هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتنطلق دراسة حديثة صادرة عن المعهد العربي لرؤساء المؤسسات من فرضية تقلب زاوية النظر التقليدية لمسألة الرياضيات في تونس، إذ تتجاوز اعتبارها شأنًا تربويًا محضًا لتضعها في صلب السياسة الاقتصادية الوطنية.
وتؤكد الدراسة أن الكفاءات العلمية الأساسية تشكّل، في اقتصاد قائم على المعرفة، الشرط الذي يحدد قدرة أي بلد على تكوين الكفاءات ودعم الابتكار وتعزيز الإنتاجية والتنافسية. ويكتسي هذا الطرح أهمية خاصة في السياق التونسي الراهن، حيث تتقاطع تحديات التشغيل مع رهانات التحول الرقمي والصناعي.
تكشف قراءة المعطيات المعتمدة في هذه الدراسة عن تراجع تدريجي وممنهج لما تصفه بـ”رأس المال العلمي” التونسي، وهو تراجع لا يعكس أداءً مدرسيًا متعثرًا فحسب، بل يعبّر عن ضعف أعمق في قدرة المنظومة على إنتاج الكفاءات العلمية وتجديدها وتوظيفها لخدمة التحولات الاقتصادية المقبلة. ويستند هذا التحليل، بحسب المصدر، إلى دراسة أنجزها المعهد بعنوان “الرياضيات في صميم التنمية بتونس : تشخيص ورهانات واستراتيجية إصلاح”، وقد خلصت إلى أن غياب مؤشرات دورية وآليات متابعة ممنهجة يحدّ من قدرة صانعي القرار على استباق مواطن الهشاشة وتوجيه السياسات العمومية بالشكل الملائم.
مفارقة تونسية
يبرز التقرير مفارقة جوهرية تتمثل في أن الاستثمار الكبير الذي خصصته تونس على مدى عقود لمنظومتها التعليمية والجامعية لم يترجم إلى تحسّن مكافئ في الإدماج الاقتصادي للخريجين. ويقدّم التقرير مؤشرًا دالًا على هذا الاختلال، إذ ارتفعت نسبة بطالة خريجي التعليم العالي من 3.8 بالمئة سنة 1994 إلى 24.9 بالمئة خلال الثلاثي الثالث من سنة 2025، في حين تطورت البطالة الوطنية على مسار أقل تباينًا، متراوحة بين 14.1 و16.4 بالمئة.
ويستدل التقرير بمؤشر رأس المال البشري الصادر عن البنك الدولي، الذي يمنح تونس درجة 0.52، بما يعني أن الطفل المولود اليوم لن يبلغ، عند بلوغه سن الرشد، سوى نحو 52 بالمئة من طاقته الإنتاجية المحتملة في بيئة تعليمية مثالية. ويوضح التقرير أن هذه النتيجة لا تعود بالأساس إلى مدة التمدرس التي تبقى مرتفعة نسبيًا، بل تعكس بالأساس جودة التعلّمات الفعلية المكتسبة.
كلفة اقتصادية مقدّرة بمليارات الدنانير
يقدّر التقرير حجم هذا الاختلال بلغة الأرقام، إذ تصل الفجوة بين الكفاءات المتوفرة والحاجيات الاقتصادية إلى نحو 9.7 مليارات دينار سنويًا من القيمة المضافة غير المنتَجة، أي ما يقارب 6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي. ويشدد التقرير على ضرورة التعامل مع هذا الرقم بحذر منهجي، موضحًا أنه لا يمثل خسارة محاسبية مباشرة بقدر ما يعكس طاقة اقتصادية كامنة غير مستغَلة بالكامل.
ويلفت التقرير إلى أن هذا التقدير يبقى متحفظًا، إذ لا يأخذ بعين الاعتبار عوامل إضافية من قبيل الخسائر الجبائية المرتبطة بضعف الإدماج المهني، وهجرة الكفاءات المكوَّنة وطنيًا، وضعف المردودية الكاملة للاستثمارات المرصودة أصلًا في التعليم العالي. ويقارن التقرير هذا الرقم بحجم الإنفاق العمومي المخصص للقطاع، إذ تبلغ ميزانية التعليم والتعليم العالي لسنة 2026 نحو 11 مليار دينار، أي ضعف ميزانية الاستثمار العمومي للدولة تقريبًا، بنسق نمو سنوي يقارب 5 بالمئة.
حين تتحمل الأسر عبء اختلالات المنظومة
يتوسع التحليل ليشمل الكلفة المباشرة المتحملة من قبل العائلات التونسية، إذ يشير التقرير إلى أن تنامي ظاهرة الدروس الخصوصية يمثل أحد أبرز مؤشرات هذا الاختلال. وتكشف المعطيات الواردة في الدراسة أن الأسر التونسية أنفقت سنة 2021 ما معدله 33.2 دينارًا للفرد على الدروس الخصوصية في الرياضيات وحدها، بكلفة وطنية إجمالية تُقدَّر بنحو 500 مليون دينار سنة 2025.
ويحذر التقرير من أن هذا التحول ينقل تدريجيًا عبء تصحيح اختلالات المنظومة العمومية إلى كاهل العائلات، بما يرسّخ الفوارق بين التلاميذ تبعًا لمحيطهم الاجتماعي، ويجعل من مسألة الرياضيات قضية إنصاف اقتصادي بقدر ما هي قضية تربوية.
صعوبة تطوير رأس المال العلمي
يعالج التقرير بعدًا حوكميًا دقيقًا يتمثل في التفاوت بين الزمن المؤسساتي والزمن الاقتصادي لهذا النوع من الاستثمار، إذ تظهر كلفة الإصلاح بشكل فوري بينما تتأخر عوائده لسنوات عديدة. ويوضح التقرير أن هذه الميزة تفسر إلى حد بعيد استمرار تهميش الاستثمار في رأس المال البشري ضمن الأولويات العمومية، ذلك أن نتائج سياسة تربوية تُتخذ اليوم لا تظهر كاملة إلا بعد عقد من الزمن على الأقل. ويضيف التقرير عاملًا آخر يتمثل في تشتت المسؤولية المؤسساتية بين وزارات التربية والتعليم العالي والجامعات وهياكل التقييم، وهو ما يحدّ من وجود رؤية شاملة لمسار وطني موحد.
نحو حوكمة استراتيجية لرأس المال العلمي
يقترح التقرير ثلاثة توجهات استراتيجية لمعالجة هذا الاختلال، تتمثل في إرساء منظومة وطنية لقياس الكفاءات العلمية بشكل دوري، وتحديد مسار وطني واضح لتطوير رأس المال العلمي على المدى الطويل، وتعزيز الحوكمة المشتركة بين الوزارات المعنية.
ويقترح التقرير في هذا الإطار إحداث آلية متابعة مستقلة، على غرار مرصد وطني للكفاءات العلمية، يتولى إنتاج معطيات منتظمة ورصد الفوارق الجهوية وتوثيق التطورات لإنارة القرار العمومي. ويخلص التقرير إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الموارد المخصصة للتعليم، بل في القدرة على تحويل هذا الاستثمار إلى كفاءات منتجة قادرة على دعم الابتكار والتنافسية وخلق القيمة المضافة، بما يجعل من رأس المال العلمي بنية تحتية غير مادية لا تقل أهمية عن البنى التحتية التقليدية في رسم مستقبل الاقتصاد التونسي.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية