آخر الأخبار

تونس – اللامركزية… خارطة الطريق التي طال انتظارها

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

تنطلق تونس، في إطار مخططها التنموي الممتد بين سنتي 2026 و2030، في تنفيذ حزمة إصلاحات هيكلية وجذرية غير مسبوقة تستهدف منظومة الوظيفة العمومية والإدارة والحوكمة، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في فلسفة الدولة تجاه إدارة مواردها البشرية والمالية على حد سواء.

وتندرج هذه الإصلاحات ضمن رؤية شاملة تسعى إلى تعزيز دور الدولة كرافعة للتنمية العادلة، عبر تحسين نجاعة الإدارة العمومية وترسيخ مبادئ الشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد، وهي أهداف تتقاطع مباشرة مع أولويات الاستقرار الماكرو-اقتصادي.

إصلاح شامل لمنظومة الموارد البشرية

تستجيب هذه الإصلاحات لضرورة اقتصادية ملحّة تتمثل في مواجهة الضغوط المتصاعدة على الميزانية العمومية وضمان استدامة المالية العامة، في وقت تحتاج فيه تونس إلى ترشيد الإنفاق دون المساس بجودة الخدمات. وتتجه الدولة، في هذا السياق، نحو الانتقال من منطق الرقابة التقليدية القائمة على التتبع الإجرائي، إلى رقابة الأداء التي تقيس الأثر الفعلي للإنفاق العمومي، بالتوازي مع تطوير مهارات تحليل المخاطر الكلية المرتبطة بالميزانية. ويُتوقع أن يُسهم هذا التحول المنهجي في تحسين كفاءة تخصيص الموارد العمومية، وهو ما يشكل أحد أهم محددات الانضباط المالي في أي برنامج إصلاح اقتصادي هيكلي.

تحتل منظومة التصرف في الموارد البشرية صدارة أولويات الإصلاح، إذ تعتزم الحكومة استكمال بناء منظومة التصرف التقديري عبر إصدار دليل مشترك لمهن الوظيفة العمومية، وصياغة بطاقات وصف وظيفية دقيقة، وإرساء نظام تقييم فردي جديد للأعوان يقوم على معايير الأداء والكفاءة. وتمضي السلطات، في موازاة ذلك، نحو مراجعة شاملة لقانون الوظيفة العمومية بهدف صياغة إطار قانوني جديد ونصوص ترتيبية مواكبة، تقضي على مختلف أشكال التشغيل الهش من خلال تسوية وضعيات الإنابة والتعاقد وعملة الحضائر، وهي خطوة تحمل بعداً اجتماعياً واقتصادياً مزدوجاً يمس مباشرة سوق الشغل العمومي.

وتشمل الإصلاحات أيضاً إعادة هيكلة عميقة لمنظومة التكوين في الوظيفة العمومية، عبر إصلاح جذري للمدرسة الوطنية للإدارة يقطع مع المقاربات الكلاسيكية، ويعتمد نظاماً مزدوجاً للتكوين يجمع بين الحضوري وعن بعد. وتستهدف الدولة، إلى جانب ذلك، إطلاق برامج نوعية لإدماج وتأهيل الأعوان المدمَجين حديثاً في الوظيفة العمومية، وإرساء منظومة للتكوين الإشهادي، وإحداث مختبر للتجديد في القطاع العام يواكب التحولات المتسارعة في أساليب الإدارة الحديثة.

اللامركزية ركيزة دستورية لتوزيع عادل للموارد

تعمل الدولة على مراجعة شاملة لهيكلة المصالح العمومية والمؤسسات ذات الصبغة الإدارية، تفعيلاً للمقتضيات الدستورية المتعلقة باللامركزية، من خلال اعتماد إطار مرجعي ينظم المصالح اللامحورية للوزارات وفق التقسيم الترابي الجديد. وتطلق السلطات، في هذا الإطار، منصة رقمية وطنية شاملة تعنى بتحيين كافة المعطيات المتعلقة بالهياكل الإدارية العمومية من وزارات وإدارات وهيئات ومؤسسات، بما يضمن انسجام توزيع الصلاحيات بين المستويات المركزية والجهوية والمحلية.

وتعتزم الحكومة كذلك إعداد إطار عام لضبط آليات التنسيق ومتابعة تنفيذ البرامج والمشاريع العمومية، عبر تدعيم منظومات البرمجة والتنفيذ المعروفة بـ”ترتيب 2.0″ و”أدب 2.0″، إلى جانب منظومة متابعة تقييم المشاريع “إنجاز”، في مسعى لتعزيز الشفافية في تتبع الإنفاق الاستثماري العمومي.

هذا وتضع الاستراتيجية التنموية المواطن في صلب اهتماماتها، إذ تلتزم الحكومة بتسريع مراجعة شاملة للإجراءات الإدارية، عبر تقليص جوهري للمطالبة بالتعريف بالإمضاء والنسخ المطابقة للأصل، والتوسع في الخدمات الإدارية الاستباقية، وإعادة تصميم النماذج والمطبوعات الإدارية. وتعمل السلطات، بالتوازي، على تعميم علامة الجودة “مرحبا” لتشمل نحو 200 هيكل عمومي معتمد بحلول سنة 2030 في المؤسسات ذات التماس المباشر مع المواطن.

وتقر وثيقة المخطط برنامجاً طموحاً لتركيز 29 دار خدمات رقمية بالبلديات خلال سنة 2026 وحدها، على أن يتم ابتداءً من سنة 2027 إحداث 10 دور خدمات رقمية إضافية سنوياً وتحويل 5 دور خدمات متعددة الشبابيك إلى دور خدمات رقمية، بما يضمن تغطية كافة الولايات. ويطمح هذا البرنامج إلى رفع نسبة التغطية الجغرافية للخدمات الإدارية ذات الأولوية من 67 بالمائة حالياً إلى ما يتجاوز 80 بالمائة في نهاية فترة المخطط، وهو مؤشر كمي يعكس التزاماً واضحاً بتقليص الفجوة الترابية في النفاذ إلى الخدمات العمومية.

التحول الرقمي: الرافعة الأفقية لحكومة إلكترونية موحدة

يشكل التحول الرقمي المحور الأفقي الذي يربط بين مختلف مكونات الإصلاح، إذ يراهن المخطط على توظيف التكنولوجيات الحديثة وفتح البيانات العمومية كأداة للمساءلة والشفافية. وتعمل الحكومة على دمج الخدمات الإلكترونية ضمن بوابة رقمية موحدة، مع إعطاء الأولوية لرقمنة القطاعات الأكثر التصاقاً بحياة المواطن، وعلى رأسها الصحة والنقل والتربية والتعليم والعدل والداخلية والمالية.

وتستكمل السلطات هذا المسار بإعداد دليل وطني للإرشادات الفنية للنفاذية الرقمية وإصدار علامة خاصة بها، بما يضمن توافق المنصات الحكومية مع المعايير الدولية. وتكشف هذه المنظومة المتكاملة، في مجملها، عن مقاربة اقتصادية كلية تربط بين الانضباط المالي وكفاءة الإدارة والعدالة الترابية، في رهان استراتيجي على إدارة عمومية حديثة قادرة على دعم تنافسية الاقتصاد التونسي وتحقيق التنمية المستدامة خلال العقد الجاري.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا