هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجلتسجّل تونس عودة قوية لمداخيلها السياحية، حيث قدّرت العائدات السياحية بـ 8096.9 مليون دينار لكامل سنة 2025، مقابل 7599.7 مليون دينار خلال سنة 2024، أيّ بزيادة بنسبة 6.5% بالانزلاق السنوي، حسب مؤشّرات البنك المركزي التونسي. وتؤكد هذه الأرقام قدرة القطاع على الصمود بعد عقد كامل من الأزمات المتتالية، غير أنها تخفي في الوقت ذاته هشاشة بنيوية تتمثل في استمرار الاعتماد المفرط على النموذج الشاطئي التقليدي والأسواق الأوروبية المحدودة.
وتظهر بيانات القطاع ازديادا مطردا لعدد الوافدين، وتطورا مهما لليالي الفندقية، ولمعدل الإشغال المتوسط. وتشير هذه المؤشرات إلى تعافٍ واضح، لكنها تطرح في المقابل سؤال الاستدامة في ظل منافسة متصاعدة من إسبانيا وتركيا والمغرب، وهي وجهات راهنت مبكرًا على التنويع والتموقع النوعي.
وتأتي هذه المعطيات في صلب دراسة أصدرها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات، وهي الأولى من نوعها في تونس التي تُقدّر بالأرقام إمكانات خمسة قطاعات سياحية لا تزال دون الاستغلال الأمثل، وهي سياحة كبار السن، والسياحة الصحية والعلاجية، وبيوت الضيافة والسياحة الريفية، والسياحة الراقية، والسياحة الإيجارية عبر المنصات الرقمية. وتعتمد الدراسة على بيانات البنك المركزي التونسي والديوان الوطني للسياحة والمعهد الوطني للإحصاء، إلى جانب مقارنات دولية مع تجارب المجر والبرتغال وتركيا.
خمسة قطاعات واعدة تنتظر الإقلاع
تحمل سياحة كبار السن، التي تُقدَّر قيمتها الحالية بين 270 و670 مليون دينار، إمكانات كبيرة لكسر حدة الموسمية بفضل استقطاب متقاعدين أوروبيين لإقامات طويلة تمتد من ثلاثة إلى ستة أسابيع. وتتطلب هذه الشريحة، بحسب الدراسة، إحداث تأشيرة إقامة طويلة الأمد وتحسين النفاذ للأشخاص ذوي الإعاقة الحركية.
وتستفيد السياحة الصحية من سمعة راسخة في التجميل وعلاج الأسنان والاستشفاء بمياه البحر، ويمكن أن تتجاوز مداخيلها 1.3 مليار دينار بحلول 2030 في السيناريو الطموح، شريطة اعتماد شهادات جودة دولية وإبرام شراكات مع شركات التأمين الأجنبية. أما بيوت الضيافة والسياحة الريفية فتوفّر، إلى جانب العرض التنافسي، إعادة توازن جهوي عبر إدماج المناطق الداخلية في الدينامية السياحية.
وتحافظ السياحة الراقية على طابعها الوليد رغم القيمة المضافة العالية للنزل الخماسية والتسوق، فيما تتوسع السياحة الإيجارية عبر منصات مثل Airbnb بوتيرة سريعة دون إطار جبائي أو تنظيمي واضح حتى الآن، ما يفرّط في موارد جبائية معتبرة.
ثلاثة سيناريوهات ترسم ملامح 2030
تضع الدراسة ثلاثة سيناريوهات لآفاق القطاع بين 2025 و2030. ويحافظ السيناريو المتحفظ على المسار الحالي، إذ ترتفع المداخيل الإجمالية من 7.8 إلى 9.95 مليار دينار بمعدل نمو سنوي يقارب 5%، مع مكاسب محدودة للقطاعات الناشئة تبقى فيها سياحة كبار السن عند 310 ملايين دينار فقط بحلول 2030.
ويفترض السيناريو الأوسط تنفيذًا جزئيًا للإصلاحات وتنسيقًا مؤسساتيًا أقوى، فترتفع مداخيل السياحة الصحية إلى 1.1 مليار دينار، وتصل مداخيل القطاعات غير التقليدية مجتمعة إلى 2.72 مليار دينار، أي ما يعادل قرابة 30% من إجمالي القطاع، بزيادة قدرها 1.17 مليار دينار عن مستوى 2025.
ويذهب السيناريو الطموح أبعد من ذلك، متوقعًا تحولًا هيكليًا حقيقيًا في مصادر الدخل السياحي، إذ تقفز مداخيل سياحة كبار السن إلى 450 مليون دينار، وتبلغ مداخيل السياحة الصحية 1.31 مليار دينار، وترتفع مداخيل السياحة الإيجارية إلى 630 مليون دينار، لتصبح تونس، حسب الدراسة، “مركزًا متوسطيًا للسياحة المتنوعة” بدل الاقتصار على النموذج الشاطئي الصيفي.
آفاق التشغيل والمالية العمومية
تكشف الدراسة أن كل مليون دينار إضافي من المداخيل في القطاعات كثيفة الخدمات، كسياحة كبار السن والصحة وبيوت الضيافة، يولّد ما بين 20 و25 موطن شغل مباشر وغير مباشر، بينما يتراوح هذا الأثر بين 12 و15 موطن شغل في قطاعي السياحة الراقية والإيجارية. وتترجم هذه المعادلة، وفق السيناريو الأوسط، إلى خلق نحو 21 ألفًا و527 موطن شغل صافٍ بحلول 2030.
وتمتد الانعكاسات الجبائية لتشمل الأداء على القيمة المضافة والضرائب المحلية عبر قطاعي الفندقة والمطاعم، فضلًا عن الضريبة على الدخل بفعل الوظائف المستحدثة، والضريبة على الشركات مع التسوية التدريجية لفاعلي السياحة الإيجارية. كما يسهم تطوير بيوت الضيافة وسياحة كبار السن في تحقيق توازن جهوي وتخفيف حدة الموسمية في المناطق الساحلية.
تقترح الدراسة خارطة طريق تدريجية تمتد على ثلاث سنوات. وتشمل محطة 2026 إرساء الأطر التنظيمية الأساسية، من تأشيرة إقامة طويلة لكبار السن إلى سجل وترخيص إجباري للسياحة الإيجارية واعتماد إلزامي للمؤسسات الصحية. وتتجه محطة 2027 نحو إطلاق العلامات الوطنية إلى جانب صندوق لتمويل ترميم بيوت الضيافة. وتتوّج محطة 2028 هذا المسار بإبرام شراكات مع شركات التأمين الدولية وتفعيل منصات حجز وطنية وتبسيط الإطار الجبائي.
مخاطر تستوجب يقظة مستمرة
تحذّر الدراسة من مخاطر عدة تهدد مسار التنويع، أبرزها الصدمات الخارجية المرتبطة بالأمن والمناخ والنقل الجوي، وتوصي بمواجهتها عبر تنويع الأسواق المصدّرة للسياح وإبرام تأمينات ضد الكوارث الطبيعية. وتستدعي أيضًا مخاطر الثقل التنظيمي إحداث نافذة وحيدة للمستثمرين وتبسيط الإجراءات الإدارية، فيما يفرض التوسع السريع للسياحة الإيجارية ضبط حصص جهوية لتفادي التشبع العمراني والاجتماعي في المناطق الحساسة.
توصي الدراسة، في خلاصتها، بالتركيز على ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في تكريس حوكمة وتنظيم واضحين يعزّزان مصداقية تونس الدولية، وتوجيه استثمارات مستهدفة نحو الارتقاء بالبنية التحتية السياحية، وترسيخ البعد الجهوي والاستدامة عبر تثمين المناطق الداخلية والتراث المحلي. وتخلص الدراسة إلى أن التنويع السياحي لم يعد خيارًا تنافسيًا فحسب، بل رافعة تنموية اجتماعية واقتصادية شاملة، قادرة على إعادة رسم موقع تونس على الخارطة السياحية المتوسطية بحلول 2030 وما بعدها.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية