آخر الأخبار

الاستقرار الجبائي: استثمار لتغيير مسار الاقتصاد التونسي

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تطرح المنظومة الجبائية التونسية اليوم إشكالية جوهرية تتجاوز حدود التقنية المحاسبية لتلامس صميم النموذج التنموي للبلاد: هل ما زالت الضريبة أداة لتمويل الصالح العام وإعادة توزيع الثروة، أم غدت عائقًا بنيويًا أمام الاستثمار والتنافسية؟

تكشف المعطيات المتاحة عن واقع خاص، حيث تتقاطع ضغوط جبائية متصاعدة مع اتساع رقعة الاقتصاد الموازي، في وقت يظل فيه المستثمرون والمؤسسات المنظمة يبحثون عن الاستقرار والوضوح التشريعي أكثر من أي وقت مضى.

ضغط جبائي يقترب من الحدود القصوى

تتحمّل المؤسسة التونسية الخاضعة للقانون عبئًا جبائيًا واجتماعيًا يقدَّر بنحو 43.5 بالمائة من مداخيلها، وهي نسبة تفوق ما تتحمله نظيراتها الألمانية رغم تباين هوامش الربح والإنتاجية بشكل كبير بين البلدين. وتؤكد بيانات وزارة المالية أن نسبة الضغط الجبائي الإجمالي بلغت 25.9 بالمائة سنة 2025 بعدما ارتفعت المداخيل الجبائية بنسبة 7.3 بالمائة لتصل إلى نحو 44.75 مليار دينار، ضمن سعي رسمي معلن للتحكم في هذه النسبة عند مستوى لا يتجاوز 25 بالمائة خلال الفترة 2024-2026.

غير أن مصادر أخرى ترصد ديناميكية أكثر إثارة للمتابعة، إذ تشير إلى ارتفاع الضغط الجبائي على الأجور من 32.5 بالمائة سنة 2021 إلى 33.5 بالمائة سنة 2022 لتسجل تونس بذلك أعلى نسبة ضغط جبائي في القارة الأفريقية، بل إن تونس والسنغال يتصدران القارة من حيث وتيرة تصاعد هذا الضغط خلال العقد الأخير، بمعدل تطور بلغ 18.7 بالمائة مقابل 7.4 بالمائة فقط كمتوسط قاري، و4.2 بالمائة في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ويكشف هذا التباين بين المصادر عن طبيعة مركّبة للضغط الجبائي التونسي، يتقاطع فيها العبء الرسمي المعلن مع أعباء اجتماعية وقطاعية إضافية تنعكس بثقل أكبر على الأجراء والمؤسسات المنظمة.

اقتصاد موازٍ يوازي نصف الناتج المحلي

يتفاقم الاختلال حين يُقارَن هذا العبء المتصاعد باتساع القطاع غير الرسمي، الذي يُقدَّر أن يستحوذ على نحو 50 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي التونسي. ويعني هذا الرقم أن نصف النشاط الاقتصادي يفلت عمليًا من الرقابة الجبائية، بينما تتحمّل المؤسسات الشفافة والأجراء في القطاع المهيكل كامل العبء الضريبي، وأحيانًا على الأساس ذاته أكثر من مرة، كما هو الحال مع ضريبة القيمة المضافة وضريبة الشركات المتراكبتين.

وتُنتج هذه المفارقة معادلة معكوسة تمامًا لمنطق العدالة الجبائية: كلما التزم الفاعل الاقتصادي بالقانون، ارتفع نصيبه من العبء الضريبي، في حين يظل من يتهرّب من التصريح أو يستفيد من أنظمة استثنائية أقل مساهمة نسبيًا في تمويل الميزانية العامة. وتُظهر معطيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية اختلالًا موازيًا على مستوى بنية الاقتصاد المهيكل ذاته، إذ يوفّر الأشخاص الطبيعيون 71.1 بالمائة من الضريبة على الدخل، بينما لا تساهم الشركات سوى بنسبة 35.4 بالمائة، وهو ما يعكس ثقلًا إضافيًا يتحمّله الأجراء والمهن الفردية مقارنة بقطاع الأعمال.

التشريع وتحدي الأمان الجبائي

تُضاف إلى ثقل العبء الرقمي معضلة أعمق تتعلق بالتنبؤية التشريعية فقد ظلت المجلة العامة للضرائب، المرتقب صدورها منذ سنة 2006، غائبة حتى اليوم، بينما تتغيّر القواعد الجبائية من سنة لأخرى ضمن قوانين المالية المتعاقبة، وتُعدَّل بعض الآليات دون تناغم كافٍ مع تطلعات الفاعلين الاقتصاديين.

ويُنتج هذا التقلب المستمر ما يمكن تسميته بمحدودية الأمان الجبائي، حيث تجد المؤسسات نفسها مضطرة إلى مراجعة استراتيجياتها الاستثمارية بشكل متكرر، والتكيّف مع معايير متحركة، والتعامل مع قرارات إدارية تفتقر أحيانًا إلى الانسجام والشفافية. ويُشكّل هذا العامل، وفق تقديرات مؤسسات التصنيف والاستثمار الدولية، أحد أبرز الروادع أمام تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر نحو تونس، إذ يصعب على أي مستثمر بناء نموذج مالي موثوق في ظل بيئة تشريعية متغيّرة.

نحو إصلاح جبائي متوازن ومنهجي

يستدعي تصحيح هذا الاختلال مقاربة إصلاحية شاملة، تجمع بين تخفيف العبء عن الفاعلين الملتزمين وتوسيع القاعدة الجبائية في آنٍ واحد. ويتصدّر هذه المقاربة تخفيف الضغط المباشر على المؤسسات المنظمة، ليس بهدف تقليص إيرادات الدولة بل بإعادة توزيعها على قاعدة أوسع من دافعي الضريبة، بما يمكّن هذه المؤسسات من توجيه مواردها نحو الاستثمار والتشغيل والابتكار.

ويقتضي الأمر كذلك تحديث الإدارة الجبائية عبر التعجيل برقمنة الخدمات، وتخصيص المراقبين حسب القطاعات، وتبسيط الإجراءات، بما يجعل الأداء الجبائي أكثر شفافية ويجعل التهرّب أكثر كلفة وخطورة على من يمارسه. كما تفرض ضرورة تعميم ضريبة القيمة المضافة مع مراجعة نسبها والحد من الإعفاءات الاستثنائية، بهدف توحيد القواعد وتضييق “المناطق الرمادية” التي يستغلها بعض الفاعلين للإفلات من المساهمة العادلة.

ويبقى التعامل مع الاقتصاد غير الرسمي المحور الأكثر حساسية في أي إصلاح جبائي شامل، إذ تُظهر التجارب المقارنة أن العقاب وحده لا يكفي لدمج هذا القطاع الواسع في المنظومة الرسمية. ويتطلب الأمر بالمقابل توفير مسار تسوية تدريجي يقوم على ضريبة مبسطة وتغطية اجتماعية ملائمة ومرافقة فعلية خلال مرحلة الانتقال، مع تمييز واضح بين الأنشطة المشروعة كالمحلات الصغيرة والأنشطة غير القانونية كالتهريب والمنتجات المقلدة أو المدعومة. ويسمح مثل هذا التمييز بتصويب المالية العامة وتوسيع قاعدة المساهمين دون إثقال كاهل من يفي بالتزاماته الجبائية أصلًا.

يتطلب استرجاع ثقة الفاعلين الاقتصاديين إرساء دعامتين متكاملتين: تشريع جبائي واضح وثابت من جهة، وإدارة متجاوبة وشفافة من جهة أخرى. ويحظى مبدأ “الثقة المشروعة”، المعتمد في العديد من الأنظمة الجبائية المقارنة، بأهمية خاصة في السياق التونسي الراهن، إذ يمنح الفاعل الاقتصادي القدرة على التخطيط بثقة وحساب الأثر الجبائي لقراراته الاستثمارية بعيدًا عن مفاجآت التشريعات اللاحقة.

ويظل هذا الاستقرار عاملًا حاسمًا في مسار تعافي الاقتصاد التونسي، الذي سجّل نموًا بنسبة 2.5 بالمائة خلال سنة 2025، في ظل حاجة متزايدة لتعبئة الاستثمار الخاص كرافعة أساسية لتسريع وتيرة النمو خلال السنوات المقبلة. ويبقى الإصلاح الجبائي، في نهاية المطاف، رهانًا مزدوجًا: استعادة العدالة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين، وإعادة بناء الثقة الضرورية لتحويل الضريبة من عبء يُثقل كاهل الاقتصاد إلى رافعة حقيقية لتنميته.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا