هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجليدخل «غوغل» مرحلة جديدة من المعركة العالمية في مجال الذكاء الاصطناعي. فمع احتدام المنافسة مع «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» وغيرهما من كبار الفاعلين في القطاع، تعيد المجموعة الأميركية تنظيم قيادتها في مجال الذكاء الاصطناعي، في وقت يغادر فيه بعض الباحثين والمهندسين الذين ساهموا في وضع الأسس العلمية للتقنيات الحالية.
وخلف هذه المغادرات، لا تفسّر المسألة المالية كل شيء. فالحرية في البحث، وسرعة اتخاذ القرارات، وإمكانية امتلاك حصة مهمة في رأس مال الشركات الناشئة، أصبحت أيضاً عوامل حاسمة لاستقطاب أبرز المتخصصين في القطاع.
وبالنسبة إلى «غوغل»، أصبح التحدي مزدوجاً: مواصلة تسريع التطوير التجاري لنموذج «جيميني»، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلماء القادرين على إعداد الجيل المقبل من التقنيات.
يمر هذا التحول أولاً عبر إعادة توزيع المسؤوليات داخل «غوغل ديب مايند»، مختبر الذكاء الاصطناعي الرئيسي التابع للمجموعة.
وينتقل ديميس هاسابيس، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي السابق لـ«ديب مايند»، إلى دور يركز بدرجة أكبر على البحث الاستراتيجي. ووفقاً للمعلومات المتاحة، يصبح كبير العلماء في «ألفابت» ورئيس مجلس إدارة «ديب مايند».
ومن شأن هذا التغيير أن يتيح له تخصيص مزيد من الوقت للمشاريع العلمية طويلة الأمد، ولا سيما الذكاء الاصطناعي العام، أو AGI، الذي لا يزال أحد أبرز الأهداف التي تسعى إلى تحقيقها مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى في العالم.
أما الإدارة التشغيلية اليومية وتطوير نماذج «جيميني»، فقد أُسندا إلى كوري كافوكجوغلو، وهو باحث مخضرم في «ديب مايند» عمل خصوصاً في مجالي التعلم المعزز ومعالجة الكلام.
وبذلك، يسعى «غوغل» إلى الفصل بدرجة أكبر بين القيادة العلمية والإدارة التشغيلية، بهدف تسريع انتقال الإنجازات المختبرية إلى منتجات يمكن استخدامها على نطاق واسع.
تأتي عملية إعادة التنظيم هذه في بيئة أصبحت فيها السرعة عاملاً رئيسياً من عوامل التنافسية.
تمتلك شركات التكنولوجيا الكبرى ميزانيات ضخمة، ومراكز بيانات متطورة، وآلاف المهندسين. غير أن حجمها الكبير قد يؤدي أيضاً إلى إبطاء بعض القرارات.
ففي مؤسسة بحجم «غوغل»، يتعين على الابتكار العلمي غالباً المرور بعدة مراحل قبل أن يتحول إلى منتج: التحقق التقني، والسلامة، والامتثال، والاندماج في المنظومة القائمة، فضلاً عن القرارات التجارية.
أما الشركة الناشئة المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، فقد تعمل بطريقة مختلفة. إذ تستطيع فرق صغيرة اتخاذ قرارات سريعة لتطوير فكرة جديدة، وإطلاق نموذج أولي، ثم تحسينه استناداً إلى ملاحظات المستخدمين.
وقد أصبح هذا الاختلاف في وتيرة العمل واضحاً بشكل خاص منذ ظهور «تشات جي بي تي». فقد أظهرت «أوبن إيه آي» أن نموذجاً نابعاً من البحث العلمي يمكن تحويله بسرعة كبيرة إلى منتج يستخدمه مئات الملايين من الأشخاص.
وبالنسبة إلى الباحثين، قد تكون القدرة على التجريب ثم إطلاق أعمالهم بسرعة جذابة بقدر جاذبية الراتب المرتفع.
ومن بين المغادرين الذين جرى الحديث عنهم جيف دين، أحد أكثر المهندسين تأثيراً في تاريخ «غوغل».
ويُعد من أبرز الشخصيات في «غوغل برين»، الفريق الذي أدى دوراً محورياً في تطوير تقنيات التعلم العميق التي أصبحت أساسية في العديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة.
كما ساهم جيف دين في بناء البنى التحتية الحاسوبية التي مكّنت «غوغل» من تدريب نماذج ضخمة جداً، إضافة إلى تطوير تقنيات مرتبطة بالمعالجات المتخصصة في الذكاء الاصطناعي.
ووفقاً للمعلومات المتاحة، يغادر دين «غوغل» لإنشاء شركة جديدة تحمل اسم «ديسكفري لوب»، سيكون هدفها استخدام الذكاء الاصطناعي لتسريع الاكتشافات العلمية والأعمال الهندسية.
ويأتي هذا الرحيل في إطار حركة أوسع نطاقاً، إذ غادر عدد من الباحثين المتخصصين في الذكاء الاصطناعي «غوغل» خلال السنوات الأخيرة للانضمام إلى منافسين، ولا سيما «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك»، أو لتأسيس شركاتهم الخاصة.
في المنافسة الحالية على استقطاب المواهب، يمكن أن تصل الرواتب إلى مستويات مرتفعة للغاية. لكن المتخصصين في القطاع يؤكدون أن المال لم يعد المعيار الوحيد.
ويمكن للشركات الناشئة أن تقدم للباحثين ثلاثة مزايا جذابة بشكل خاص: مزيداً من الاستقلالية العلمية، ومسارات أقصر لاتخاذ القرار، وحصصاً مهمة في رأس المال.
ويمكن لهذا العامل الأخير أن يغيّر المعادلة بشكل عميق.
فالباحث الذي يعمل لدى شركة كبرى يحصل عادة على راتب مرتفع وموارد ضخمة. أما في شركة ناشئة سريعة النمو، فقد يصبح أيضاً مساهماً في شركة يمكن أن ترتفع قيمتها بشكل كبير جداً.
وبالنسبة إلى أصحاب الكفاءات الأكثر طلباً، لم يعد الخيار يقتصر على مقارنة راتبين. بل يتعلق أيضاً بالاختيار بين العمل داخل مؤسسة عملاقة أو المشاركة بصورة مباشرة في بناء شركة جديدة.
بالنسبة إلى «غوغل»، تأتي معركة المواهب هذه في وقت يحتل فيه «جيميني» مكانة متزايدة الأهمية في استراتيجية المجموعة.
وتسعى الشركة إلى دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي الخاصة بها في جميع مكونات منظومتها تقريباً: محرك البحث، و«أندرويد»، و«غوغل وورك سبيس»، و«غوغل كلاود»، والعديد من الخدمات الأخرى.
ويمتلك «غوغل» هنا ميزة كبيرة. فقليل من الشركات قادر على نشر تقنية جديدة على نطاق يشمل هذا العدد الهائل من المستخدمين والمؤسسات.
كما تستفيد المجموعة من بنية تحتية حاسوبية ضخمة، ومعالجات متخصصة، وقدرات بحثية هائلة، وخبرة طويلة في تطوير الخوارزميات.
لكن هذه الموارد المادية لم تعد كافية.
فأداء النماذج المستقبلية يعتمد أيضاً على القدرة على استقطاب العلماء الذين يبتكرون معماريات جديدة وطرقاً جديدة للتدريب وتطبيقات مبتكرة، والأهم من ذلك، الاحتفاظ بهم.
لا تعني مغادرة باحثين بارزين أن «غوغل» يفقد قدرته على منافسة خصومه.
فالشركة لا تزال تمتلك واحداً من أكبر تجمعات الكفاءات في مجال الذكاء الاصطناعي على مستوى العالم، إلى جانب بنى تحتية وموارد مالية لا يستطيع سوى عدد قليل من الفاعلين مجاراتها.
غير أن هذه التحركات تكشف عن تحول عميق في الصناعة.
فلسنوات عدة، قيس التنافس في مجال الذكاء الاصطناعي أساساً بقدرة الحوسبة، وحجم البيانات المتاحة، ومليارات الدولارات المستثمرة. ولا تزال هذه العوامل أساسية، لكن مورداً آخر أصبح أكثر ندرة بصورة متزايدة: الباحثون القادرون على إحداث الاختراقات التكنولوجية المقبلة.
لذلك، يحاول «غوغل» حل معادلة معقدة. فعلى الشركة أن تعمل بسرعة كافية لمنافسة الشركات الناشئة المتخصصة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على مزايا مجموعة عالمية متكاملة.
وتجسد إعادة تنظيم «ديب مايند» والمكانة التي بات يحتلها «جيميني» هذا البحث عن التوازن.
ففي المعركة الجديدة حول الذكاء الاصطناعي، قد لا يكون الفائز بالضرورة هو من يمتلك النموذج الأقوى أو العدد الأكبر من مراكز البيانات. بل قد يكون أيضاً من ينجح في خلق البيئة التي يرغب فيها أفضل العلماء في البقاء، والتجريب، وبناء الجيل المقبل من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية