آخر الأخبار

23 طبقا لشخصين : الصورة التي تختزل هدر الطعام في الفنادق التونسية

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

عدّوها. فوق المفرش الأبيض في أحد الفنادق التونسية تتكدس أطباق من السلطات التي لم يُؤكل منها إلا القليل، والمعكرونة والكسكسي والخبز المتروك، والغلال التي لم تُمس، والحلويات التي بقي معظمها، إلى جانب أطباق أخرى لم يُستهلك منها سوى جزء صغير.

في المجموع، تظهر الصورة 23 طبقا ووعاء تقديم لشخصين فقط.

كان من السهل أن تُنسب هذه المشهدية، على نحو متسرع، إلى سائحين عابرين. غير أن التثبت الذي أجراه صحفي تونس الرقمية أظهر أن الطاولة كانت تخص حريفين تونسيين.

لكن جنسيتهما أقل أهمية من السلوك الذي تكشفه الصورة. فعندما يمنح البوفيه الحريف شعورا بأن كل شيء دُفع ثمنه مسبقا، قد يخلط البعض بين حرية العودة إلى الأطباق وبين ضرورة تذوق كل ما هو معروض.

الصورة في رقم واحد

ثلاثة وعشرون طبقا ووعاء تقديم لشخصين، ولا تزال كميات كبيرة من الطعام في عدد منها شبه untouched.

لا تسمح صورة واحدة، بطبيعة الحال، بوزن البقايا بدقة أو معرفة ما إذا كانت قد أُلقيت لاحقا أو فُرزت أو استُرجع جزء منها. لكنها توثق تكدسا غير عادي للطعام وتطرح سؤالا يتجاوز بكثير حالة هذين الحريفين.

حسابات «لقد دفعت الثمن»

يقوم البوفيه المفتوح وصيغة الإقامة الشاملة، في ذهن بعض الحرفاء، على منطق يكاد يكون تنافسيا: بما أن الوجبة مشمولة في سعر الإقامة، فلا بد من «استرجاع قيمتها».

عندها يتحول أخذ الطعام إلى استعراض، وتصبح الطاولة أشبه بسجل للغنائم، فيما قد يشعر الحريف الذي يكتفي بطبقين معقولين بأنه لم يستفد بما يكفي مما دفعه.

لم يعد الشخص يملأ طبقه لأنه جائع، بل لأنه يستطيع العودة إلى البوفيه مرات غير محدودة. وتصبح العين أكبر من المعدة، وينتهي الحساب الفردي الصغير إلى خسارة جماعية.

لكن دفع ثمن الدخول إلى بوفيه مفتوح لا يعني شراء الحق في الحكم على كل ما يوضع فوق الطاولة بأن ينتهي في القمامة.

ظاهرة عالمية وليست استثناء تونسيا

قبل تحويل هذه الصورة إلى درس موجّه إلى التونسيين وحدهم، يجب وضع الظاهرة في سياقها العالمي.

بحسب مؤشر هدر الغذاء لسنة 2024 الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، تم إهدار نحو 1.05 مليار طن من الغذاء خلال سنة 2022 على مستوى الأسر والمطاعم والتجارة.

وتمثل هذه الكمية قرابة خمس كل الغذاء المتاح للمستهلكين. وتتحمل الأسر 60% من الإجمالي، فيما يُهدر يوميا في العالم ما يعادل أكثر من مليار وجبة.

وتتسبب الخسائر وهدر الغذاء في تكلفة تقارب ألف مليار دولار سنويا للاقتصاد العالمي، كما تمثل ما بين 8 و10% من الانبعاثات العالمية للغازات الدفيئة.

الهدر على المستوى العالمي

1.05 مليار طن من الغذاء تم إهدارها خلال سنة 2022.

قرابة 19% من الغذاء المتاح للمستهلكين ينتهي ضمن النفايات.

ولا يقتصر الهدر، إذن، على البلدان الغنية. فالمعدلات المسجلة في البلدان ذات الدخل المرتفع والمتوسط لا تختلف كثيرا. والدخل وحده لا يفسر الظاهرة، إذ تؤدي عادات الاستهلاك وظروف حفظ الأغذية وتنظيم قطاع المطاعم دورا أساسيا أيضا.

الهدر في الفنادق التونسية سبق أن خضع للقياس

لا تعكس الصورة بالضرورة حالة معزولة. فبحسب دراسة للمعهد الوطني للاستهلاك تعود إلى سنة 2018، وأعيد نشر نتائجها في عدة وسائل إعلام تونسية، تنتج الفنادق في المتوسط نحو 0.7 كيلوغرام من النفايات الغذائية يوميا عن كل حريف.

ويشكل الخبز قرابة 40% من هذه النفايات. ورغم أن هذه التقديرات قديمة وأن تونس تحتاج إلى قياسات حديثة ومنتظمة تسمح بالمقارنة بين المنشآت، فإنها تؤكد أن المشكلة توجد تحديدا عند تقاطع الوفرة المعروضة والبوفيه المفتوح والكميات التي تُؤخذ من دون علاقة حقيقية بالشهية.

ويشكل غياب المعطيات الحديثة نقطة ضعف أساسية. فمن دون وزن دوري للنفايات ومؤشرات وطنية، يصعب معرفة ما إذا كان الهدر يتزايد أو يتراجع أو ينتقل من نوع من المنشآت إلى آخر.

تونس تهدر الخبز قبل غيره

للهدر الغذائي في تونس علامة محلية مؤلمة بصورة خاصة: الخبز.

بحسب معطيات المعهد الوطني للاستهلاك المنشورة سنة 2026، يتم التخلص من قرابة 900 ألف قطعة خبز يوميا في تونس، بما يعادل خسارة تقدّر بنحو 100 مليون دينار سنويا.

والمفارقة قاسية. فالبلاد توظف الدعم والعملة الصعبة لتأمين حاجياتها من الحبوب، ثم تترك جزءا من الخبز المنتج ينتهي في نفايات المنازل والمطاعم والفنادق.

المفارقة التونسية

تخصص تونس موارد عمومية وعملة صعبة لتأمين احتياجاتها من الحبوب، بينما يقدّر هدر الخبز بنحو 100 مليون دينار سنويا.

والخبز حاضر أيضا فوق الطاولة الظاهرة في الصورة. فقد أُخذت عدة قطع وأرغفة صغيرة ثم تُركت، وكأن مجرد توفرها بكثرة أفقدها قيمتها.

هل يشجع البوفيه نفسه على الإفراط؟

مسؤولية الحرفاء واضحة، لكنها لا تكفي وحدها لتفسير الظاهرة.

يقوم البوفيه على إخراج بصري للوفرة. فهو يعرض كميات كبيرة، ويضاعف الخيارات، ويربط ضمنيا بين كرم المنشأة وحجم الطعام المعروض.

وكلما بدا العرض أكبر، شعر الحريف بأنه مطالب بالاستفادة من كل شيء. وهكذا يحول هذا النموذج قرارا غذائيا عاديا، أي اختيار ما يرغب الشخص فعلا في تناوله، إلى خوف من تفويت فرصة.

وينشأ الهدر من التقاء منطقين: حريف يريد استرجاع قيمة ما دفعه، ومنشأة مطالبة بإظهار وفرة دائمة.

والاعتراف بهذه المسؤولية المشتركة لا يعني تبرئة السلوك الفردي، بل يمنع اختزال مشكلة هيكلية في شخصين فقط.

في دول أخرى، لم تعد حملات التوعية كافية

بدأت عدة دول في تجاوز الاكتفاء بالرسائل الأخلاقية وحملات التوعية.

ففي الصين، يسمح قانون مكافحة هدر الغذاء الصادر سنة 2021 للمطاعم بفرض مساهمة مالية على الحرفاء الذين يتركون كميات مفرطة، شرط الإعلان بوضوح عن القواعد. كما يعاقب المؤسسات التي تدفع المستهلكين إلى الطلب المبالغ فيه.

وفي فرنسا، يتعين على المطاعم تمكين الحرفاء، عند الطلب، من أخذ الطعام الذي لم يستهلكوه. لكن عروض الأكل المفتوح مستثناة صراحة من هذا الالتزام، لأن دفع ثمن الدخول إلى البوفيه لا يعني امتلاك كل ما هو معروض فيه.

وتبين التجربتان أن أي سياسة لمقاومة الهدر يجب أن تميز بين المطعم التقليدي والبوفيه المفتوح، لأن القواعد نفسها لا يمكن تطبيقها آليا على النموذجين.

من يجب أن يقود الاستجابة في تونس؟

لا ينبغي أن تخضع الاستجابة لوزارة واحدة فقط، لكن الجهة الطبيعية لقيادة الملف هي وزارة السياحة عبر الديوان الوطني التونسي للسياحة.

يتولى الديوان تطوير القطاع السياحي وتنظيم النشاط ومراقبته. كما أن خفض الهدر في الفنادق يرتبط مباشرة بجودة إدارة المؤسسات وكلفتها وصورتها واستدامة الوجهة السياحية التونسية.

وينبغي أن تتولى الوزارة المكلفة بالبيئة الإشراف الفني المشترك، لأن بقايا الطعام تتحول لاحقا إلى نفايات عضوية يجب قياسها وتنظيم معالجتها وتطوير طرق تثمينها.

أما وزارة التجارة والمعهد الوطني للاستهلاك، فيحتفظان بدور مهم في توعية الحرفاء وحماية المستهلك. ويصبح تدخلهما ضروريا إذا فكرت تونس مستقبلا في تنظيم مساهمة مالية تُفرض عند ترك كميات مفرطة بصورة واضحة.

ولا يمكن لكل مؤسسة أن تبتكر مثل هذه المساهمة بصورة منفردة. بل يجب أن تقوم على معايير شفافة، وأن يُعلن عنها قبل الوجبة، وألا تتحول إلى وسيلة لإضافة رسوم خفية إلى الفاتورة.

التوزيع الأنسب للأدوار

الجهة القائدة: وزارة السياحة والديوان الوطني التونسي للسياحة، بالنسبة إلى القواعد المطبقة داخل المؤسسات الفندقية.

الإشراف الفني المشترك: الوزارة المكلفة بالبيئة، لقياس النفايات الغذائية وإدارتها.

الدعم: وزارة التجارة والمعهد الوطني للاستهلاك، للتوعية وإعلام المستهلك وتنظيم أي مساهمة مالية محتملة.

الصورة لا يجب أن تتحول إلى محكمة

سيكون من السهل تحويل الحريفين إلى رمز لكل ما لا يسير على ما يرام، أو التشهير بهما، أو جعل جنسيتهما محور القصة.

لكن ذلك سيُفقد الموضوع جوهره. فقيمة الصورة تكمن في أنها تجعل سلوكا يعرفه الجميع مرئيا: أطباق مكدسة، وبضع لقيمات مستهلكة، ثم عودة جديدة إلى البوفيه.

يجب الحفاظ على هوية الحريفين والمؤسسة الفندقية، ما لم يوجد سبب واضح يتعلق بالمصلحة العامة يبرر الكشف عنها. فالهدف ليس وضع أشخاص في قفص الاتهام، بل فتح نقاش بشأن القواعد الجماعية.

ولا تلغي هذه الحيطة المسؤولية الفردية. فأخذ كمية تفوق القدرة على الأكل يظل قرارا شخصيا. البوفيه يسمح بالعودة، لكنه لا يجبر أحدا على تحويل طاولته إلى معرض للأطباق المتروكة.

استراتيجية وطنية قبل التفكير في الغرامات

قبل اتخاذ قرار بشأن فرض مقابل مالي على البقايا، يجب على تونس أن تبدأ بقياس حجم الظاهرة بدقة داخل الفنادق، وتحيين البيانات المتوفرة، ووضع منهج موحد.

من دون مؤشرات موثوقة، قد تتحول الغرامة إلى مجرد أداة اتصالية. أما إذا توفرت معطيات دقيقة، فقد تصبح جزءا من سياسة أوسع تجمع بين الوقاية وتحميل المسؤولية والحد الفعلي من النفايات.

لذلك لا يجب أن ينحصر النقاش بين العقوبة والتوعية. فالسؤال الحقيقي يتعلق بقدرة الدولة والمهنيين والمستهلكين على إعادة قيمة اقتصادية وأخلاقية إلى غذاء يصبح غير مرئي تقريبا وسط الوفرة.

الخلاصة

لا تحتاج تونس، على الأرجح، إلى إلغاء البوفيهات، لكنها تحتاج إلى تغيير القاعدة الضمنية التي ترافقها.

يجب أن تعني عبارة «مفتوح بلا حدود» أن الحريف يستطيع العودة عندما يظل جائعا، لا أن عليه تكديس الأطباق حتى يشعر بأنه استرجع قيمة إقامته.

قد لا تكون طاولة الأطباق الثلاثة والعشرين سوى مشهد من بين مشاهد كثيرة، لكنها تختزل المفارقة بوضوح: في بلد ينفق لإنتاج غذائه واستيراده ودعمه، تكفي وفرة مؤقتة داخل بوفيه حتى يفقد الطعام قيمته.

أبرز ما يجب تذكره

دفع ثمن البوفيه يمنح الحريف حق العودة إلى الطعام. لكنه لا يمنحه الحق الأخلاقي في ملء 23 طبقا ثم ترك جزء كبير منها.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا