آخر الأخبار

ميزانية 2027 : معادلة بين صلابة المالية العمومية ومحركات النمو

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تدخل تونس مرحلة إعداد مشروع قانون المالية لسنة 2027 برهان يتجاوز مجرد ضبط موارد الدولة ونفقاتها، ليتمثل في إعادة ترتيب العلاقة بين الاستدامة المالية ومتطلبات النمو والعدالة الاجتماعية فقد أكدت رئيسة الحكومة سارة الزعفراني الزنزري، خلال إشرافها الثلاثاء بقصر الحكومة بالقصبة على مجلس وزاري مضيق خُصّص للنظر في التوجهات الكبرى للمشروع، أن ميزانية 2027 تستهدف المحافظة على التوازنات المالية الكبرى، مع توفير الموارد الضرورية لدعم الأولويات الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز الدور الاجتماعي للدولة، بالتوازي مع تحفيز الاستثمار العمومي والخاص وخلق مواطن الشغل.

وتضع هذه المقاربة ميزانية 2027 في قلب مرحلة تنفيذية مهمة من مخطط التنمية 2026 ـ 2030، بما يجعل السياسة المالية أداة لتنفيذ اختيارات اقتصادية تمتد على عدة سنوات، وليس إطارا سنويا لتوزيع الموارد فحسب. ويستند المخطط، وفق التوجهات التي عرضتها رئاسة الحكومة، إلى البناء القاعدي والمنهج التصاعدي والتشاركي في صياغة الخيارات التنموية، مع توسيع مشاركة مختلف الفاعلين وتعزيز مساهمة الدولة والمواطن في تحديد أولويات التنمية.

تحفيز محركات خلق الثروة

ترتكز التوجهات المعلنة لمشروع قانون المالية على تحفيز محركات خلق الثروة من خلال تثمين الموارد الوطنية وتطوير القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة. وتستهدف هذه المقاربة، في جوهرها، الانتقال تدريجيا من إدارة ندرة الموارد إلى تحسين قدرتها على إنتاج القيمة، بما يسمح بتوسيع القاعدة الاقتصادية والحد من هشاشة المالية العمومية أمام المتغيرات الخارجية.

وتربط الحكومة هذا التوجه بخيار التعويل على الذات واستكمال تنفيذ مخطط التنمية، باعتبار أن سنة 2027 تمثل إحدى محطاته التنفيذية الأساسية. ويعني ذلك عمليا منح الأولوية لتعبئة الموارد المحلية، وتحسين كفاءة الإنفاق العمومي، وتعزيز الإنتاج الوطني، ورفع مساهمة القطاعات القادرة على توليد القيمة المضافة والتشغيل.

وتكتسب هذه الأولوية أهمية خاصة في اقتصاد ما تزال فيه المالية العمومية شديدة الحساسية لتطورات أسعار الطاقة والمواد الأولية وأسعار الفائدة والتمويل الخارجي حيث بلغ الدين العمومي التونسي نحو 82% من الناتج المحلي الاجمالي سنة 2025. ويجعل هذا المسار المحافظة على استدامة الدين وتحسين قدرة الدولة على تمويل الاقتصاد من أبرز محددات السياسة المالية المقبلة.

الأمن الاقتصادي يدخل صلب السياسة المالية

تتجه ميزانية 2027، وفق التصور الحكومي، إلى تعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية عبر تنويع النسيج الاقتصادي وتحديثه ودعم منظومات الإنتاج. وتبرز في هذا السياق أربعة محاور مترابطة تتمثل في الأمن الغذائي والمائي والطاقي والدوائي.

وتستهدف السياسة الفلاحية مواصلة دعم الإنتاج الفلاحي وتطوير منظومات الخزن والتزويد، بينما تركز السياسة المائية على تحسين إدارة الموارد وترشيد استخدامها. وفي المجال الطاقي، تتجه الدولة إلى تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتحسين النجاعة الطاقية، في ظل تراجع الاستقلالية الطاقية لتونس من أكثر من 80% في أواخر العقد الأول من الألفية إلى نحو 35% في أكتوبر 2025.

وتكتسب هذه الخيارات بعدا ماليا أيضا، إذ إن تقليص الاعتماد على الواردات الطاقية والغذائية لا يرتبط فقط بالسيادة الاقتصادية، وإنما يساهم في الحد من الضغط على الميزان التجاري والحساب الجاري واحتياجات التمويل بالعملة الأجنبية.

الجغرافيا السياسية والمناخ يعيدان تعريف المخاطر المالية

تأخذ الحكومة في إعداد ميزانية 2027 في الاعتبار استمرار تداعيات الاضطرابات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، وخاصة النزاع في الشرق الأوسط، وما يمكن أن يترتب عنه من تقلبات في أسواق الطاقة والمواد الأولية والتجارة الدولية وسلاسل الإمداد.

وتأتي هذه المخاطر في وقت تظل فيه البيئة الاقتصادية العالمية شديدة التقلب. وقد أظهرت تطورات سنة 2026 أن ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب طرق التجارة يمكن أن ينتقل بسرعة إلى التضخم وكلفة الواردات واحتياجات الدعم والتمويل العمومي. كما تضيف التغيرات المناخية طبقة أخرى من المخاطر، خصوصا بالنسبة إلى الزراعة والمياه والطاقة.

وتدفع هذه البيئة نحو تبني سياسة مالية أكثر استباقية ومرونة، قادرة على امتصاص الصدمات بدلا من الاقتصار على التعامل معها بعد وقوعها. ومن هذا المنظور، يصبح الاستثمار في الأمن الاقتصادي جزءا من إدارة المخاطر المالية طويلة الأجل.

النمو والاستدامة المالية: معادلة ميزانية 2027

تضع الحكومة تحقيق التوازن بين الاستدامة المالية ودعم النمو الاقتصادي والاجتماعي في صدارة أولويات المشروع. وتندرج ضمن ذلك إصلاح المنظومة الصحية ومنظومة الضمان الاجتماعي وتوسيع التغطية الصحية، إلى جانب إصلاح وإعادة هيكلة المنشآت والمؤسسات العمومية وتعزيز التحول الرقمي.

وتحمل إعادة هيكلة المؤسسات العمومية أهمية خاصة بالنسبة إلى المالية العمومية، باعتبار أن تحسين حوكمتها ونجاعتها يمكن أن يخفف الضغوط على الميزانية ويعيد توجيه الموارد نحو الاستثمار والخدمات العامة ذات الأولوية.

وتتجه السياسة الجبائية، بدورها، إلى تعزيز العدالة وتحسين المردودية وإدماج الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية المنظمة. ولا يتعلق الأمر فقط بزيادة الإيرادات، بل بتوسيع الوعاء الجبائي وتحقيق توزيع أكثر توازنا للعبء الضريبي، بما يدعم قدرة الدولة على تمويل سياساتها دون زيادة مفرطة في كلفة الاقتراض.

الاستثمار والتشغيل كاختبار فعلي للميزانية

تعطي التوجهات المعلنة أولوية واضحة لدفع الاستثمار العمومي والخاص وتحقيق تنمية جهوية أكثر توازنا. ويكتسي هذا البعد أهمية اقتصادية مضاعفة، لأن الاستثمار يمثل القناة الأساسية لتحويل الموارد المالية إلى طاقة إنتاجية جديدة، بينما يظل التشغيل، وخاصة تشغيل الشباب وأصحاب الشهائد العليا، أحد أبرز مؤشرات قدرة النمو على إنتاج أثر اجتماعي ملموس.

وتستهدف السياسة الجديدة كذلك تشجيع المبادرات الجماعية وتوفير شروط أفضل لخلق الثروة خارج المراكز الاقتصادية التقليدية. ومن شأن ربط الاستثمار بالتنمية الجهوية أن يعزز تكافؤ الفرص ويساهم في تحسين توزيع الثروة، شرط أن تقترن زيادة الاستثمار بتحسين مردوديته الاقتصادية والاجتماعية.

ميزانية 2027 أمام اختبار التنفيذ

تؤكد وزيرة المالية مشكاة سلامة الخالدي، خلال المجلس الوزاري، أن الاقتصاد الوطني أظهر قدرة على الصمود وحقق مكاسب مهمة رغم تصاعد الضغوط المالية وارتفاع حالة عدم اليقين الدولية. وقدمت عرضا حول تنفيذ ميزانية 2026، إلى جانب التوجهات والفرضيات الاقتصادية الوطنية والعالمية التي ستبنى عليها ميزانية 2027.

وتشير هذه المقاربة إلى أن التحدي الحقيقي أمام قانون المالية المقبل لن يكون فقط في تحديد حجم الموارد والنفقات، وإنما في تحقيق توافق بين ثلاثة أهداف مترابطة: حماية التوازنات المالية، تمويل التحول الاقتصادي، والحفاظ على الوظيفة الاجتماعية للدولة.

وتبدو ميزانية 2027، بهذا المعنى، اختبارا لقدرة السياسة المالية التونسية على الانتقال من منطق إدارة الضغوط إلى بناء القدرة على الصمود فنجاحها لن يقاس فقط بمستوى العجز أو حجم الموارد الجبائية، لكن أيضا بقدرتها على توجيه الإنفاق نحو الاستثمار والإنتاج، تقليص مواطن الهشاشة الخارجية، وتحويل التعويل على الذات من شعار مالي إلى قدرة فعلية على خلق الثروة والوظائف وتمويل التنمية المستدامة.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا