين العام والخاص. وتنظّمه منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) بتونس بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي وصندوق الودائع والأمانات و”سي دي سي للتصرف”. ويهدف اللقاء إلى مقارنة احتياجات المؤسسات بانتظارات الجهات الممولة، وتحديد العراقيل الرئيسية، واقتراح مسارات أفضل لإعداد أصحاب المشاريع ذات الأثر وتوجيههم.
لماذا تبدو المرافقة المالية شرطاً للنمو الشامل؟
تكتسب هذه المسألة راهنيتها من سياق اجتماعي واقتصادي ضاغط، إذ بلغ معدل بطالة الشباب 36٫8 بالمائة خلال الثلاثي الثاني من سنة 2025 وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء. ويعني ذلك أن المؤسسة الصغرى والمتوسطة تتحول إلى رافعة رئيسية لاستيعاب طاقات الشباب وخلق فرص العمل، لا مجرد خيار ريادي فردي.
ويتضاعف هذا الرهان لدى الفئات التي تواجه عوائق أكبر، وفي مقدمتها الشباب والنساء والمؤسسات الناشطة في الجهات الداخلية. فهذه الفئات كثيراً ما تفتقر إلى الضمانات وإلى الشبكات المالية وإلى الخبرة في إعداد الملفات، وهي عناصر يقيّمها المموّل قبل أن يقيّم الفكرة نفسها. لذلك تبرز المرافقة بوصفها جسراً يحوّل الفكرة الواعدة إلى ملف مهيكل يمكن دراسته وتمويله.
وتنطوي المرافقة على بعد اقتصادي أوسع من دعم الأفراد ذلك انه حين يرتفع مستوى إعداد المشاريع، تنخفض كلفة الفرز على المؤسسات المالية، ويتراجع عدم اليقين المرتبط بالمخاطر، وتتحسن فرص تخصيص الموارد نحو المشاريع الأكثر جدوى. وبذلك تخدم المرافقة الجيدة المموّل بقدر ما تخدم صاحب المشروع.
مقاربة تجمع الأدوات والتمويل والجغرافيا
يتميّز الإطار المؤسسي الذي يقدّمه المنتدى بتكامل عناصره. فبرنامج حشد التمويل السريع لفائدة الشباب والنساء مبادرة مشتركة بين برنامج الأمم المتحدة الإنمائي واليونيدو، بالشراكة مع صندوق الودائع والأمانات و”سي دي سي للتصرف”، وهي شركة تونسية لإدارة صناديق الاستثمار المشتركة ذات المخاطر. ويرمي البرنامج إلى تسهيل وصول المؤسسات الصغرى والمتوسطة، ولا سيما التي يقودها الشباب والنساء، إلى فرص تمويل ملائمة.
ويندرج البرنامج ضمن “الممر الاقتصادي” الهادف إلى تعزيز الفرص الاقتصادية وفرص العمل في ولايات القصرين وسيدي بوزيد والقيروان. ويعكس هذا الاختيار الجغرافي توجهاً لتوجيه الموارد نحو مناطق تتطلب دفعة تنموية خاصة، بما يخدم هدف التنمية الجهوية المتوازنة.
ويرتبط البرنامج كذلك بصندوق “إمباكت” الذي يديره صندوق الودائع والأمانات عبر فرعه “سي دي سي للتصرف”، وقد خُصّص منه 42 مليون دينار للممر الاقتصادي لدعم تمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة ذات الأثر البيئي والاجتماعي القوي. وتشير المديرة العامة لصندوق الودائع والأمانات ورئيسة مجلس إدارة “سي دي سي للتصرف”، ناجية الغربي، إلى أن هذا الغلاف يستهدف دعم 70 مؤسسة باستثمارات تتراوح بين 100 ألف ومليون دينار، مع تركيز خاص على ولايتي القصرين وسيدي بوزيد وعلى المشاريع التي تقودها النساء.
وتكشف هذه الأرقام عن منطق واضح في التصميم. فشريحة الاستثمار المحددة بين 100 ألف ومليون دينار تستهدف مؤسسات تتجاوز مرحلة الفكرة الأولى ولا تزال أصغر من أن تجذب التمويل البنكي الكلاسيكي بسهولة، وهي منطقة تُعرف اقتصادياً بأنها فجوة تمويل حقيقية. ويضيف معيار الأثر البيئي والاجتماعي بعداً نوعياً يربط الربحية بالقيمة المجتمعية.
نجاح الجهود التونسية
يستحق الجهد المؤسسي الذي تبذله السلطات التونسية والهياكل العمومية الشريكة تقديراً موضوعياً. فقد أسهم انخراط مؤسسة مالية عمومية بحجم صندوق الودائع والأمانات، عبر ذراعه الاستثماري، في إعطاء المبادرة عمقاً مالياً وجدية مؤسسية، وفي ربط أدوات المرافقة بموارد استثمار فعلية. ويُحسب لهذا التوجه أنه لا يكتفي بالتكوين والتوجيه، بل يقرن الإعداد بإمكانية التمويل.
ويبدو الجمع بين شركاء دوليين وفاعلين وطنيين خياراً ناجعاً لنقل الخبرة وتوطينها. فمنبر يلتقي فيه أصحاب الدعم والممولون والمستثمرون يقلّص المسافة المعرفية بين الأطراف، ويتيح لكل طرف أن يفهم لغة الآخر ومعاييره. وهذا في حد ذاته مكسب مؤسسي يتجاوز أي برنامج بعينه.
ويتضح البعد العملي من الأدوات المقدمة، ومنها أداة «كومفار» التابعة لليونيدو، التي تتيح تحليل الجدوى الاقتصادية والمالية للمشاريع الاستثمارية وتقييم استمراريتها والمخاطر المرتبطة بها. وتمنح مثل هذه الأدوات أصحاب المشاريع لغة رقمية موحدة يفهمها المموّل، وتحوّل التقييم من انطباع ذاتي إلى تحليل قابل للمساءلة.
وينبغي مع ذلك قراءة النجاح بحذر منهجي. فالمعطيات المتاحة تصف الأهداف والآليات والتخصيصات المالية، بينما تظل مؤشرات النتائج، كعدد المشاريع الممولة فعلاً ونسب استمراريتها وعدد الوظائف المحدثة، هي المحك الحقيقي الذي سيؤكد النجاح أو يعدّله على المدى المتوسط.
تطوير أساليب عمل هياكل الإسناد
يمثّل تطوير أساليب عمل هياكل الإسناد جوهر الرسالة التي يبعث بها المنتدى. فقد ركز النقاش على أن جودة إعداد المشاريع وتحليلها تحدد قدرتها على النفاذ إلى مختلف حلول التمويل. ومعنى ذلك أن على هياكل المرافقة أن تنتقل من تقديم الإرشاد العام إلى بناء ملفات جاهزة للتمويل، تتضمن دراسة جدوى متينة وتقديراً واقعياً للمخاطر وخطة مالية مقنعة.
ويقتضي هذا التحول أن تفهم الهياكل انتظارات المستثمرين ومعايير قراراتهم فهماً دقيقاً، وهو ما يسعى المنتدى إلى ترسيخه عبر تبادل الآراء بين المتدخلين في المنظومة الريادية والمالية. فكلما اقتربت الهياكل من منطق المموّل، ارتفعت نسبة الملفات التي تجتاز الفرز الأول وتنتقل إلى مرحلة التفاوض.
ويستدعي الأمر كذلك توحيد المنهجيات وتبادل الممارسات الجيدة بين هياكل الإسناد، بدل تشتت الجهود وتعدد المسارات. فتقاطع الأدوار بين هيئات المرافقة والمؤسسات المالية وهيئات الاستثمار يصبح مصدر قوة إذا نُظّم في مسار متسلسل واضح، من الفكرة إلى الإعداد فالتقييم فالتمويل فالمتابعة.
وتفرض خصوصية الجهات الداخلية والمشاريع التي تقودها النساء تكييف أساليب المرافقة مع الواقع المحلي، سواء في القرب الجغرافي أو في طبيعة الضمانات أو في الدعم بعد التمويل. فالمرافقة لا تنتهي عند حصول المشروع على القرض أو الاستثمار، بل تمتد إلى ما يضمن استمراريته وتحقيقه للأثر المنتظر.
تتجه المقاربة التي يعرضها المنتدى إلى معالجة أصل الإشكال بدل الاكتفاء بأعراضه. فتوسيع النفاذ إلى التمويل يمر عبر رفع قابلية المشاريع للتمويل، وعبر هياكل إسناد أكثر احترافاً وقرباً من منطق المموّلين، وعبر أدوات تحليل موحدة وموارد استثمارية موجهة نحو الجهات الأقل حظاً.
وتبعث المؤشرات المعلنة، من غلاف 42 مليون دينار إلى هدف دعم 70 مؤسسة والتركيز على القصرين وسيدي بوزيد والقيروان، إشارة إيجابية على وجود إرادة مؤسسية منسجمة. ويبقى الرهان في ترجمة هذه الإرادة إلى نتائج قابلة للقياس، بما يجعل من مرافقة الباعثين رافعة مستدامة للنمو والتشغيل والتنمية الجهوية في تونس.
احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب