آخر الأخبار

التمويل الأخضر في تونس : مبادرات تنتظر إطارا موحّدا

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تواجه تونس اليوم واقعًا مناخيًا لم يعد يحتمل التأجيل، إذ تتكرر موجات الجفاف، وتتصاعد الفيضانات المدمّرة، وتتراجع الإنتاجية الفلاحية تحت وطأة الضغط المتزايد على الموارد المائية.

وتتحمّل البلاد كلفة اقتصادية واجتماعية ثقيلة جراء هذا الواقع، ما يفرض على القطاع المالي، وفي مقدمته البنوك، الاضطلاع بدور محوري في قيادة التحوّل البيئي عبر توجيه رؤوس الأموال نحو مشاريع الطاقة المتجددة والبناء المستدام والنقل النظيف.

مفهوم يتشكّل ببطء

يغطي التمويل الأخضر مجموعة واسعة من الآليات المالية الموجهة لدعم المشاريع ذات الأثر الإيجابي بيئيًا، بدءًا من القروض المخصصة لخفض استهلاك الطاقة، مرورًا بتمويل الألواح الشمسية، وصولًا إلى السندات الخضراء. وتتصدّر “البنوك الخضراء” عالميًا هذا المسار، إذ تطوّر منتجات مالية مخصصة للتنمية المستدامة، بل تكافئ بعضها الأفراد الذين يختارون حلولًا صديقة للبيئة كالسيارات الكهربائية والمساكن الموفّرة للطاقة.

وتشهد تونس بدورها تناميًا ملموسًا لهذا الوعي، إذ شرعت عدة بنوك عمومية وخاصة في طرح منتجات خضراء، تشمل قروضًا لتمويل المباني المقتصدة في استهلاك الطاقة، وأخرى لاقتناء السيارات الهجينة، إلى جانب دعم مشاريع النجاعة الطاقية.

هذا ويتصدّر البنك المركزي التونسي الجهات الفاعلة في دفع هذا التوجه، إذ أدرج مسألة التغيّر المناخي ضمن سياساته منذ سنوات، وعزّز تعاونه مع المؤسسات المالية الدولية بهدف تسهيل نفاذ تونس إلى الصناديق الخضراء العالمية على غرار الصندوق الأخضر للمناخ. وأرسى البنك، منذ سنة 2022، إطارًا مؤسسيًا لتوجيه هذه التمويلات، ويتفاوض حاليًا بشأن قروض دولية يُخصَّص جزء منها لدعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة المستثمرة في المجال الأخضر.

غير أن نجاح هذا المسعى يبقى رهين منظومة متكاملة تتجاوز البنك المركزي وحده، وتستوجب إطارًا قانونيًا واضحًا، وحوافز جبائية مشجعة، وتنسيقًا فعليًا مع وزارتي الطاقة والبيئة، إلى جانب انخراط حقيقي من البنوك التجارية.

مبادرات واعدة تفتقر إلى الإطار الناظم

باشرت عدة بنوك تونسية خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، شملت قروضًا خضراء لتمويل كفاءة الطاقة ومشاريع الطاقات المتجددة، ومنتجات لدعم الحدّ من التلوث وترشيد الاستهلاك، وخطوط ائتمان مخصصة للشركات الراغبة في تحسين إدارتها للطاقة وتقليص نفاياتها، فضلًا عن قروض لاقتناء المركبات الكهربائية والهجينة وتشجيع البناء الأخضر.

وتستحق هذه الجهود التنويه، إلا أنها تظل متفرقة ورهينة إرادة كل بنك على حدة، في غياب إطار تنظيمي موحّد يحوّلها من مبادرات طوعية إلى سياسة قطاعية متكاملة.

في ذات السياق، تُسجّل تونس تأخرًا لافتًا مقارنة بعدد من الاقتصادات الناشئة في هذا المجال. ويتجلى ذلك أولًا في غياب تعريف رسمي وواضح لما يُعدّ “مشروعًا أخضر”، وهو ما يعرقل توحيد معايير التقييم والتمويل. ويضاف إلى ذلك محدودية النفاذ إلى الصناديق الدولية رغم ضخامة الاحتياجات التمويلية.

ويتّضح تعثّر الانتقال الطاقي بجلاء من خلال الأرقام، إذ لم تتجاوز حصة الطاقات المتجددة في تونس 4 بالمائة من إجمالي الإنتاج الكهربائي سنة 2022، في مقابل هدف رسمي يصل إلى 35 بالمائة بحلول سنة 2030، أي أن المسافة المتبقية لتحقيق الهدف تناهز 31 نقطة مئوية خلال أقل من عقد. ويترافق ذلك مع ظرف اقتصادي ضاغط، إذ لا تزال تداعيات جائحة كوفيد-19 حاضرة، فيما يقلّص التضخم المرتفع وضعف وتيرة النمو هامش المناورة المتاح أمام الدولة والبنوك على حدّ سواء.

ولتجاوز هذه العقبات، يبدو ضروريًا توضيح القواعد التنظيمية، وتحفيز الاستثمار الخاص، وتسريع رقمنة الخدمات المالية، وتوفير حوافز فعلية تدفع البنوك نحو توجيه حصة أكبر من محافظها الائتمانية للمشاريع الخضراء.

يبيّن الواقع أن البنوك التونسية أدركت أهمية التحدي المناخي وشرعت فعليًا في الانخراط فيه، غير أن المسار لا يزال في بداياته ويحتاج إلى ترسيخ مؤسسي أعمق. فالتمويل الأخضر لا ينبغي أن يبقى توجهًا ظرفيًا أو مبادرة تسويقية، بل يستوجب أن يتحول إلى خيار استراتيجي هيكلي مندمج في صلب السياسة الاقتصادية الوطنية.

ويستدعي بلوغ هذا الهدف التزامًا أقوى من الدولة، وتعبئة أوسع من البنك المركزي، وإرادة فعلية من المنظومة البنكية التجارية، فبدون منظومة تمويل أخضر متكاملة وفعالة، سيظل الانتقال البيئي في تونس رهين النوايا، فيما تستمر البلاد في تحمّل الكلفة المباشرة والمتصاعدة لتغيّر المناخ.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا