هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
يؤكد الأسبوع المنقضي حدوث تحول كبير في الحرب بأوكرانيا: فلم تعد كييف تكتفي بالدفاع عن أراضيها، بل باتت تستهدف العمق الروسي، وتضرب البنى التحتية التي تغذي آلة الحرب التابعة لموسكو، بالتوازي مع تعزيز شراكاتها العسكرية مع حلفائها.
وفي الوقت نفسه، تواصل روسيا استراتيجية الترهيب ضد الموانئ الأوكرانية والسفن المدنية وصادرات الحبوب عبر البحر الأسود. وتبقى رسالة الكرملين واضحة وقاسية: إذا لم تتمكن موسكو من تحقيق نصر سريع على الجبهة، فستسعى إلى خنق أوكرانيا اقتصاديًا والضغط على الأمن الغذائي العالمي.
وهكذا، يمكن قراءة تطورات هذا الأسبوع على ثلاث جبهات رئيسية: الضربات بعيدة المدى ضد المصافي والمراكز اللوجستية الروسية، والمعركة الدبلوماسية في مجلس الأمن الدولي بشأن البحر الأسود، وتعزيز الشراكة الدفاعية بين كييف ولندن.
جاءت أولى الإشارات القوية من الضربات الأوكرانية التي استهدفت العمق الروسي.
فقد هاجمت قوات الدفاع الأوكرانية مصافي نفط في منطقتي ريازان وبيرم الروسيتين، إلى جانب مستودعات تابعة لشركة «وايلدبيريز»، ومنشآت عسكرية داخل روسيا، ومواقع في شبه جزيرة القرم المحتلة مؤقتًا.
وأصبح مدى هذه الهجمات عنصرًا محوريًا في الاستراتيجية الأوكرانية. فمصفاة «لوك أويل-بيرمنفت أورغسينتيز»، التي استهدفتها طائرات مسيّرة، تقع على بُعد نحو 1500 كيلومتر من الحدود الأوكرانية. ويعكس هذا الرقم تغيرًا جوهريًا في أبعاد الحرب، إذ لم يعد بإمكان روسيا اعتبار عمقها الجغرافي درعًا مطلقًا.
وتُعد مصفاتا ريازان وبيرم من بين أكبر المنشآت النفطية في الاتحاد الروسي، وتؤديان دورًا استراتيجيًا في توفير الوقود والمنتجات النفطية. وبالنسبة إلى كييف، لا تمثل هذه المنشآت مجرد مرافق اقتصادية، بل تساهم مباشرة في تشغيل الجيش الروسي.
فالجيوش لا تقاتل بالدبابات والصواريخ والجنود فقط، بل تحتاج أيضًا إلى الوقود والشاحنات والمولدات وقطع الغيار والسكك الحديدية وشبكات الصيانة. ومن خلال استهداف المصافي، تضرب أوكرانيا شريانًا حيويًا في منظومة العدوان الروسي.
لا يزال قطاع النفط أحد أبرز مصادر تمويل الميزانية الفيدرالية الروسية، إذ يموّل الدولة والإنفاق العسكري والصناعات الدفاعية والرواتب والمنح واستمرار الحرب التي اختارتها موسكو.
ولهذا السبب، تتجاوز الضربات الأوكرانية ضد المصافي البعد العسكري المباشر.
فكل منشأة تتعرض لأضرار قد تؤدي إلى خفض الإنتاج مؤقتًا، وتعطيل تدفقات الوقود، ورفع تكاليف الإصلاح، وزيادة الضغط على المخزونات، وإجبار موسكو على إعادة توزيع أنظمة دفاعها الجوي على مساحة شاسعة.
كانت روسيا تريد فرض حرب استنزاف على أوكرانيا، لكن كييف ترد اليوم باستنزاف معاكس، من خلال ضرب البنى التحتية التي تمكّن موسكو من مواصلة الحرب على المدى الطويل.
وهذه ليست استراتيجية انتقام، بل استراتيجية دفاع مشروع عن النفس.
استهدفت ضربات هذا الأسبوع أيضًا مراكز لوجستية مرتبطة بشركة «وايلدبيريز»، عملاق التجارة الإلكترونية في روسيا.
وبحسب كييف، تشارك بعض منشآت المجموعة في توفير مكونات الطائرات المسيّرة وأنظمة الملاحة العسكرية والمواد ذات الاستخدام المزدوج. في المقابل، ترفض موسكو هذه الاتهامات وتؤكد أن تلك المواقع مدنية.
وتقع معركة الرواية هذه في صلب الحروب الحديثة.
ففي اقتصاد جرى تسخيره لخدمة الحرب، غالبًا ما تصبح الحدود بين الخدمات اللوجستية المدنية والعسكرية غير واضحة. فقد يخزن أحد المستودعات منتجات عادية، إلى جانب بطاريات ومكونات إلكترونية وأجهزة اتصال وقطع للطائرات المسيّرة وملابس تكتيكية وأنظمة يمكن للقوات المسلحة استخدامها.
وترى أوكرانيا أن ضرب هذه الشبكات يحد من قدرة روسيا على إنتاج أدوات حربها وإصلاحها ونقلها وإمدادها.
وبدأت الأضرار تظهر بالفعل. فقد ذكرت وكالة «رويترز» أن عدة مواقع تابعة لـ«وايلدبيريز» تعرضت لأضرار خلال أيام قليلة، مع اندلاع حرائق وتنفيذ عمليات إجلاء واضطراب في سلسلة التوزيع. واضطرت المجموعة حتى إلى التخطيط لتعويض البائعين المتضررين من إتلاف بضائعهم.
وهذه نقطة مهمة، فأوكرانيا لا تستهدف الجدران فقط، بل تُدخل عنصر عدم اليقين إلى المنظومة اللوجستية الروسية.
استهدفت العمليات الأوكرانية أيضًا منشآت عسكرية في شبه جزيرة القرم المحتلة مؤقتًا، من بينها موقع لانتشار سفن تابعة لأسطول البحر الأسود الروسي. كما طالت ضربات أخرى محطة رادار في منطقة بريانسك وعدة منشآت عسكرية.
وتبقى القرم هدفًا ذا أولوية بالنسبة إلى كييف. فمنذ أن ضمتها روسيا بصورة غير قانونية سنة 2014، حوّلت موسكو شبه الجزيرة إلى قاعدة عسكرية متقدمة في البحر الأسود، تستخدم للمراقبة والدفاع الجوي وإطلاق العمليات البحرية وتوفير الدعم اللوجستي للجيش الروسي.
ومن خلال ضرب هذه المواقع، تذكّر أوكرانيا بحقيقة يحاول الكرملين طمسها: القرم ليست أرضًا روسية جرى تطبيع وضعها، بل هي أرض أوكرانية محتلة وعسكرية وتُستخدم ضد أوكرانيا.
وكل رادار يُدمّر، وكل قاعدة تُستهدف، وكل سفينة تتعرض للتهديد، يحد من حرية الحركة الروسية في البحر الأسود.
تُعد المقارنة بين الاستراتيجيتين أمرًا أساسيًا.
فأوكرانيا تستهدف مصافي النفط والمراكز اللوجستية والمواقع العسكرية والرادارات والقواعد البحرية والبنى التحتية المرتبطة بقدرة روسيا على مواصلة الحرب.
أما روسيا، فتواصل قصف المدن الأوكرانية والموانئ والصوامع والمباني السكنية وشبكات الكهرباء والسفن المدنية.
ويسعى الكرملين إلى ترهيب السكان، وتدمير الاقتصاد الأوكراني، وجعل البحر الأسود منطقة خطرة أمام سفن الشحن الدولية.
وهنا ينبغي التعبير بوضوح عن الموقف الداعم لأوكرانيا: موسكو تشن حرب عدوان، بينما تخوض كييف حرب دفاع. روسيا هي التي بدأت الغزو، ومن حق أوكرانيا استهداف القدرات التي تسمح للمعتدي بمواصلة هذا الغزو.
في 27 جويلية، عقد مجلس الأمن الدولي اجتماعًا طارئًا خُصص للهجمات الروسية على السفن المدنية وأمن الملاحة في البحر الأسود.
وشكرت أوكرانيا أعضاء مجلس الأمن الذين دعموا مبادرتها، ولا سيما فرنسا والمملكة المتحدة والدنمارك واليونان ولاتفيا.
ويكتسي هذا الملف خطورة بالغة. فبحسب كييف، تستهدف روسيا بصورة منهجية السفن المدنية والموانئ الأوكرانية والبنى التحتية الضرورية للصادرات الزراعية. والهدف واضح: إغلاق الموانئ خلال موسم الحصاد وعرقلة الصادرات البحرية من الحبوب الأوكرانية.
وبذلك، لا تهدد الحرب أوكرانيا وحدها، بل تهدد أيضًا الأسواق الغذائية العالمية.
تكشف الأرقام التي أعلنتها كييف حجم الحملة الروسية.
فمنذ سنة 2022، يُعتقد أن القوات الروسية دمرت أو ألحقت أضرارًا بـ1054 منشأة مرفئية أوكرانية، كما استهدفت 232 سفينة، من بينها أكثر من 30 سفينة خلال صيف 2026. وأسفرت هذه الهجمات عن مقتل أو إصابة 307 مدنيين أوكرانيين ومواطنين من دول أخرى.
وعشية اجتماع مجلس الأمن، هاجمت روسيا أيضًا سفينة ترفع علم بالاو كانت تنقل شحنة من الذرة.
وتظهر هذه الأرقام أن موسكو لا تشن حربًا على الجيش الأوكراني فقط، بل تستهدف أيضًا قدرة أوكرانيا على إطعام العالم.
ومن خلال ضرب الموانئ والسفن، تسعى روسيا إلى تحويل البحر الأسود إلى منطقة خوف، ورفع تكاليف التأمين، وثني مالكي السفن عن الإبحار، وإبطاء الصادرات، والتأثير في الأسعار، واستخدام الغذاء أداة للابتزاز.
تُعد أوكرانيا من أكبر مصدري المنتجات الزراعية في العالم، وتغذي حبوبها أسواقًا في إفريقيا والشرق الأوسط وآسيا وأمريكا اللاتينية.
وعندما تُغلق الموانئ الأوكرانية، لا تقتصر التداعيات على أوديسا أو تشورنومورسك، بل تدفع العائلات محدودة الدخل والدول المستوردة والأسواق الهشة ثمن انعدام الأمن البحري الذي تسببه موسكو.
ولهذا السبب، لا يُعد الهجوم الروسي على ممر الحبوب شأنًا أوكرانيًا فقط، بل يمثل قضية تتعلق بالأمن الغذائي الدولي.
وقد تتضرر ملايين العائلات من ارتفاع الأسعار إذا واصلت روسيا استهداف السفن المدنية والبنى التحتية المرفئية.
وتتحدث موسكو عن السيادة، لكنها تستخدم في الواقع القمح والموانئ والجوع أدوات للضغط.
تتمثل الجبهة الثالثة هذا الأسبوع في البعدين الدبلوماسي والعسكري.
ففي 27 جويلية، التقى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي رئيس الوزراء البريطاني آندي بورنهام خلال زيارة إلى المملكة المتحدة. ويرتبط البلدان باتفاق شراكة استراتيجية تم توقيعه في جانفي 2025.
وتحمل الزيارة رمزية قوية، إذ كان زيلينسكي أول زعيم أجنبي يستقبله آندي بورنهام بصفته رئيسًا للوزراء. وأرادت لندن توجيه رسالة واضحة مفادها أن الدعم البريطاني لأوكرانيا لا يزال راسخًا رغم التغيرات السياسية الداخلية.
ومن المقرر أن تزود المملكة المتحدة أوكرانيا بتكنولوجيا الحرب الإلكترونية «ستون كلوك»، المصممة لتعطيل أنظمة الدفاع الجوي الروسية. وتكتسب هذه الأداة أهمية في حرب أصبحت فيها الطائرات المسيّرة والرادارات والتشويش والحرب الإلكترونية عناصر مركزية.
أما بالنسبة إلى كييف، فالهدف مزدوج: تعزيز قدرتها على ضرب المنشآت العسكرية الروسية، ورفع فرص نجاة طائراتها المسيّرة أمام أنظمة الدفاع الروسية.
تزامنت زيارة زيلينسكي إلى المملكة المتحدة مع اختتام مناورات «سي بريز» الدولية، التي شاركت فيها القوات البحرية الأوكرانية.
وبحسب الرئاسة الأوكرانية، شاركت 20 دولة شريكة في نسخة سنة 2026. وتركزت التدريبات على التخطيط والقيادة والسيطرة وعمليات مكافحة الألغام، إلى جانب إعداد أطقم خمس سفن لصيد الألغام وتدريب فرق إزالة الألغام تحت الماء.
من جهتها، أعلنت البحرية الملكية البريطانية أن مناورات «سي بريز 2026» جمعت 750 عسكريًا و18 دولة و10 سفن، ضمن واحدة من أكبر عمليات التدريب على حرب الألغام التي نُظمت في المملكة المتحدة منذ نحو عقد.
وكانت النتيجة بالغة الأهمية، إذ جرى للمرة الأولى دمج وحدة أوكرانية متخصصة في حرب الألغام ضمن منظومة القيادة والسيطرة التابعة لحلف الناتو الخاصة بالقوات الدائمة لمكافحة الألغام.
ويتجاوز هذا التطور الجانب الرمزي، فهو يُظهر أن الجيش الأوكراني لا يكتفي بتلقي الدعم، بل يتحول تدريجيًا إلى مساهم رئيسي في الأمن الأوروبي.
منذ بداية الغزو الروسي، اكتسبت أوكرانيا خبرة عسكرية فريدة في مجالات الدفاع الجوي في ظل الهجمات المكثفة، والطائرات المسيّرة بعيدة المدى، والمسيّرات البحرية، والحرب الإلكترونية، والضربات في العمق، وإزالة الألغام، وحماية البنى التحتية، والتكيف السريع مع متغيرات ساحة المعركة.
وتحظى هذه الخبرة باهتمام مباشر من حلف الناتو.
فالتقنيات الأوكرانية التي طُورت تحت ضغوط قصوى يمكن أن تعزز صمود أوروبا أمام التهديدات المستقبلية. وتتعلم الجيوش الغربية الكثير من أوكرانيا، خصوصًا في مجالات الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والدفاع البحري.
وهذا يمثل تحولًا مهمًا في النظرة إلى أوكرانيا.
فهي لم تعد مجرد دولة تتلقى المساعدة من أوروبا، بل أصبحت مختبرًا استراتيجيًا وشريكًا قادرًا على جعل أوروبا أكثر قوة.
يكشف هذا الأسبوع طبيعة الحرب كما أصبحت عليه اليوم.
فعلى الأراضي الروسية، تستهدف أوكرانيا قدرات موسكو في مجالات النفط والخدمات اللوجستية والقواعد العسكرية والرادارات والأسطول والبنى التحتية ذات الاستخدام المزدوج.
وفي البحر الأسود، تحاول روسيا خنق أوكرانيا عبر استهداف السفن المدنية والموانئ وتجارة الحبوب.
وعلى الصعيد الدولي، تحشد كييف الدعم داخل الأمم المتحدة، وتعزز شراكتها مع لندن، وتعمّق اندماجها العملياتي مع معايير حلف الناتو.
وتبدو الاستراتيجية الأوكرانية متماسكة: إضعاف قدرة روسيا على مواصلة الحرب، والدفاع عن حرية الملاحة، وتعزيز التحالفات الضرورية لتحقيق سلام دائم.
أما الاستراتيجية الروسية، فهي متماسكة أيضًا، ولكن في اتجاه مدمر: ترهيب المدنيين، وقصف البنى التحتية، وتهديد التجارة العالمية، وتحويل الغذاء إلى أداة للضغط.
دخلت الحرب في أوكرانيا مرحلة أصبح فيها العمق الروسي عرضة للخطر.
فالطائرات المسيّرة الأوكرانية باتت قادرة على بلوغ مصافٍ تقع على بُعد يصل إلى 1500 كيلومتر من الحدود. والمراكز اللوجستية الروسية تحترق، والقرم المحتلة لا تزال تحت الضغط، والرادارات والمنشآت العسكرية تتعرض للقصف، كما لم تعد الشبكات الاقتصادية التي تغذي الحرب بمنأى عن الاستهداف.
وفي المقابل، تواصل موسكو الرد بالترهيب، من خلال مهاجمة الموانئ والسفن المدنية والحبوب والمدن والبنى التحتية الأوكرانية.
والفارق بين الجانبين جوهري.
فأوكرانيا تضرب للحد من قدرة المعتدي على مواصلة الحرب، بينما تضرب روسيا لمعاقبة بلد يرفض الخضوع.
ويؤكد هذا الأسبوع اتجاهًا أساسيًا: لن تبقى الحرب محصورة داخل الأراضي الأوكرانية، بينما تواصل موسكو قصف جارتها دون عقاب. روسيا هي التي بدأت هذه الحرب، وهي تكتشف اليوم كلفتها.
وكلما ارتفعت هذه الكلفة، ازدادت حاجة الكرملين إلى فهم أنه لن يحقق بالعدوان مكاسب تفوق ما يخسره يوميًا من جراء استمراره فيه.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية