هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
الخلاصة
لم يعد تناول كأس من النبيذ يومياً يُقدَّم باعتباره عادة تحمي القلب. فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن الدراسات القديمة التي نسبت فوائد إلى الاستهلاك المعتدل كانت معرضة بدرجة كبيرة لتحيزات منهجية.
ويُعتبر الرابط السببي بين الكحول وما لا يقل عن سبعة أنواع من السرطان ثابتاً اليوم. ويظل الخطر الفردي محدوداً عند استهلاك كميات صغيرة، لكنه ليس منعدماً ويزداد كلما ارتفعت الكمية.
ولا تعني الرسالة الصحية أن كل كأس سيتسبب حتماً في مرض، بل إنه لا يوجد سبب طبي يدعو إلى البدء في شرب الكحول بهدف حماية الصحة. ولتقليل الخطر، كلما انخفض الاستهلاك كان ذلك أفضل.
على مدى عقود، حظي كأس من النبيذ الأحمر مع العشاء بمكانة خاصة، إذ لم يكن يُعتبر مقبولاً فحسب، بل كان يُقدَّم أحياناً على أنه مفيد للقلب. غير أن هذه الفكرة، المتجذرة بعمق في العادات المتوسطية، لم تعد تتوافق مع المعارف العلمية الحالية.
لم يكتشف العلم فجأة أن النبيذ مضر. ما حدث أساساً هو أن الباحثين حسّنوا طرقهم، وصححوا عدة تحيزات، وبدأوا في دراسة التأثيرات الصحية للكحول بصورة شاملة، بدلاً من التركيز حصراً على بعض أمراض القلب والشرايين.
وأدى ذلك إلى تغير كبير في النظرة العلمية: فقد يكون الخطر المرتبط باستهلاك كمية صغيرة محدوداً بالنسبة إلى شخص بعينه، لكنه لم يعد يُعتبر محايداً، فضلاً عن أن يكون وسيلة وقائية.
استندت هذه الفرضية أساساً إلى دراسات قائمة على الملاحظة. وكانت هذه الدراسات تتابع مجموعات كبيرة من السكان وتقارن الحالة الصحية للممتنعين عن الشرب، والمستهلكين المعتدلين، والأشخاص الذين يتناولون كميات أكبر من الكحول.
وفي عدد من هذه الدراسات، بدا أن مستهلكي الكحول باعتدال أقل عرضة لأمراض القلب والشرايين، وأن معدل الوفيات لديهم أقل من الأشخاص الذين لا يشربون إطلاقاً. وكانت النتائج ترسم ما أطلق عليه الباحثون «منحنى على شكل حرف J»: الخطر مرتفع لدى المستهلكين بكثرة، وينخفض لدى المستهلكين باعتدال، ثم يرتفع بشكل لافت لدى الممتنعين.
وعزز ما عُرف باسم «المفارقة الفرنسية» هذه القناعة. فعلى الرغم من نظام غذائي قد يكون غنياً بالدهون الحيوانية، كانت فرنسا تسجل معدلات منخفضة نسبياً من أمراض الشرايين التاجية. واعتُبر النبيذ الأحمر، إلى جانب النظام الغذائي ونمط الحياة الفرنسي، تفسيراً محتملاً لذلك.
ثم وفّرت مركبات البوليفينول الموجودة في العنب ومادة الريسفيراترول تفسيراً جذاباً، مفاده أن النبيذ يحتوي على مواد قد تحمي الشرايين وتقلل الالتهاب.
يمكن لدراسة قائمة على الملاحظة أن تكشف عن وجود ارتباط، لكنها لا تثبت بالضرورة أن منتجاً معيناً هو السبب المباشر في النتيجة المسجلة.
فالأشخاص الذين يشربون باعتدال قد يختلفون، في المتوسط، عن غيرهم من حيث الدخل والنظام الغذائي والنشاط البدني والمتابعة الطبية والحياة الاجتماعية. وقد تساهم هذه العوامل بحد ذاتها في تحسين الصحة، فتُنسب فوائدها إلى الكحول بصورة غير صحيحة.
كما كانت تركيبة مجموعة «غير الشاربين» تمثل مشكلة. فقد كانت تضم أحياناً أشخاصاً لم يشربوا الكحول أبداً، إلى جانب مستهلكين سابقين توقفوا عن الشرب بعد ظهور مرض أو بدء علاج طبي أو تراجع صحتهم مع التقدم في السن.
وعند مقارنة مستهلكين معتدلين يتمتعون بصحة جيدة نسبياً بمجموعة تضم أشخاصاً مرضى أصلاً، قد يظهر المستهلكون المعتدلون وكأنهم يتمتعون بحماية غير حقيقية.
الفرق الأساسي: ملاحظة أن المستهلكين المعتدلين يعيشون أحياناً مدة أطول لا تعني أن الكحول هو الذي أطال أعمارهم. فقد تفسر خصائص أخرى في نمط حياتهم هذا الارتباط.
حسّن الباحثون تدريجياً طرق المقارنة، من خلال فصل المستهلكين السابقين عن الممتنعين طوال حياتهم، ومراعاة التدخين والمستوى الاجتماعي بدرجة أكبر، واستخدام أساليب إحصائية جديدة.
واستخدمت دراسات «العشوائية المندلية» بعض الاختلافات الجينية المرتبطة بانخفاض استهلاك الكحول. وقد أضعفت هذه الأبحاث فرضية وجود حماية سببية للقلب، إذ كان الأشخاص المهيؤون جينياً لاستهلاك كميات أقل يتمتعون عموماً بمؤشرات أفضل لصحة القلب والشرايين.
ولا تخلو هذه الطريقة من الحدود، كما أنها لا تعوض التجارب السريرية. لكنها تساعد على تقليل عدة تحيزات تؤثر في الدراسات التقليدية.
وجاء تحول آخر سنة 2018، مع تحليل واسع نشرته مجلة The Lancet وشمل 195 بلداً وإقليماً. وقد قدر الباحثون، على مستوى السكان، أن مستوى الاستهلاك الذي يخفض مجمل المخاطر إلى الحد الأدنى هو صفر، لأن المكاسب المحتملة التي لوحظت في بعض أمراض القلب كانت تقابلها زيادة في السرطان والإصابات وأمراض أخرى.
ترى منظمة الصحة العالمية أنه لا يمكن اعتبار أي مستوى من استهلاك الكحول خالياً تماماً من المخاطر، خصوصاً فيما يتعلق بالسرطان.
ويُساء أحياناً فهم هذه العبارة. فهي لا تعني أن الشخص سيصاب حتماً بمرض بعد شرب كأس واحد، بل تعني أن الأبحاث لم تحدد كمية ثبت أن الخطر تحتها يصبح منعدماً بشكل كامل.
ويعمل الخطر بصورة متدرجة: يكون عادة أقل عند الكميات الصغيرة، ثم يرتفع مع زيادة كمية الاستهلاك وتكراره.
الخطر المنخفض لا يعني غياب الخطر. قد تبدو الزيادة المرتبطة بكأس يومي محدودة بالنسبة إلى الفرد. لكن عند تطبيق هذه الزيادة الصغيرة على ملايين المستهلكين، فإنها تتحول إلى عدد مهم من الأمراض التي كان من الممكن تجنبها.
يُصنف الكحول ضمن المجموعة الأولى لدى الوكالة الدولية لبحوث السرطان. وتضم هذه الفئة المواد التي ثبت علمياً أنها قادرة على التسبب في السرطان لدى الإنسان.
ويُصنف التبغ والأسبستوس أيضاً ضمن المجموعة نفسها. لكن هذه المقارنة تتعلق بدرجة اليقين العلمي في وجود علاقة سببية، ولا تعني أن جميع هذه المواد تمثل المستوى نفسه من الخطر.
وقد ثبتت العلاقة السببية مع سبعة مواضع سرطانية على الأقل: الفم، والحلق، والحنجرة، والمريء، والكبد، والقولون والمستقيم، والثدي لدى النساء.
ولا يلغي نوع المشروب هذا الخطر. فالنبيذ الأحمر والأبيض والجعة والمشروبات الروحية تحتوي جميعها على الإيثانول. وفيما يتعلق بالسرطان، فإن العامل الأساسي هو كمية الكحول الصافي، وليس سعر المشروب أو سمعته أو جودته.
بعد امتصاصه، يحول الجسم الإيثانول إلى الأسيتالديهيد، وهو مركب قادر على إتلاف الحمض النووي والبروتينات داخل الخلايا.
كما يمكن للكحول أن يعزز الإجهاد التأكسدي والالتهاب، ويغير مستويات بعض الهرمونات مثل الإستروجين، ويسهل امتصاص مواد مسرطنة أخرى، خصوصاً في الفم والحلق.
ولا تنتج هذه الآليات الآثار نفسها لدى جميع الأشخاص. إذ يختلف الخطر الفردي بحسب العوامل الوراثية والجنس والعمر والتدخين والنظام الغذائي ومدة الاستهلاك والحالة الصحية العامة.
لكن البيانات المتاحة لا تسمح بتحديد مستوى يصبح دونه التأثير المسرطن منعدماً تماماً.
يعرض التقرير الذي أصدره كبير مسؤولي الصحة العامة في الولايات المتحدة سنة 2025 تقديرات للمخاطر المطلقة، استناداً إلى مجموعة شملت أكثر من 226 ألف شخص. وكانت المجموعة المرجعية تستهلك أقل من كأس واحد أسبوعياً، لتجنب مقارنة المستهلكين بأشخاص مرضى توقفوا عن الشرب.
لا تسمح هذه الأرقام بالتنبؤ بما سيحدث لشخص معين. لكنها توضح الفرق بين الخطر النسبي والخطر المطلق: فقد تمثل زيادة حقيقية إحصائياً بضع حالات إضافية من كل 100 شخص، وليس إصابة حتمية لكل مستهلك.
كما تبين أن كأساً يومياً لا يعادل كأساً عرضياً. فالاستمرار والتكرار والكمية الإجمالية المستهلكة على امتداد السنوات عوامل أساسية.
في جوان 2026، نشرت مجموعة بحثية تضم خصوصاً باحثين من جامعة كولومبيا وجامعة تورنتو نموذجاً لتقدير المخاطر المرتبطة باستهلاك الكحول في الولايات المتحدة.
راجع الخبراء أكثر من 7200 بحث علمي حول الأمراض والإصابات المنسوبة إلى الكحول، ثم طبقوا مستويات الخطر على قواعد بيانات صحية واسعة.
ولم يلاحظ الباحثون وجود تأثير وقائي عام للكحول. لكن إلى حدود سبعة كؤوس تقريباً في الأسبوع، ظلت الزيادة المقدرة في الخطر محدودة بالنسبة إلى معظم الأمراض. وبعد هذا المستوى، ارتفع خطر المرض والعجز والوفاة المبكرة بصورة أوضح.
وتضيف هذه الدراسة توضيحاً مهماً: وجود خطر عند الكميات الصغيرة لا يعني أن هذا الخطر يصبح مرتفعاً فوراً. فالخطر يزداد تدريجياً مع ارتفاع الاستهلاك.
لم تعد العلاقة السببية بين الكحول وعدة أنواع من السرطان موضع خلاف علمي جدي. لكن النقاش يبقى أكثر انفتاحاً بشأن الوفيات الإجمالية وبعض التأثيرات القلبية المرتبطة بمستويات الاستهلاك المنخفضة جداً.
وخلص تقرير للأكاديميات الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة سنة 2025 إلى أن الاستهلاك المعتدل كان «مرتبطاً»، في الدراسات المعتمدة، بانخفاض الوفيات الإجمالية والوفيات المرتبطة بأمراض القلب مقارنة بعدم الاستهلاك. لكنه أكد في الوقت نفسه ارتفاع خطر سرطان الثدي.
وتكتسي كلمة «مرتبط» أهمية كبيرة. فهذه النتائج مستمدة أساساً من دراسات قائمة على الملاحظة، ولا تثبت أن الكحول هو السبب المباشر في انخفاض الوفيات المسجلة.
ولم تُنجز حتى الآن تجربة سريرية عشوائية كبرى وطويلة الأمد تقارن بصورة نهائية بين الاستهلاك اليومي والامتناع التام من حيث جميع الأمراض والوفيات. كما أن تنظيم تجربة من هذا النوع سيكون معقداً ويطرح إشكالات أخلاقية.
ما هو ثابت: يزيد الكحول خطر عدة سرطانات، ويرتفع الخطر مع الكمية. ما يزال موضع نقاش: الحجم الدقيق للموازنة الشاملة بين المخاطر والارتباطات القلبية المحتملة عند أدنى مستويات الاستهلاك.
يحتوي النبيذ الأحمر فعلاً على البوليفينولات، ومن بينها الريسفيراترول. لكن الأبحاث لا تبرر التوصية بشربه لحماية القلب.
فكميات الريسفيراترول الموجودة في كأس واحدة منخفضة مقارنة بالجرعات المستخدمة في التجارب. والأهم أن المركبات المفيدة المحتملة في العنب تكون مصحوبة بالإيثانول، الذي ثبتت مخاطره.
ويمكن الحصول على البوليفينولات من دون استهلاك الكحول، من خلال العنب والفواكه الحمراء وبعض المكسرات ونظام غذائي نباتي متنوع.
ويمكن تلخيص الموقف الطبي الحالي ببساطة: لا ينبغي البدء في شرب النبيذ بهدف الوقاية من أمراض القلب والشرايين.
لا ينبغي للشخص الذي يشرب الكحول من حين إلى آخر أن يفسر هذه البيانات على أنها إعلان عن إصابته الحتمية بمرض. فالهدف هو مساعدته على اتخاذ قرار أكثر وعياً.
وتبرز من المعارف الحالية بعض المبادئ العملية:
ويُعد الامتناع ضرورياً خصوصاً أثناء الحمل، وقبل قيادة السيارة أو استخدام الآلات، وعند تناول بعض الأدوية أو المواد التي قد تتفاعل مع الكحول.
تنبيه عند الاستهلاك المرتفع والمطول
لا ينبغي بالضرورة للشخص المدمن أو الذي يستهلك كميات كبيرة يومياً التوقف بشكل مفاجئ من دون استشارة طبية. فقد يسبب انسحاب الكحول رعشة وتسارعاً في ضربات القلب وتشنجات، وقد يهدد الحياة في الحالات الخطيرة. ويمكن للطبيب تنظيم التخفيض أو التوقف في ظروف أكثر أماناً.
أصبحت فكرة «كأس النبيذ اليومي المفيد للصحة» جزءاً من مرحلة سابقة في تفسير البيانات العلمية. فقد أضعفت مجموعات المقارنة الأفضل والأساليب الجديدة والمراعاة الأكثر شمولاً للسرطان وبقية الأمراض الدراسات التي نسبت إليه حماية للقلب.
ولا يؤدي الاستهلاك المعتدل تلقائياً إلى المرض، كما يظل الخطر المطلق محدوداً عند الكميات الصغيرة. لكنه لم يعد من الممكن تقديمه على أنه عادة صحية.
ويمكن تلخيص الرسالة الصحية الأكثر حذراً في ثلاث نقاط: عدم البدء في الشرب بهدف حماية الصحة، وفهم أن الخطر يزيد مع الكمية، وأن خفض الاستهلاك يقلل التعرض للمخاطر.
وللحصول على نصيحة تتناسب مع التاريخ الصحي والعلاجات والحالة الفردية، يبقى الطبيب المعالج أفضل جهة يمكن الرجوع إليها.
أهم المصادر العلمية: منظمة الصحة العالمية، الوكالة الدولية لبحوث السرطان، تقرير كبير مسؤولي الصحة العامة الأمريكي لسنة 2025، الأكاديميات الوطنية للعلوم، مجلة The Lancet، المجلة الطبية البريطانية BMJ، ودراسة جامعة كولومبيا وجامعة تورنتو المنشورة سنة 2026.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية