آخر الأخبار

انقطاعات الكهرباء: مقارنة إقليمية تكشف نقاط ضعف تونس

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

باتت عمليات القطع الدوري للكهرباء جزءًا من الحياة اليومية للتونسيين منذ منتصف شهر يوليو، وهو ما غذّى شعورًا بأن البلاد تواجه أزمة وطنية استثنائية. غير أن الوقائع تنفي ذلك: فعدة دول في المنطقة تشهد في الوقت نفسه انقطاعات أو ضغوطًا كبيرة على شبكاتها، بفعل موجات الحر الشديدة والهشاشة الخاصة بكل منظومة كهربائية. فمن ليبيا إلى مالطا، تتعرض الشبكات المتوسطية لضغط متزايد، بينما يواجه العراق، شرقًا، أزمة أشد بكثير، تفاقمت بسبب الحرب وانهيار إمداداته من الطاقة.

لكن وضع الأزمة في سياقها الإقليمي لا يعفي من المسؤولية. فتونس ليست البلد الأكثر تضررًا، ولا تواجه صدمة خارجية مماثلة لما يتعرض له العراق. أزمتها تكشف أساسًا عن نقاط ضعف وطنية قديمة، فاقمتها موجة الحر وتراجع هوامش استيراد الكهرباء من دول الجوار.

الأهم في دقيقتين

الأزمة ليست تونسية فقط. تشهد ليبيا والجزائر ومالطا والعراق، في الوقت نفسه، انقطاعات أو ضغوطًا شديدة على منظومات الكهرباء، بالتزامن مع درجات حرارة تجاوزت 40 درجة مئوية.

أوروبا ليست بمنأى عن الأزمة. ففي مالطا، العضو في الاتحاد الأوروبي، قدم رئيس الوزراء اعتذارًا علنيًا بعد عدة أيام من الانقطاعات.

الأسباب تختلف من بلد إلى آخر. فالعراق يتعرض لصدمة مرتبطة بالحرب فاقمت أزمة هيكلية قائمة أصلًا، بينما تواجه تونس خصوصًا نتائج سنوات من تأخر الاستثمارات، زادتها موجة الحر وتراجع إمكانات الاستيراد سوءًا.

الخروج من سياسة القطع له ثمن. فقد أوقفت مصر عمليات القطع المبرمج، لكن ذلك تم بفضل واردات ضخمة ومستدامة من الوقود.

المشهد الإقليمي في نظرة واحدة

البلد الوضع العامل المباشر الهشاشة الهيكلية تونس قطع دوري للكهرباء موجة الحر وذروة الاستهلاك هامش احتياطي ضعيف جدًا وتأخر في الاستثمارات الجزائر ضغط على الشبكة وتراجع كبير في هامش التصدير الحرارة وارتفاع الطلب المحلي توجيه القدرات أساسًا لتلبية احتياجات السوق الداخلية ليبيا انقطاع واسع شمل جزءًا كبيرًا من البلاد عطل في شبكة النقل وتوقف محطات توليد هشاشة البنية التحتية والانقسام المؤسسي مالطا انقطاعات متكررة على مدى عدة أيام حرارة قياسية وطلب غير مسبوق ضغط شديد على شبكة التوزيع العراق انقطاعات تستمر عدة ساعات الحرب، انهيار الصادرات، وتراجع إمدادات الغاز الإيراني عجز مزمن، نقص الاستثمار، وسوء الحوكمة مصر لا توجد حاليًا موجة انقطاعات مماثلة واردات ضخمة منعت اللجوء إلى القطع المبرمج تراجع إنتاج الغاز المحلي وكلفة مرتفعة على الميزانية

قدمت وكالة بلومبرغ في 22 يوليو أوسع قراءة للمشهد، مشيرة إلى أن انقطاعات الكهرباء تضرب شمال إفريقيا الغنية بالطاقة، من ليبيا إلى تونس والجزائر، في وقت تضع فيه درجات الحرارة التي تجاوزت 40 درجة مئوية البنية التحتية تحت ضغط شديد وتكشف نقائص الإمدادات.

وأبرزت الوكالة مفارقة واضحة: فالانقطاعات الواسعة وغير المعتادة تكشف صعوبة هذه الدول في تشغيل منشآت يعود عمر بعضها إلى عدة عقود، كما تكشف، في بعض الحالات، نقصًا حادًا في الوقود داخل منطقة تضم بعضًا من أكبر احتياطات الطاقة في العالم.

ليبيا: الانقطاع الشامل الذي تسعى الستاغ إلى تجنبه

يقدم الجار الشرقي مثالًا على السيناريو الذي تخشاه تونس. فبحسب وزارة الكهرباء الليبية، نقلًا عن بلومبرغ، تحولت الانقطاعات الدورية يوم الجمعة إلى عطب واسع شمل جزءًا كبيرًا من البلاد. وأدى خلل في أحد خطوط النقل غرب ليبيا إلى توقف محطات كبرى واضطراب إمدادات المياه. ثم حصلت طرابلس على موافقة القاهرة لتفعيل الربط الكهربائي العابر للحدود.

وتبرز هنا درسان للقارئ التونسي. أولًا، يؤكد تزامن اضطرابات الكهرباء مع تعطل جزء من شبكة المياه مدى اعتماد البنية المائية على الطاقة. ثانيًا، يذكر الانقطاع الواسع بأن القطع الدوري، رغم صعوبته، يظل إجراءً وقائيًا؛ وهو تحديدًا ما تؤكد عليه الستاغ عندما تصفه بأنه الحاجز الأخير قبل انهيار الشبكة.

الجزائر: المساندة التي تختفي في أسوأ توقيت

ينعكس الوضع الجزائري مباشرة على تونس. وقد أوضح الرئيس المدير العام للستاغ، فيصل طريفة، أن القدرات الكهربائية المتاحة في الجزائر «ضعيفة جدًا» ولا تستطيع تلبية الاحتياجات التونسية، لأن الجزائر تواجه الظروف المناخية نفسها وارتفاعًا ملحوظًا في طلبها الداخلي.

وتبدو الآلية صارمة: تعتمد تونس على واردات الكهرباء من الجزائر وليبيا لتغطية العجز، لكن هذه الهوامش تختفي تحديدًا عندما تجعلها موجة الحر ضرورية، فتضطر البلاد إلى الاعتماد على قدراتها الوطنية وحدها.

مالطا: المرآة الأوروبية

لا تتوقف موجة الانقطاعات عند حدود شمال إفريقيا. فقد غرقت العاصمة المالطية فاليتا في الظلام يوم الأربعاء، بعد يوم واحد من تقديم رئيس الوزراء روبرت أبيلا اعتذارًا «غير مشروط» عقب عدة أيام من الانقطاعات في أنحاء البلاد.

وبلغت الحرارة 43.3 درجة مئوية يوم السبت، وهو أعلى مستوى مسجل في شهر يوليو على الجزيرة، ثم بقيت قريبة من 42 درجة خلال الأيام التالية. وبحسب وكالة إيتالبريس، بقيت بعض المناطق دون كهرباء لأكثر من اثنتي عشرة ساعة. كما تضررت مباني الإدارة المركزية، ومنها مكتب رئيس الوزراء، إضافة إلى المتاجر والمنشآت السياحية.

وأرجعت شركة «إينيمالتا» العمومية الانقطاعات إلى أعطال في شبكة التوزيع سببها ارتفاع الحرارة القياسي والطلب غير المسبوق على الكهرباء. وأكد روبرت أبيلا أن المشكلة لم تكن في نقص الإنتاج، بل في أعطال أصابت شبكة التوزيع في مالطا وغوزو. كما أشار إلى استكمال خط ربط ثانٍ مع صقلية، وذكّر بأن حكومته استثمرت 161 مليون يورو في الشبكة منذ 2022-2023.

أوجه الشبه مع تونس لافتة: بلد متوسطي صغير، حرارة استثنائية، استخدام واسع للمكيفات، وشبكة تحت الضغط، من دون حرب يمكن استخدامها كتفسير. وفي مالطا كما في تونس، تطالب المعارضة بتعويضات للعائلات والمؤسسات، بينما يدور الجدل حول مدى مواكبة الاستثمارات لنمو الطلب.

العراق: أزمة أشد بكثير، لكن لأسباب مختلفة

على المستوى الإقليمي، يغير العراق حجم المقارنة بالكامل. فالاحتياجات الصيفية تبلغ 55 ألف ميغاواط، بينما لا تتجاوز القدرة الإنتاجية 28 ألف ميغاواط، أي بعجز قدره 27 ألف ميغاواط، وهو أكثر من خمسة أضعاف ذروة استهلاك الكهرباء في تونس.

أما التداعيات الإنسانية فهي على مستوى مختلف تمامًا. ففي الصيف الماضي، وقبل تفاقم الحرب، كانت محافظات وسطية مثل النجف وكربلاء والديوانية وبابل والمثنى تعاني ما يصل إلى اثنتي عشرة ساعة من انقطاع الكهرباء يوميًا، ما أدى إلى احتجاجات وإغلاق طرق واشتباكات مع قوات الأمن.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ إرجاع الأزمة إلى الحرب وحدها. فالعجز العراقي قديم، وهو نتيجة عقود من الصراعات والفساد ونقص الاستثمار، فضلًا عن اعتماد هيكلي على الغاز الإيراني الذي كان يساهم في تشغيل ما بين 30 و40 بالمائة من إنتاج الكهرباء في البلاد.

وقد لعبت الحرب دور المسرّع الكارثي: فمنذ إغلاق مضيق هرمز، تراجعت الإيرادات النفطية من نحو 6.7 مليارات دولار في فبراير إلى قرابة مليار دولار في مايو، أي بانهيار تجاوز 85 بالمائة، ما حرم الدولة من جانب كبير من الموارد اللازمة لشراء وقود بديل. وفي الوقت نفسه، انخفضت إمدادات الغاز الإيراني إلى مستويات أدنى بكثير من احتياجات محطات الكهرباء. وأعلنت بغداد عن برنامج بقدرة 7500 ميغاواط موزع على خمسة عشر مشروعًا للطاقة الشمسية.

مصر: انفراج حقيقي، لكن بكلفة مرتفعة

يوجد مثال معاكس، بشرط عدم تقديمه كنموذج مثالي. فمصر لم تتأثر بالموجة الحالية، رغم أنها طبقت منذ صيف 2023 قرابة عام كامل من عمليات القطع المبرمج. وقد أوقفتها بعد وصول شحنات من الغاز الطبيعي المسال، ضمن خطة واردات قُدرت بنحو 1.18 مليار دولار من الغاز والفيول الثقيل.

لكن هذا الانفراج يبقى مكلفًا للغاية، إذ تتفاوض القاهرة حاليًا على إمدادات قد تصل إلى ما بين 15 و18 شحنة من الغاز الطبيعي المسال شهريًا لعدة سنوات، في وقت يواصل فيه إنتاج الغاز المحلي التراجع.

وتظهر التجربة المصرية أن بإمكان الحكومة إيقاف القطع المبرمج بسرعة، شرط أن تتحمل كلفة كبيرة على الميزانية. لكنها لا تقدم حتى الآن دليلًا على حل هيكلي دائم.

حتى أوروبا الغنية ليست في مأمن

في فرنسا، لم تؤد موجة الحر إلى قطع وطني للكهرباء، لكنها خفضت إنتاج بعض المفاعلات النووية التي تعتمد على أنهار أصبحت مياهها أكثر سخونة أو أقل منسوبًا من أن تسمح بالتبريد في الظروف المعتادة.

وفي المملكة المتحدة، تعرضت الشبكة لضغوط قوية خلال موجة الحر في يونيو، لكن تم تجنب الانقطاعات بفضل الاحتياطات والشراء الاستعجالي والتبادل الكهربائي عبر الحدود. والفرق مع تونس لا يتعلق بدرجة التعرض للمناخ بقدر ما يتعلق بالاحتياطات المتاحة والربط الكهربائي والقدرة المالية على امتصاص الصدمة.

تشخيص الوضع التونسي بلا مجاملة

باتت العناصر الهيكلية للأزمة واضحة. فالقطاع الكهربائي التونسي لا يملك سوى هامش احتياطي محدود جدًا، نتيجة سنوات من التأخر في إنشاء قدرات إنتاج جديدة، بينما يرتفع الاستهلاك الوطني بنحو 5 بالمائة سنويًا.

وتعاني الستاغ، التي تنتج الغالبية الساحقة من الكهرباء اعتمادًا على الغاز الطبيعي المستورد أساسًا من الجزائر، صعوبات مالية منذ سنوات. كما تتهم النقابات الحكومات المتعاقبة منذ فترة طويلة بحرمان المؤسسة العمومية من الاستثمارات الضرورية.

ولا تزال الطاقات المتجددة تمثل نسبة ضعيفة من مزيج الكهرباء، بعيدًا عن الهدف الوطني المحدد بـ35 بالمائة بحلول 2030. وهناك مشاريع شمسية جديدة وربط كهربائي مع إيطاليا بقدرة 600 ميغاواط قيد الإعداد، لكن أيا منها لن يدخل الخدمة في الوقت المناسب لتخفيف ضغط الصيف الحالي.

أما على أرض الواقع، فالآلية معروفة: يبلغ الاستهلاك نحو 5000 ميغاواط خلال ساعات الذروة، بزيادة 30 بالمائة عن المعدل الطبيعي، بسبب الاستخدام المكثف للمكيفات. وتبلغ الذروة بين الساعة الثانية والخامسة بعد الظهر، عندما تعمل أجهزة التكييف بأقصى طاقتها وتدفع الطلب إلى أعلى مستوياته.

ماذا تكشف المقارنة؟

تقود المقارنة الإقليمية إلى خلاصة غير مريحة. فتونس ليست البلد الأكثر تضررًا، وليست ضحية كارثة خارجية تعفيها من مسؤولية خياراتها السابقة. وكما في مالطا، تكشف الحرارة الاستثنائية نقاط ضعف المنظومة الكهربائية من دون إمكانية الاستناد إلى الجغرافيا السياسية كتبرير. وكما حدث في مصر، ستكتشف تونس أن الخروج من الأزمة له ثمن.

حلول تونس معروفة: الطاقة الشمسية، والربط الكهربائي مع إيطاليا، والإنتاج الذاتي مع التخزين الذي بات منظمًا من قبل الستاغ. لكن كل هذه الحلول ستأتي بعد نهاية هذا الصيف.

لذلك، لا يتمثل السؤال الحقيقي في ما إذا كانت تونس حالة استثنائية، بل في الشكل الذي سيكون عليه صيف 2027.

درس هذه الأزمة

موجة الحر إقليمية، لكن القدرة على مقاومتها تعتمد على الاستثمارات والاحتياطات المتاحة والربط الكهربائي والقرارات التي اتُّخذت قبل اندلاع الأزمة.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا