أكدت مديرة مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس، ريم فيالة، أن نتائج دراسة عالمية حول التطلعات الديمغرافية للشباب تُظهر أن الشباب التونسي لا يزال متمسكاً بفكرة الزواج وتكوين الأسرة والإنجاب، إلا أن التحديات الاقتصادية، وفي مقدمتها صعوبة الحصول على السكن، أصبحت تمثل العائق الرئيسي أمام تحقيق هذه الطموحات.
وجاءت تصريحات ريم فيالة على هامش عرض نتائج دراسة أنجزها صندوق الأمم المتحدة للسكان في 73 دولة وإقليماً، من بينها تونس، وشملت 108 آلاف و926 مشاركاً تتراوح أعمارهم بين 18 و39 سنة.
وتهدف الدراسة إلى فهم تطلعات الشباب بشأن أهدافهم الحياتية، وتكوين الشراكات، والإنجاب، ورؤيتهم للمستقبل، بما يساعد صناع القرار على وضع سياسات وبرامج تستجيب لاحتياجاتهم.
وقالت فيالة إن الدراسة جاءت في ظل تزايد النقاشات حول تراجع معدلات الخصوبة وعزوف الشباب عن الزواج، إلا أن نتائجها تكشف صورة مختلفة، إذ تبين أن الشباب ما زالوا يطمحون إلى تكوين أسر، لكنهم ينتظرون توفر الظروف المناسبة لتحقيق ذلك.
تفاؤل رغم التحديات
وأظهرت الدراسة أن الاستقرار المالي والصحة الجسدية والنفسية يمثلان أهم أولويات الشباب، متقدمين على العديد من الاعتبارات الاجتماعية التقليدية.
وفي المقابل، كشفت النتائج أن الشباب يواجهون مخاوف متزايدة تتعلق بالنزاعات العالمية، والأزمات الاقتصادية، والتحديات الصحية والبيئية، إضافة إلى اتساع مظاهر عدم المساواة.
وفي تونس، اعتبر 68.1 بالمائة من المستجوبين أن النزاعات العالمية تمثل أحد أبرز التحديات التي تهدد مستقبلهم. الزواج وتكوين الأسرة ما يزالان أولوية وأوضحت ريم فيالة أن الدراسة تنفي فكرة عزوف الشباب عن الزواج، إذ أظهرت أن أغلبهم ما زال يرغب في تكوين أسرة.
كما بينت النتائج أن الزواج والعيش المشترك يمثلان الشكل المفضل للعلاقات لدى 36.7 بالمائة من الشباب.
وأضافت فيالة أن الرسالة الأساسية للدراسة هي أن الشباب لا يرفضون الزواج أو الإنجاب، بل يبحثون عن ظروف تضمن لهم الاستقرار والقدرة على تحمل مسؤوليات الأسرة.
طفلان... النموذج الأسري المفضل
وفي ما يتعلق بالإنجاب، أظهرت الدراسة أن النموذج الأسري المفضل لدى أغلب الشباب في العالم، بما في ذلك الدول العربية، يتمثل في إنجاب طفلين، بينما ترتفع الرغبة في الأسر الأكبر حجماً في بعض دول غرب ووسط أفريقيا.
وأكدت ريم فيالة أن العامل الاقتصادي، وخاصة صعوبة الحصول على السكن، يمثل العقبة الأولى أمام الشباب في تونس، مشيرة إلى أن هذه التحديات تؤثر بشكل مباشر في قرارات الزواج والإنجاب.
وأضافت أن الجانب الإيجابي للدراسة يتمثل في استمرار تفاؤل الشباب وتمسكهم بالأمل ورغبتهم في تكوين أسر، معتبرة أن هذه النتائج توفر لصناع القرار قاعدة مهمة لفهم تطلعات الشباب وبناء سياسات تستجيب لواقعهم، بدلاً من الاكتفاء بقراءة المؤشرات الديمغرافية دون فهم أسبابها.
توصيات تدعو إلى الاستثمار في الشباب
وشددت مديرة مكتب صندوق الأمم المتحدة للسكان في تونس على ضرورة الاعتماد على البيانات والدراسات المعمقة لفهم التحولات الديمغرافية، وعدم الاكتفاء بالأرقام المجردة، مثل معدلات الخصوبة، دون تحليل العوامل التي تقف وراءها.
ودعت إلى تبني سياسات وطنية تعزز استقلالية الشباب وتمكنهم من تحقيق تطلعاتهم الأكاديمية والمهنية، مع تعزيز المساواة بين النساء والرجال، وإشراك الشباب في صياغة السياسات التي ترسم مستقبلهم.
كما أوصى التقرير بالاستثمار في السكن الميسور التكلفة، وتحسين الخدمات والبنية التحتية، وتوسيع فرص العمل والتعليم، والحد من الأعباء الاقتصادية والمالية التي تعيق الزواج وتكوين الأسرة، بما يضمن للشباب فرصاً متكافئة لبناء مستقبلهم.
واختتمت ريم فيالة بالتأكيد على أن الرسالة الأبرز للدراسة هي أن الشباب ما زالوا يؤمنون بالزواج والأسرة والإنجاب، لكن تحقيق هذه الطموحات يتطلب توفير بيئة اقتصادية واجتماعية أكثر استقراراً، وسياسات تستجيب لتطلعاتهم وتدعم حقهم في بناء مستقبلهم.
نسرين علوش
المصدر:
جوهرة