آخر الأخبار

تونس – المناخ يتسلل إلى معادلة الأسعار

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تكشف دراسة اقتصادية حديثة عن حقيقة لافتة : التضخم في تونس لا يتحدد فقط بالسياسة النقدية وحركة الأسواق، بل يرتبط أيضاً بارتفاع درجات الحرارة وتقلب التساقطات المطرية.

وتغطي الدراسة فترة طويلة تمتد من سنة 1990 إلى سنة 2023، معتمدة أدوات إحصائية دقيقة تُعرف بمنهجية “الإبطاءات الموزعة”، لرصد العلاقة بين الأسعار ومجموعة من العوامل النقدية والاقتصادية والمناخية. وتفتح هذه النتائج نقاشاً جديداً حول طبيعة التضخم في الاقتصادات النامية المعرضة لتقلبات المناخ، مثل تونس.

المناخ يفرض نفسه

اعتاد الاقتصاديون تفسير ارتفاع الأسعار بعوامل نقدية معروفة، مثل الزيادة في الكتلة النقدية وتقلبات سعر الصرف وتوجهات أسعار الفائدة. غير أن الدراسة تُظهر أن هذا التفسير التقليدي لم يعد كافياً وحده، إذ تلعب التقلبات المناخية دوراً متزايد الأهمية في رفع تكاليف الإنتاج وتعطيل سلاسل التوريد، خصوصاً في القطاع الفلاحي الذي يبقى شديد الحساسية لموجات الحر ونقص الأمطار أو فيضانها. وتوضح الدراسة أن هذه الصدمات المناخية تعمل أساساً كصدمات عرض، بمعنى أنها تُقلّص الإنتاج المتاح في السوق دون أن يتراجع الطلب بالقدر نفسه، فترتفع الأسعار كنتيجة طبيعية لهذا الخلل بين العرض والطلب.

هذا وتبيّن نتائج الدراسة أن الكتلة النقدية تؤثر سلباً على التضخم في المدى القصير، بما يعني أن ضبط السيولة يساعد فعلاً في كبح الأسعار، لكن هذا الأثر يتلاشى سريعاً ولا يدوم طويلاً. ويظهر سعر الصرف كعامل أكثر إلحاحاً وأكثر وضوحاً في تأثيره المباشر، إذ يؤدي كل تراجع في قيمة الدينار التونسي أمام الدولار الأمريكي إلى ارتفاع مباشر في الأسعار المحلية، فيما يُعرف اقتصادياً بظاهرة “التضخم المستورد”، نظراً لاعتماد تونس الكبير على المنتجات الأجنبية في تغطية حاجياتها الاستهلاكية والصناعية.

كما تشير إلى أن الاقتصاد التونسي يعود بسرعة كبيرة نحو التوازن كلما وقع اختلال في الأسعار، إذ يصحح السوق نحو تسعين بالمائة من أي انحراف خلال سنة واحدة فقط، وهو مؤشر إيجابي على مرونة الآليات الاقتصادية التونسية رغم الصعوبات الهيكلية القائمة.

الاحترار يترك بصمته على تكاليف الإنتاج

يشكّل إدماج العامل المناخي أهم ما يميز هذه الدراسة عن الأبحاث السابقة حول التضخم في تونس، إذ نادراً ما تُدرج الدراسات المحلية متغيرات الحرارة والتساقطات ضمن نماذجها التفسيرية. وتؤكد النتائج أن ارتفاع درجات الحرارة يترك أثراً سلبياً ثابتاً وطويل المدى على بنية الإنتاج، بمعنى أن الاحترار المناخي لا يسبب فقط اضطرابات موسمية عابرة، بل يعيد تشكيل تكاليف الإنتاج والاستهلاك بشكل دائم ومتراكم عبر السنوات.

وتترافق هذه الظاهرة مع تقلب حاد في التساقطات المطرية من سنة إلى أخرى، دون أن يظهر اتجاه واضح ومستقر لحركتها، وهو ما يزيد من صعوبة التخطيط الفلاحي ويضاعف من مخاطر ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية التي يستهلكها التونسيون يومياً. وتنسجم هذه النتائج مع ما توصلت إليه أبحاث دولية حديثة، أكدت أن التغير المناخي يخلق ضغوطاً تضخمية طويلة الأمد عبر تعدد صدمات العرض التي يتسبب فيها.

في ذات السياق، تكشف الدراسة أن معدل الفائدة على السوق النقدية، وهو الأداة الرئيسية التي يعتمدها البنك المركزي التونسي لضبط التضخم، لا يُظهر تأثيره الفعلي إلا على المدى الطويل. ويعني هذا أن قرارات البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة تحتاج وقتاً كافياً قبل أن تنعكس فعلياً على مستوى الأسعار في السوق، وهو ما يفسر جزئياً صعوبة السيطرة السريعة على موجات التضخم في تونس رغم تشديد السياسة النقدية في السنوات الأخيرة.

كما يظهر النمو الاقتصادي نفسه، ممثلاً في الناتج المحلي الخام، كعامل ضاغط على الأسعار في المدى الطويل، حين يتوسع الطلب على السلع والخدمات أسرع من قدرة جهاز الإنتاج الوطني على مجاراته، فتنشأ توترات تضخمية هيكلية ترتبط بطبيعة النمو نفسه وليس فقط بالسياسة النقدية.

الاعتماد على الواردات يغذي التضخم

تختبر الدراسة صحة نتائجها عبر إضافة عاملي الصادرات والواردات إلى التحليل، في خطوة منهجية تهدف إلى التأكد من متانة الاستنتاجات الأصلية. وتظهر نتائج هذا الاختبار الإضافي معطيات بالغة الأهمية بالنسبة لصانعي القرار الاقتصادي. فمن جهة، تساعد الصادرات في تخفيف الضغط التضخمي على المدى القصير، بفضل ما توفره من دخول للعملة الصعبة وتعزيز للعرض المحلي من السلع، غير أن هذا الأثر الإيجابي يبقى ظرفياً ولا يمتد إلى المدى الطويل. ومن جهة أخرى، تتحول الواردات إلى عامل تضخمي أساسي وثابت على المدى الطويل، خصوصاً في مجالي الطاقة والغذاء، وهو ما يعكس هشاشة الاقتصاد التونسي أمام الصدمات الخارجية وارتفاع أسعار المواد الأولية في الأسواق العالمية.

ويتم التأكيد على أن هذه التبعية للواردات تمثل نقطة ضعف بنيوية، إذ تجعل الأسعار المحلية رهينة بمعطيات خارجة تماماً عن سيطرة السياسة الاقتصادية الوطنية.

تخلص الدراسة إلى أن التعامل مع التضخم في تونس لا يمكن أن يقتصر على السياسة النقدية وحدها، بل يستوجب استراتيجية متكاملة تجمع بين إدارة حصيفة للسيولة، وتقليص الاعتماد على الواردات، ودعم القدرة التصديرية، وإدماج جدي لمخاطر المناخ ضمن التخطيط الاقتصادي الوطني.

كما تؤكد أن تجاهل البعد المناخي في صياغة السياسات الاقتصادية بات مكلفاً على المدى الطويل، خصوصاً في بلد يعتمد بشدة على الفلاحة ويقع ضمن المناطق الأكثر عرضة لتداعيات التغير المناخي في المنطقة المتوسطية. وتشدد الدراسة في خاتمتها على ضرورة التنسيق الوثيق بين السياسات النقدية والمالية والهيكلية، باعتبار أن استقرار الأسعار في تونس أصبح رهيناً بمعادلة أكثر تعقيداً مما كان سائداً في العقود الماضية، تجمع بين المال والمناخ والتجارة الخارجية في آن واحد.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: المناخ , تونس , معادلة الأسعار
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا