هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل
تواجه تونس اليوم تحدّياً لا يتعلّق بقدرتها على التصدير بحدّ ذاتها، بل بطبيعة ما تصدّره فعلياً فلا يزال الاقتصاد الوطني متمركزاً حول عدد محدود من المنتجات والأسواق، وهو ما يحدّ من هوامش نموّه المستقبلية.
ويتّضح، عند تفحّص المعطيات المتاحة، أنّ مسار التنويع المنشود لن يتحقّق فقط عبر فتح وجهات جغرافية جديدة، لكن بالأساس من خلال توسيع قاعدة العرض الإنتاجي، ذلك أنّ تونس تملك بالفعل القدرات الكامنة لإنتاج ما يقارب ألف منتج جديد غائب حالياً عن سلّة صادراتها، في وقتٍ تُبدي فيه أسواق مثل القارة الإفريقية طلباً متزايداً عليها.
إرث تصديري قوي بدأ يتآكل
بنت تونس، على مدى عقود، نموذجها التصديري على ركائز معروفة تتمثّل في الصناعات الميكانيكية والكهربائية والنسيج والملابس والجلود، وهي قطاعات ظلّت لفترة طويلة كافية لضمان أداء تصديري مقبول. غير أنّ هذه المنظومة بدأت تُظهر علامات هشاشة متراكمة منذ سنة 2011، إذ تراجعت القدرة التنافسية وتفاقم العجز التجاري، مع استمرار اعتماد شبه كلّي على السوق الأوروبية.
وتؤكّد أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء هذا التمركز بوضوح، حيث استوعب الاتحاد الأوروبي وحده نحو 70.5% من إجمالي الصادرات التونسية خلال الأشهر العشرة الأولى من سنة 2025، بقيمة تجاوزت 36.7 مليار دينار، فيما بلغت الصادرات الإجمالية للبلاد خلال الفترة ذاتها أكثر من 52.2 مليار دينار مقابل واردات فاقت 70.6 مليار دينار، ما أفضى إلى عجز تجاري بلغ نحو 18.4 مليار دينار ونسبة تغطية لم تتجاوز 73.9%
نحو ألف منتج جديد في المتناول
تعتمد المقاربة المقترحة لتجاوز هذا التمركز على أداة تحليل اقتصادي ارتكزت عليها دراسة نشرت مؤخرا ترسم خريطة الروابط بين المنتجات وفق المعارف والمهارات اللازمة لإنتاجها، انطلاقاً من فكرة بسيطة مفادها أنّ البلد الذي يتقن إنتاج سلع معيّنة يكون قادراً، بشكل طبيعي، على الانتقال إلى إنتاج سلع أخرى قريبة منها تقنياً، تماماً كما يسهل على عازف الغيتار الماهر تعلّم آلة موسيقية قريبة من تخصّصه مقارنة بأخرى مختلفة كلياً.
وتكشف نتائج تطبيق هذه المنهجية على الحالة التونسية عن إمكانات واسعة، إذ يمكن للبلاد إنتاج نحو 980 منتجاً بشكل تنافسي اعتماداً على قدراتها الصناعية الراهنة، دون الحاجة إلى تحوّلات هيكلية جذرية. وتزداد هذه المؤشرات دلالة عند العلم بأنّ هذه المنتجات الـ980 تمثّل في المتوسط نحو 70% من واردات القارّة الإفريقية، أي أنّ إفريقيا تبحث فعلياً عمّا يمكن لتونس أن تتعلّم إنتاجه وتسويقه.
الآلات والكيمياء: قاطرتا المرحلة المقبلة
لا تحظى جميع هذه المنتجات بالأهمية ذاتها، إذ يبقى بعضها بسيطاً ومحدود القيمة المضافة على غرار بعض المنتجات الفلاحية الأساسية، بينما تتطلّب منتجات أخرى مستوى معرفياً أعلى وتوفّر عوائد أكبر وتفتح الباب أمام صناعات أكثر تعقيداً مستقبلاً.
ويبرز، عند ترتيب هذه الفرص وفق درجة التعقيد وآفاق النمو بدل الحجم وحده، قطاعان أساسيان هما الآلات والإلكترونيات من جهة، والصناعات الكيميائية من جهة أخرى، باعتبارهما منصّة محتملة للارتقاء الصناعي التدريجي. وتضمّ قائمة أفضل عشرين فرصة تصديرية محدّدة تسعة منتجات من قطاع الآلات وسبعة من القطاع الكيميائي وأربعة منتجات معدنية، فيما تتصدّر جنوب إفريقيا ومصر قائمة الأسواق الإفريقية المستوردة لهذه الفئات الثلاث، إلى جانب نيجيريا وأنغولا وتنزانيا وكينيا.
ويُلاحظ في هذا السياق أنّ الصادرات التونسية نحو عدد من الأسواق الإفريقية سجّلت بالفعل نمواً لافتاً خلال الأشهر الأولى من سنة 2025، إذ ارتفعت نحو مصر بنسبة 35%، ونحو المغرب بنسبة 36.1%، ونحو الجزائر بنسبة 10.4%، ونحو ليبيا بنسبة 4.4%، وهو ما يعكس هامشاً واعداً لتوسيع رقعة الحضور التونسي في القارّة.
وقد نجحت تونس، خلال الفترة الممتدة بين 2006 و2021، في تطوير اثنين وعشرين منتجاً جديداً أساساً في مجالي الإلكترونيات والنقل، وهي خطوة إيجابية تبقى مع ذلك محدودة مقارنة بحجم الإمكانات المتاحة، إذ تحتلّ تونس المرتبة 45 من أصل 133 دولة وفق مؤشر التعقيد الاقتصادي العالمي، وهو ترتيب قابل للتحسين بشكل ملموس، خصوصاً أنّ قطاعي الآلات والكيمياء أظهرا مؤخراً ديناميكية متصاعدة، إذ نمت صادرات الصناعات الميكانيكية والكهربائية بنسبة 7.7% وصادرات المناجم والفوسفات ومشتقاته بنسبة 9.4% خلال العشرة أشهر الأولى من سنة 2025 مقارنة بالفترة ذاتها من السنة السابقة.
عوائق قائمة تحتاج إلى معالجة متزامنة
لا يعني امتلاك الإمكانات بالضرورة تحقيق النتائج تلقائياً، إذ تعترض دخول هذه المنتجات إلى الأسواق الإفريقية جملة من العوائق أوّلها الحواجز الجمركية المرتفعة نسبياً في عدد من البلدان، إلى جانب قيود تنظيمية صارمة وحواجز غير جمركية متعدّدة في قطاعات كالكيمياء والإلكترونيات، من معايير تقنية وشهادات مطابقة وإجراءات إدارية معقّدة.
وتتفاقم هذه التحديات في ظلّ منافسة صينية قوية تتمتّع بحضور راسخ في القارّة وخبرة واسعة في التعامل مع بيئاتها التنظيمية، وهو ما يفسّر جزئياً تصدّر الصين قائمة الشركاء الذين تسجّل معهم تونس عجزاً تجارياً. وتستدعي مواجهة هذه العقبات تحرّكاً متزامناً على مستوى الشركات، عبر الاستعداد المسبق لمتطلبات المطابقة والرصد المستمر للتشريعات في الأسواق المستهدفة والاستفادة من مؤسسات دعم التصدير وإنشاء مكاتب تمثيل تجاري في إفريقيا، وعلى مستوى الدولة، عبر تعزيز الدبلوماسية الاقتصادية وتطوير البنية اللوجستية وتبسيط الإجراءات الجمركية بالرقمنة، مع إيلاء اهتمام خاص للمؤسسات الصغرى والمتوسطة الناشطة في السوق المحلية والتي لا تتمتّع بنفس الامتيازات الجبائية والديوانية الممنوحة للمؤسسات الموجّهة كلياً للتصدير رغم تشكيلها العمود الفقري للنسيج الصناعي الوطني.
قطعت تونس بالفعل أشواطاً مهمّة على المستوى المؤسساتي، بدءاً من حصولها على صفة ملاحظ لدى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا سنة 2017، مروراً بتوقيع اتفاقية الكوميسا سنة 2019، وصولاً إلى الانضمام إلى منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية سنة 2020. ويبدو الإطار العام، بهذا المعنى، جاهزاً بدرجة كبيرة، فيما يبقى الرهان الحقيقي معلّقاً على ترجمته إلى واقع اقتصادي ملموس، منتجاً بمنتج، وسوقاً بسوق، ومؤسسةً بمؤسسة، في مسار قد يمنح الاقتصاد التونسي، إذا ما أُحسن تسييره، فرصة نادرة لإعادة التموقع ضمن سلاسل القيمة الإفريقية الصاعدة.
هل أعجبك محتوانا؟
أضف تونس الرقمية كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية