آخر الأخبار

المؤسسة التونسية بين الهشاشة والمرونة: تحديات وآفاق استراتيجية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يُجمع الاقتصاديون على أن المؤسسة تمثل المحرك الأساسي للاستقرار والنمو، من خلال ما تولّده من ثروة وفرص عمل تنعكس رفاهاً اقتصادياً واجتماعياً عاماً، لكن هذا الدور الحيوي يظل رهيناً بمناخ تنظيمي واقتصادي يأخذ بعين الاعتبار انشغالات رواد الأعمال، ووعياً جماعياً يقدّر مكانة المؤسسة ويصون استمراريتها.

وفي هذا السياق، تشير ورقة تحليلية نشرها المعهد العربي لرؤساء المؤسسات إلى أن انشغالات قادة المؤسسات تتغيّر تبعاً للظرفية الاقتصادية والمؤسسية، الوطنية والدولية، وتمتد من الربحية والمرونة والاستدامة إلى المخاطر الصحية والسيبرانية والجيوسياسية، مروراً بمستوى الثقة وأمن الموارد المالية والبشرية والتشغيلية.

المخاطر العالمية وترتيب الأولويات

تؤكد أحدث بيانات المنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2026 هذا التحوّل بوضوح، إذ برزت المواجهة الجيواقتصادية للمرة الأولى في صدارة المخاطر العالمية، بعدما اختارها نحو 18 بالمائة من أكثر من 1300 قائد وخبير شاركوا في الاستطلاع باعتبارها المخاطرة الأكثر ترجيحاً لإحداث أزمة عالمية خلال سنة 2026، تلتها النزاعات المسلحة بين الدول بنسبة 14 بالمائة، ثم الظواهر المناخية المتطرفة والاستقطاب المجتمعي والمعلومات المضللة. ويصف التقرير المرحلة الراهنة بأنها دخول العالم فيما يسمى “عصر التنافس”، حيث يتوقع أكثر من نصف الخبراء أن تكون الآفاق العالمية مضطربة أو عاصفة خلال العامين المقبلين.

هذا التصاعد في المخاطر الاقتصادية لا ينفصل عن مسار النمو العالمي نفسه، فحسب آخر تحديث لصندوق النقد الدولي الصادر في جويلية 2026، من المتوقع أن يتراجع النمو العالمي إلى 3 بالمائة خلال هذه السنة، مقارنة بمعدل بلغ 3.5 بالمائة في سنتي 2024 و2025، قبل أن يستعيد بعض زخمه ليبلغ 3.4 بالمائة سنة 2027. ويعزو الصندوق هذا التباطؤ إلى استمرار حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات التجارية والتوترات الجيوسياسية، رغم أن الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي قد تسهم في تعويض جزء من هذا التراجع.

الهشاشة الاقتصادية: مفهوم متعدد الأبعاد

يستمد مفهوم الهشاشة أصوله من حقول معرفية متعددة، إذ كان محوراً مركزياً في الطب والعلوم الاجتماعية قبل أن يمتد إلى التحليل الاقتصادي، حيث يشير إلى حالة تبعية وإقصاء واختلال في الروابط الاجتماعية. وفي حقل الاقتصاد، يحيل المفهوم إلى تباطؤ أو تعثر في مسار النمو، ناجم عن صدمات خارجية تكون البلدان محدودة الدخل أكثر عرضة لتداعياتها.

وتحدد الأدبيات الاقتصادية مصدرين رئيسيين لهذه الصدمات حيث يتعلق الأول بالصدمات الطبيعية الناجمة عن أوضاع مناخية أو صحية قصوى، بينما يرتبط الثاني بالصدمات الخارجية المتأتية من اضطراب التجارة الدولية، سواء عبر تقلب أسعار التوريد في الأسواق العالمية، أو قرارات تخفيض قيمة العملة، أو النزاعات الجيوسياسية في بلدان أخرى. وتضاف إلى هذين المصدرين عوامل داخلية، أبرزها حالات عدم الاستقرار السياسي أو الاجتماعي التي قد تولّد بدورها هشاشة اقتصادية قائمة الذات.

من التهديد إلى الفرصة: مفارقة سنغافورة

تشكل حالة عدم القابلية للتنبؤ تهديداً جدياً لعمل المؤسسة، التي تحتاج في تخطيطها الاستثماري إلى حد أدنى من الاستقرار يتيح توقّع العرض والطلب والتكاليف والتمويل غير أن التحليل على المستوى الكلي يكشف واقعاً مغايراً، إذ يمكن لوضعية الهشاشة أن تقترن بنمو اقتصادي قوي عبر آليات المرونة التي تولّدها.

يبقى المثال الأبرز على هذه المفارقة، التي يُطلق عليها الباحثون تسمية “مفارقة سنغافورة”، هو أداء هذه الدولة الجزيرة التي تفتقر إلى الموارد الطبيعية وتعيش في محيط جيوسياسي شديد التعقيد. وحسب أحدث البيانات المتاحة لسنة 2026، يتجاوز نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في سنغافورة 97000 دولار أمريكي بالقيمة الاسمية، لتحتل بذلك المرتبة الرابعة عالمياً، بينما يتخطى هذا المؤشر 161000 دولار عند احتسابه بتعادل القوة الشرائية، وهو ما يضعها في صدارة الترتيب العالمي على هذا الأساس.

هذا الأداء الاستثنائي، الذي تحقق رغم محدودية المساحة والموارد وقرب المدينة الدولة من بؤر توتر إقليمية متكررة، يمثل شاهداً حياً على أن الهشاشة البنيوية يمكن أن تتحول، حين تُدار بحوكمة صارمة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، إلى رافعة تنافسية.

قنوات ثلاث لتحويل الهشاشة إلى مرونة

على المستوى الجزئي، تُظهر دراسات علمية متعددة أثراً إيجابياً لعدم اليقين الاقتصادي على حوكمة المؤسسات، عبر ثلاث قنوات رئيسية اذ تتمثل القناة الأولى في تغيّر سلوك المسيّرين خلال فترات المخاطر المرتفعة، إذ يصبحون أكثر يقظة ودقة في وضع التوقعات وإعداد القوائم المالية، بما يعزز جودة القرار الاستثماري.

أما القناة الثانية فتتعلق بما يُعرف برأس المال الاجتماعي، حيث تظهر خلال فترات الهشاشة أشكال من التضامن وتبادل الخبرات بين الفاعلين الاقتصاديين، لتصبح الشبكات المهنية آلية فعلية لبناء المناعة المؤسسية. وتتصل القناة الثالثة بالابتكار، إذ تدفع ظروف عدم اليقين المؤسسات نحو تطوير منتجات وخدمات جديدة تضمن لها عتبة معينة من الأمان والاستدامة، فتتحول الهشاشة بذلك إلى مصدر فعلي للميزة التنافسية.

في ظل مشهد عالمي تتصدر فيه المواجهة الجيواقتصادية سلم المخاطر، ويتباطأ فيه النمو العالمي مقارنة بالسنوات السابقة، لم تعد قراءة الهشاشة الاقتصادية كتهديد صرف كافية لفهم ديناميكيات الاقتصاد المعاصر فبقدر ما تفرض حالة عدم اليقين تحديات جسيمة على استقرار المؤسسات وقدرتها التخطيطية، فإنها تحمل في طياتها فرصاً لإعادة تشكيل الحوكمة وتعميق الابتكار وبناء شبكات تضامن اقتصادي أكثر صلابة. والمؤسسات القادرة على استيعاب هذه الازدواجية، بين الفرضية الخطر والفرصية الكامنة، هي التي ستحدد ملامح المشهد الاقتصادي في السنوات المقبلة.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا