هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
تكشف النسخة الجديدة من “مؤشر التصنيع في إفريقيا 2025″، الصادر عن بنك التنمية الإفريقي بالتعاون مع مفوضية الاتحاد الإفريقي ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، عن خريطة صناعية قارية تتصدرها أربع اقتصادات تحافظ على تفوقها التاريخي رغم إعادة ترتيب الصدارة بينها، وتحتل تونس ضمنها موقعاً رابعاً يستحق قراءة متأنية تتجاوز الرقم المجرد إلى دلالاته البنيوية.
مؤشر مركّب يقيس عمق التحول الصناعي
يعتمد هذا المؤشر منهجية مركبة تجمع بين تسعة عشر متغيراً موزعة على ثلاثة أبعاد رئيسية، هي الأداء الصناعي الفعلي، والمحددات المباشرة المرتبطة بالبنية التحتية والتمويل والتعليم، والمحددات غير المباشرة المتصلة بمناخ الأعمال والاستقرار الأمني والمالي.
ويغطي المؤشر أربعة وخمسين اقتصاداً إفريقياً على امتداد الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2024، ما يمنحه قيمة تحليلية إضافية بوصفه أداة لرصد المسارات الطويلة لا اللقطات العابرة. وتقع تونس، وفق هذا التصنيف الزمني الممتد، ضمن الشريحة الخُمسية العليا بصفة متواصلة منذ سنة الأساس، وهو ما يضعها موضوعياً في مصاف الاقتصادات الصناعية الإفريقية الأكثر نضجاً، إلى جانب المغرب وجنوب إفريقيا ومصر.
قراءة في الأرقام: صدارة رباعية
يسجل التقرير حدثاً لافتاً يتمثل في تجاوز المغرب لجنوب إفريقيا لأول مرة منذ انطلاق المؤشر، ليتصدر الترتيب القاري بنتيجة بلغت 0.8415 نقطة في عام 2024، فيما تراجعت جنوب إفريقيا إلى المرتبة الثانية بـ0.8396 نقطة، مسجلةً بذلك استمرار تراجعها التنافسي التدريجي منذ الذروة التي بلغتها سنة 2010.
وتحل مصر ثالثةً بنتيجة 0.7827 نقطة، بينما تحتل تونس المرتبة الرابعة بـ0.7760 نقطة، لتشكل مع الثلاثي المتقدم عليها مجموعة صدارة متماسكة تحافظ على فارق واضح عن بقية الاقتصادات الإفريقية؛ إذ يفصلها عن موريشيوس، صاحبة المركز الخامس بـ0.6731 نقطة، أكثر من عشر نقاط مئوية كاملة. ويُبرز التقرير أن هذا الرباعي المتصدر ظل مستقراً نسبياً على مدى خمسة عشر عاماً، وهو ما يعكس رسوخ بنية صناعية تراكمية لا يسهل اختراقها في المدى القصير.
مسار تنافسي متأرجح
يُظهر تتبع المسار الزمني لتونس ضمن المؤشر تحولاً دقيقاً يستحق التوقف عنده؛ فقد احتفظت تونس بالمرتبة الثالثة قارياً بصفة متواصلة بين عامي 2010 و2019، قبل أن تتقدم عليها مصر لأول مرة في عام 2020 وتستقر في المركز الثالث منذ ذلك التاريخ.
غير أن التقرير يسجل بوضوح أن تونس تشهد منحى تصاعدياً متجدداً منذ عام 2022، حيث ارتفعت نتيجتها تدريجياً من 0.7623 نقطة إلى 0.7751 ثم 0.7760 نقطة في 2024، ما أدى إلى تقليص الفجوة الفاصلة بينها وبين مصر إلى أقل من سبع نقاط بالمائة فقط. ويكتسي هذا التقارب دلالة اقتصادية مهمة، إذ يوحي بأن التراجع الترتيبي الذي طرأ في 2020 لم يكن انحداراً هيكلياً بقدر ما كان محطة عابرة تزامنت مع الصدمة الوبائية العالمية، فيما تستعيد المنظومة الصناعية التونسية تدريجياً بعض زخمها التنافسي.
الأداء الصناعي الفعلي: موطن التفوق التونسي النسبي
يكتسب البعد الأول من المؤشر، المتعلق بالأداء الصناعي الفعلي والقيمة المضافة التصنيعية والقدرة التصديرية، أهمية خاصة كونه يقيس المخرجات الملموسة للمنظومة الإنتاجية لا مجرد بيئتها المؤسسية. وتتقدم تونس في هذا البعد تحديداً إلى المرتبة الثالثة قارياً بنتيجة 0.7304 نقطة، متجاوزةً بذلك مصر نفسها ضمن هذا المكون الجزئي، ومقتصرةً على أن يسبقها فقط المغرب وجنوب إفريقيا.
ويكشف هذا الترتيب الفرعي عن حقيقة اقتصادية جوهرية مفادها أن ضعف تونس النسبي في الترتيب العام لا يعود إلى هشاشة قدراتها الصناعية الفعلية، بل إلى عوامل أخرى تقع خارج دائرة الإنتاج المباشر. كما تحل تونس في المرتبة الرابعة ضمن بعد المحددات المباشرة، المرتبط بجودة البنية التحتية والتمويل المصرفي وتوفر رأس المال البشري، بنتيجة 0.8179 نقطة، محافظةً على موقعها ضمن الشريحة العليا رغم تسجيلها ذروة أعلى بلغت 0.8409 نقطة في عام 2013.
المحددات غير المباشرة
يتضح التحدي الأبرز الذي تواجهه تونس عند الانتقال إلى بعد المحددات غير المباشرة، الذي يقيس مناخ الأعمال والاستقرار الأمني وسيادة القانون ومستويات المديونية والتضخم. ويتراجع ترتيب تونس في هذا البعد بشكل لافت إلى ما يقارب المرتبة الثانية والعشرين قارياً، رغم تسجيلها نتيجة عددية مرتفعة نسبياً بلغت 0.8289 نقطة، وهو تناقض ظاهري يفسره التقرير بأن معظم الاقتصادات الإفريقية تحقق درجات مرتفعة في هذا البعد تحديداً، ما يجعل المنافسة فيه أشد ضراوة والهوامش الفاصلة بين المراتب أضيق بكثير مقارنة بالأبعاد الأخرى.
ويلفت التقرير في تحليله القاري الشامل إلى أن هذا البعد بالذات شهد تراجعاً بنسبة 4.96 بالمائة على مستوى القارة ككل بين عامي 2010 و2024، في إشارة واضحة إلى تدهور عام في ظروف الاستقرار الأمني والمالي والكلي عبر إفريقيا، وهو سياق إقليمي يضع الأداء التونسي في هذا المحور ضمن اتجاه أوسع يتجاوز الخصوصية الوطنية وحدها.
شمال إفريقيا: القاطرة الصناعية التي تنتمي إليها تونس
يُبرز التقرير أن منطقة شمال إفريقيا تتصدر جميع الأقاليم الإفريقية من حيث متوسط الأداء الصناعي الجهوي، إذ بلغ متوسطها 0.8809 نقطة في عام 2024، متقدمةً بفارق واسع على الجنوب الإفريقي والغرب الإفريقي وسائر الأقاليم.
وينتمي هذا الإقليم إلى مجموعة صغيرة من الدول الإفريقية التي تتجاوز نتائجها المتوسط القاري العام، البالغ 0.8035 نقطة في 2024، مقارنةً بستة وعشرين اقتصاداً فقط من أصل أربعة وخمسين يحققون هذا التجاوز.
ويعني هذا الانتماء الجغرافي والاقتصادي أن تونس تتحرك ضمن بيئة إقليمية مساعدة نسبياً، تستفيد من قربها الجغرافي من الأسواق الأوروبية ومن تراكم صناعي تاريخي مشترك مع جاريها المغرب ومصر، وهو ما يفسر جزئياً صمود موقعها ضمن الشريحة العليا رغم حدة المنافسة الداخلية داخل هذا النادي الإقليمي الضيق.
يخلص التقرير في قراءته الاستراتيجية الشاملة إلى أن التحدي الأكبر أمام القارة لم يعد يكمن في صياغة السياسات الصناعية بقدر ما بات يتمثل في التنفيذ الفعلي والموسّع لها، وهو استنتاج ينطبق بدقة على الحالة التونسية التي تملك، بحسب معطيات المؤشر، قاعدة أداء صناعي متينة نسبياً تحتاج بالأساس إلى دعم بيئتها المؤسسية والمالية غير المباشرة لتستعيد كامل زخمها التنافسي. وتشير المؤشرات الأخيرة إلى أن الاتجاه التصاعدي المسجل منذ 2022 يمنح تونس نافذة واقعية لتضييق الفجوة مع مصر مستقبلاً، شريطة مواصلة الإصلاحات المرتبطة بمناخ الاستثمار واستقرار المؤشرات الكلية، بما يحوّل موقعها الرابع الحالي من محطة دفاعية إلى منصة انطلاق نحو استعادة الصدارة التاريخية التي احتفظت بها لعقد كامل.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية