آخر الأخبار

أي تأثير للعولمة الجديدة على شبكات التجارة التونسية ؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تتجاوز العولمة، في جوهرها الاقتصادي الدقيق، صورة الدول والشركات الكبرى المتحكمة في تدفقات السلع، لتشمل نسيجًا أوسع من الفاعلين الصغار وحركات التنقل والتبادلات التي تبقى في الغالب بعيدة عن الرصد الرسمي، لكنها تُشكّل في العمق البنية الحقيقية المُحرّكة للاقتصاد العالمي.

وتكشف دراسة أكاديمية حديثة حملت عنوان “هيكلة وإعادة تشكيل طريق تجاري معولم في تونس بعد الثورة”، عن الكيفية التي تعيد بها هذه الشبكات غير المرئية تشكيل التبادلات التجارية التونسية، وتمنح الأسواق المحلية قدرة لافتة على الصمود في وجه الاضطرابات السياسية والاقتصادية المتعاقبة منذ سنة 2011.

يُقدَّم مفهوم الأسواق المعولمة عادة بوصفه نظامًا منضبطًا تحكمه اتفاقيات ومؤسسات دولية رسمية، غير أن هذا التصور، وإن كان صحيحًا جزئيًا، يظل قاصرًا عن استيعاب التعقيد الفعلي للتبادلات على الأرض إذ تُشكّل شبكات الفاعلين وتدفقات السلع والمعلومات غير المهيكلة السوق الحقيقي، بمعزل عن الأطر التنظيمية المعلنة. وتبرز تونس، بفضل موقعها الجغرافي على مفترق الطرق بين المغرب العربي وأوروبا وأفريقيا جنوب الصحراء، مختبرًا نموذجيًا لفهم هذه الديناميكية، حيث تتيح مرونة مساراتها التجارية وحيوية جيل شاب من التجار ملاحظة كيفية إعادة تنظيم التبادلات في مواجهة القيود الجمركية والتحولات السياسية المتلاحقة.

أسواق تُنسج من الثقة

لا يقوم السوق، في صيغته الفعلية، على مجرد فضاء للتبادل، بل يرتكز على شبكة معقدة من التجار وناقلي البضائع والوسطاء، تحكمها روابط الثقة والخبرة المتراكمة والمعرفة الدقيقة بمسارات التجارة. وتضمن هذه الروابط استمرارية المبادلات واستدامتها حتى في غياب الأطر التعاقدية الرسمية. كما تُنظّم الشبكات المحلية التونسية، حسب الدراسة، التبادلات بما يتجاوز كثيرًا القواعد المكتوبة، مما يمنح السوق مرونة استثنائية وقدرة على العمل حتى في فترات انعدام اليقين المؤسسي.

ولا تنشأ الأسواق من أحداث تجارية معزولة، بل تُبنى على تدفقات مستمرة من السلع والمعلومات والتفاعلات البشرية، تضمن تماسك التبادلات وتمكّن الفاعلين من الاستباق والتكيّف السريع مع المتغيرات. وتحتل المعلومات موقعًا محوريًا ضمن هذه المنظومة، إذ تُمكّن التجار من التنقل داخل مسارات عابرة للحدود وتجاوز العقبات الجمركية بكفاءة لافتة، بعيدًا عن أي رصد إحصائي مركزي.

الجغرافيا التي تُعيد تشكيل ميزان التجارة

يكشف تزويد الأسواق التونسية، خصوصًا بالمنتجات المستوردة من الصين وليبيا، عن جغرافيا تجارية مرنة ومتغيرة باستمرار، تتبدل مساراتها وفق آليات التحايل على الحواجز الجمركية والتحولات السياسية المتعاقبة منذ 2011. وتلعب مدن حدودية على غرار بنقردان دورًا محوريًا في تنظيم مرور البضائع نحو داخل البلاد، في حين تتراجع بعض الأسواق الكبرى في العاصمة إلى موقع ثانوي ضمن حركة تداول السلع الفعلية.

وتُظهر البيانات الرسمية حجم الرهان الاقتصادي لهذه الشبكات الحدودية، إذ ساهم معبر رأس جدير وحده بعائدات تصديرية بلغت نحو 480 مليون دينار سنة 2023، أي ما يعادل نحو 18 بالمائة من مجموع الصادرات التونسية وفق بيانات وزارة التجارة وتنمية الصادرات. كما تطورت الصادرات التونسية نحو ليبيا تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، فيما بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين ما يتجاوز ملياري دينار خلال سنة 2024، وترتبط عشرات آلاف الأسر في الجنوب التونسي على نحو مباشر أو غير مباشر بهذه التجارة الحدودية التي تشكل مصدرًا رئيسيًا للدخل وفرص العمل في مناطق مدنين وتطاوين.

وفي المقابل، يكشف الاتجاه المعاكس للتدفقات، أي الواردات من آسيا، عن اختلال هيكلي عميق، إذ بلغ حجم المبادلات التجارية بين تونس والصين سنة 2024 نحو 9.2 مليار دينار، لم تمثل فيها الصادرات التونسية سوى 2.4 بالمائة مقابل 97.6 بالمائة واردات صينية، وهو ما يجعل هذا الشريك يستحوذ على أكبر عجز تجاري ثنائي لتونس. واتسع هذا العجز خلال سنة 2025 ليبلغ نحو 10.9 مليارات دينار، وهو أعلى عجز مسجل مع أي شريك تجاري لتونس، في مؤشر إضافي على أن جزءًا كبيرًا من هذه التدفقات يمر عبر شبكات توزيع غير رسمية يصعب حصرها بدقة في الميزان التجاري المعلن.

الأسواق المعولمة: كيانات في حركة دائمة

لا تُعدّ الأسواق كيانات جامدة، بل تتطور باستمرار تبعًا لطبيعة العلاقات بين الفاعلين وتحولات تدفقات السلع والمعلومات والسياقات الاقتصادية والسياسية المحيطة بها. ويُظهر المثال التونسي كيف يمكن لديناميكيات محلية بحتة أن تندمج ضمن منطق تجاري عالمي أوسع، عبر تفاعل مستمر يجعل من السوق نظامًا مرنًا وقادرًا على الصمود أمام الصدمات الخارجية والداخلية على حد سواء.

ويسمح الجمع بين المقاربة الإثنوغرافية متعددة المواقع وتحليل الشبكات الاجتماعية والمجالية، بكشف هذا التنظيم غير المرئي، لكنه أساسي لفهم آليات التجارة في اقتصادات الجنوب عمومًا وتونس خصوصًا فالأسواق المعولمة لا تختزل في المؤسسات والقواعد الرسمية فحسب، بل تتشكل فعليًا عبر شبكات فاعلين وتدفقات مرنة قادرة على التكيف والصمود أمام الاضطرابات وعدم الاستقرار المؤسسي.

وتوفر هذه المقاربة، في نهاية المطاف، أداة تحليلية قوية لصانعي القرار الاقتصادي، إذ تكشف أن أي سياسة تجارية أو جمركية لا تأخذ بعين الاعتبار وزن هذه الشبكات غير الرسمية في مناطق مثل بنقردان ومدنين، ستظل قاصرة عن الإمساك بالصورة الكاملة لميزان المبادلات التونسية، وعن معالجة الاختلالات الهيكلية العميقة التي تكشفها العلاقة غير المتكافئة مع شركاء كبار على غرار الصين.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا