آخر الأخبار

الاستثمار الفلاحي : 4.8 مليار دينار من القيمة المضافة

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

رسّخ الاستثمار الفلاحي في تونس مكانته كأحد محركات النمو الأكثر صلابة في الاقتصاد الوطني خلال الأشهر الثمانية الأولى من سنة 2026. فقد حقق القطاع قيمة مضافة بلغت 783 4 مليون دينار خلال النصف الأول من السنة، وواصل بذلك تقديم أداء سليم في محيط اقتصادي كلي لا يخلو من الضغوط.

تكشف نوايا الاستثمار المسجلة بين جانفي وأوت 2026 أن تعقيد المحيط الاقتصادي لم ينل من الإمكانات الكامنة للقطاع فقد صُرّح بـ4 120 عملية استثمارية بغلاف جملي قدره 807.5 مليون دينار، أي بمعدل يناهز 196 ألف دينار للعملية الواحدة. ويوحي هذا المتوسط بأن النسيج الاستثماري يقوم أساسًا على مشاريع متوسطة الحجم لا على عمليات ضخمة معدودة.

برز مؤشر لافت على مستوى الإجراءات، إذ أُنجزت 82 في المائة من العمليات، بما يمثل 88 في المائة من قيمة الاستثمارات، عن بُعد. ويشي هذا المعطى بتقدم رقمنة المسالك الإدارية المرتبطة بالتصريح والمتابعة، وهو عامل يخفض كلفة المعاملات ويقرّب الإدارة من المستثمر.

هيمنة الإنتاج الأولي وتركّز جغرافي

تصدّرت الأنشطة الفلاحية المشهد بـ520.5 مليون دينار، أي 64 في المائة من نوايا الاستثمار. وجاءت بعدها الخدمات المرتبطة بالفلاحة بـ144.2 مليون دينار (18 في المائة)، ثم الصيد البحري بـ80.9 مليون دينار (10 في المائة)، فتربية الأحياء المائية بـ45.3 مليون دينار (6 في المائة)، وأخيرًا التحويل الأولي بـ16.7 مليون دينار (2 في المائة).

تستدعي هذه البنية قراءة تحليلية متأنية فتركّز قرابة ثلثي الحجم في الإنتاج الأولي يعكس متانة القاعدة الإنتاجية، لكن ضعف حصة التحويل الأولي يكشف أن جزءًا من القيمة المضافة المحتملة ما زال يُترك لمراحل لاحقة من السلسلة. ويفتح هذا المعطى أفقًا واعدًا أمام الاستثمار في التثمين والتصنيع الغذائي.

أظهرت القراءة الجغرافية تقاربًا لافتًا بين كبرى المناطق. فقد جاءت المنطقة 3 في المقدمة بـ215.5 مليون دينار (27 في المائة من الحجم)، تلتها المنطقة 1 بـ213.3 مليون دينار (26 في المائة)، ثم المنطقة 4 بـ149.6 مليون دينار (19 في المائة). وتستقطب المناطق الثلاث مجتمعة قرابة 72 في المائة من الحجم الجملي، وهو ما يطرح نقاشًا مشروعًا حول سبل توسيع قاعدة الجذب الاستثماري نحو بقية الجهات.

من النوايا إلى الحوافز: مسار تشغيلي واعد

حظيت 1 643 عملية استثمارية برأي إيجابي من لجان إسناد الامتيازات بقيمة 267.9 مليون دينار، مقرونة بمنح عمومية بلغت 69.9 مليون دينار. وحين تُضاف العمليات التي صادقت عليها هياكل الاستثمار بالمندوبيات الجهوية للتنمية الفلاحية، وعددها 2 453 عملية بقيمة 23.9 مليون دينار، يبلغ الحجم الجملي للاستثمارات المصادق عليها 291.8 مليون دينار موزعة على 4 096 مشروعًا. ويعادل ذلك نحو 36 في المائة من قيمة النوايا المصرح بها، وإن ظلت المقارنة بين المجموعتين تقريبية.

يُنتظر أن تُحدث هذه المشاريع 1 569 موطن شغل قار. وبقسمة القيمة المصادق عليها على عدد الوظائف المتوقعة، تظهر كلفة استثمارية تناهز 186 ألف دينار لكل موطن شغل. ويظل هذا المؤشر رهين طبيعة المشاريع، إذ يتفاوت بين استثمارات كثيفة العمالة وأخرى موجهة للتجهيز والتحديث، كما أنه لا يلتقط التشغيل غير المباشر والموسمي الذي يميّز الأنشطة الفلاحية والبحرية.

فروع متباينة الأداء

تكشف قراءة الفروع ديناميكيات متباينة قياسًا بالسنة السابقة فقد قفز الصيد البحري بنسبة 120 في المائة إلى 28.6 مليون دينار، وتقدم الفرع الفلاحي بنسبة 29 في المائة إلى 159.6 مليون دينار، وارتفع التحويل الأولي بنسبة 21 في المائة إلى 2.3 مليون دينار. في المقابل تراجعت الخدمات المرتبطة بالفلاحة والصيد البحري بنسبة 19 في المائة إلى 53.8 مليون دينار، وانكمشت تربية الأحياء المائية بنسبة 60 في المائة إلى 23.5 مليون دينار.

يستحق هذا التباين تأملًا هادئًا فالنمو المسجل في الفرع الفلاحي، الذي يستأثر بقرابة 60 في المائة من القيمة المصادق عليها، هو ما يمنح الحصيلة الجملية ثقلها. أما القفزة الكبيرة في الصيد البحري فقد تعكس جزئيًا أثر قاعدة المقارنة، وهو ما يستوجب الحذر في تعميمها. ويستدعي تراجع تربية الأحياء المائية تشخيصًا دقيقًا لأسبابه قبل الجزم بطبيعته الظرفية أو الهيكلية.

تنوع المستثمرين وهندسة التمويل

برز الشباب كقطب دينامي بـ228 مشروعًا وغلاف مالي قدره 25.5 مليون دينار. وأطلقت النساء 120 مشروعًا بقيمة 12.3 مليون دينار، فيما استثمر التونسيون المقيمون بالخارج 1.9 مليون دينار عبر 17 عملية. ويكرّس هذا التنوع اتساع قاعدة الفاعلين في القطاع، ويُبقي إمكانات كبيرة غير مستغلة لدى التونسيين بالخارج.

واحتلت التجهيزات صدارة النفقات بـ175.5 مليون دينار، تلتها المباني بـ22.8 مليون دينار ثم العتاد المتحرك بـ20 مليون دينار. ويعني ذلك أن ما يقارب ثلاثة أخماس الحجم المصادق عليه يتجه إلى تعزيز أداة الإنتاج، وهو توجه يرفع الإنتاجية ويهيئ لرفع الطاقات الإنتاجية على المدى المتوسط.

هذا وقوم بنية التمويل على شراكة متوازنة بين الدولة والمستثمر والقطاع البنكي حيث بلغت المنح العمومية 69.6 مليون دينار بارتفاع 9 في المائة على أساس سنوي، وساهم المستثمرون بـ110.3 مليون دينار بدافع الامتيازات الجبائية، فيما عبّأ القرض البنكي 87.9 مليون دينار. وتمثل هذه المكونات نحو 26 و41 و33 في المائة على التوالي من الحصيلة. ويحقق الدينار العمومي المرصود أثر رافعة واضحًا، إذ يستقطب قرابة 2.8 دينار من التمويل الخاص، الذاتي والبنكي.

من الاستثمار إلى الأمن الغذائي وتوازنات الاقتصاد الكلي

يتجاوز أثر الاستثمار الفلاحي حدود القطاع ليمسّ دعائم أساسية في الاقتصاد الكلي التونسي فمن جهة القيمة المضافة، تعكس 4 783 مليون دينار قدرة القطاع على توليد ثروة محلية في جهات تعاني عادة من محدودية البدائل الإنتاجية، وهي ثروة تتوزع على الأجور والدخول الريفية وعلى حلقات التزويد والنقل والتخزين المرتبطة بها.

ويرتبط الأمن الغذائي ارتباطًا وثيقًا بهذا المسار ذلك ان كل توسع في الطاقة الإنتاجية المحلية، من تجهيزات ومعدات ومنشآت، يرفع درجة الاكتفاء الذاتي في المنتوجات الأساسية، ويقلص هشاشة الاقتصاد أمام تقلبات أسعار الغذاء العالمية واضطرابات سلاسل التوريد.

هذا ويظهر الأثر على الميزان التجاري من وجهين متكاملين. الأول إحلال الإنتاج المحلي محل جزء من الواردات الغذائية، والثاني دعم الصادرات الفلاحية والبحرية التي تشكل الصيد البحري وتربية الأحياء المائية أحد روافدها وكلما تقدم الاستثمار في التحويل الأولي، ارتفعت قيمة الوحدة المصدَّرة وتراجع الاعتماد على تصدير المواد الخام.

ينعكس هذا التحسن المنتظر على ميزان المدفوعات الخارجية عبر ثلاث قنوات. فهو يخفف الطلب على العملة الصعبة المخصصة للتوريد، ويدعم مخزون النقد الأجنبي، ويخفف الضغط على الدينار. ويضاف إلى ذلك مسار تحويلات التونسيين بالخارج الموجهة نحو الاستثمار، الذي ما زال متواضعًا في حجمه المسجل لكنه قابل للتوسع.

يظل التنبيه ضروريًا إلى أن الأمر يتعلق بنوايا استثمار لا بإنجازات فعلية. غير أن تحويل هذه المشاريع إلى واقع ملموس يبقى أيسر بكثير من نظيرتها الصناعية، وهو ما يمنح الأرقام المعلنة مصداقية أكبر.

يقتضي تعظيم الأثر الاقتصادي الكلي لهذا الزخم ثلاثة رهانات متلازمة. أولها رفع حصة التحويل الأولي لتعميق القيمة المضافة، وثانيها توسيع القاعدة الجغرافية للاستثمار، وثالثها متابعة نسبة تحويل النوايا إلى إنجازات. وبتحقق ذلك يتحول الاستثمار الفلاحي من محرك نمو صامد إلى ركيزة مستدامة للسيادة الغذائية وتوازن المبادلات الخارجية.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا