صادرة عن دار عناوين بوكس، القاهرة 2026. للأديب العربي أحمد محمد عبده. توزعت صفحات الرواية إلى خمسة مراحل، وفصل أخير.
"أسطورة الجناين"، عنوان لافت، ومعبر وإن تمنيت لو أن عنوان الرواية كان "السبت الحزين"، ليس لشيء إلا ليعبر عن مضامين هذا العمل، فضوء الكاتب تركز على زاوية لم تتطرق إليها أي رواية من قبل، إذ أنه ركز على شخصيات هضم حقها رغم عظمة تضحياتها، مقدما شخصية نسائية هضم حقها بسرد حكايتها بصدق فني مشوق بعيداً عن الخيال المفرط، ناسجا سرد الحكاية من وقع معيشته كمقاتل في جبهات صد العدوان، ما بذر تساؤلات عدة من الناحية الاجتماعية والوطنية، والإنسانية.
الفضاء المكاني
إن أكثر ما يشد القارئ هو ذلك الفضاء المكاني الممتد بطول قناة السويس حيث دارت أحداث الرواية، بداية من المركز قرية "أبو عطوة" إحدى قرى ريف شرق مصر، ومع تصاعد الأحداث تنتقل الأحداث إلى مواقع أخرى منها: بر قناة السويس الغربي، تفرة، الدفر سوار، عزبة الضبعة، عزبة غصين، القنطرة، بور سعيد، سرابيوم، كبريت، فايد، أبو رديس، سيناء، جبل مر، التل الكبير، إسماعيلية، وادي خيران، فاقوس، سوهاج...
وعلى طول وعرض مواقع تلك الأمكنة أستمر أحمد عبده ينتقل بقارئه لينسج تداخل علاقات شخصياته على امتداد جغرافية الحروب، تلك التي توالت على مصر من العدوان الثلاثي 56 إلى حرب 76 حرب الاستنزاف، ثم آخر الحروب 1973.
الشخصية المحورية
فإذا كانت خضرة أم إبراهيم، هي الشخصية المحورية لهذه الرواية، حيث مثلت الخلفية التاريخية كرمز للمرأة المصرية، في حب وطنها أرضا وشعبا من خلال ما قدمته من تضحيات، ولم يكن دافعها المال أو السلطة كما هم غيرها من الموكلين إليهم إدارة الحرب ضد العدو، بل بدافع ذاتي نابع من إيمانها بحب أرضها ومجتمعها. فإن خضرة بأدوارها مثلت الشخصية ذات الموضوع المحوري، و"راشد" مثل الشخصية المحورية ذات الحركة الدينماكية الواعية الباحثة عن الحقيقة. وراشد الطالب في مدرسة "البطل الوحيد الثانوية المشتركة" بقرية أبو عطية، شاب في مقتبل العمر.
بدأ الكاتب روايته من خلال وصفه لإيقاع الحياة في القرية، مركزا على وضع المدرسة وسير التعليم فيها كنموذج لحال التعاليم في مصر، حيث يصور لنا إطلالة طلاب المدرسة من خلف نوافذها، يتابعون حاوي يقوم بألاعيبه البهلوانية في الشارع المقابل، والمفارقة أن طلاب المدرسة يتابعون ذلك الحاوي معظم ساعات النهار الدراسي، ما يدفع القارئ للتساؤل حول التعليم، ودور الإدارات والمدرسين في ملئ يوم الطلاب بالتحصيل العلمي.
ينقلنا الكاتب إلى مشهد خروج الطلاب نهاية النهار، ومرور راشد وصديقه حسان من أمام بوابة متحف الدبابات، ذلك المتحف الذي يضم عدة قطع حربية مما غنمه الجيش المصري أثناء المواجهات في خرب 73، أثناء مرورهم لفت مسامعهما أصوات جهورية بداخل المتحف، وتجمهر على غير العادة، ليعرفوا بأن رحلة نُظمت لقداما المحاربين ممن قاتلوا في هذا القطاع وضمنه قرية "أبو عطوة"، دخلا يقودهما صوت أحدهم إلى الداخل، رجل سبعيني يتحدث إلى جموع افترشوا نجيل الأرض، يحدثهم عن زمن مضى أيام ما كان ملازم في الجيش بينما صوت الحاوي على الناحية الأخر من الشارع، يتداخل صوته مع صوت اللواء الذي يخطب الناس من أرض الواقع قائلاً: "اتحدت معكم اليوم برتبتي التي كنت أحارب بها، لا أقول لكم اللواء، أنا الملازم عدلي رئف كنت أحارب اليهود على هذه الأرض... وكان معنا هنا على أرض المعركة وبين أشجار الجناين من أهل القرية كائن كالشبح، امرأة بمئة رجل، هي خضرة- أم إبراهيم- وقد أطلقنا عليها وقتها لقب أم الصاعقة..." مع ذكر ذلك الاسم توالدت في عقل راشد التساؤلات، وقد أستمر يسمع ما يقوله المحارب القديم عن بطولاتها، وأرتفع صوته بانفعال وعصبية وكأنه غاضب من شيء. ليأتي صوت موظف المتحف منبها للمتحدث "يافندم أرجوك.. القائد سيوقع علي جزاء، التعليمات ممنوع الكلام في هذه الأمور" وما أن أنهى حديثه حتى صعد أحد المحاربين القدامى: كامل الشاهد، وتلاه الغمري، ثم إسماعيل الدغيدي... وكلما توغل أحدهم في التفاصيل سريعا ما يقاطعه أحد ضباط المتحف منبها له أن ممنوع الحديث في تفصيل ممنوع لأحد الخوض فيها.
لتزداد تساؤلات راشد حول حكاية خضرة أم إبراهيم التي يذكرونها ضمن أحاديثهم. وبعد خروجه من متحف الدبابات بدأ يبحث بين كبار السن من سكان القرية عما سمعه في خطب قدامى المحاربين، وفي بحثه وجد من يتحدث عن زمنها بداية بحسانين أبو جودة الذي حدثه عن طفولة خضرة، ثم تحدث عن امرأة أخر "أم رفاعي" لكنه لم يستفيض متسائلا" هل افرجوا ن الكلام حولها؟!"
بتـــر
في هذه الرواية يبذر الكاتب التساؤلات تاركا أبوابها مشرعة، فلماذا منع الحديث من قبل قدامى المحاربين عن تفاصيل الحرب، وحكايات نساء كان لمشاركاتهن أثر كبير على المحاربين في القرى المجاورة لقناة السويس، وما زاد استغراب راشد، أن كل من يبدأ بالحديث عن حكايات خضرة لا يكملون، بل ينصحه واحد بعد التالي بالذهاب إلى غيره بداية بأم الخير، وأم الخير تحدثه تذهب بحديثها حول امرأة أخرى اسمها فاطمة أم علي، ثم تنصحه بالذهاب إلى عبدالله عمار، وبدورة يبدأ الحكي ثم ينصحه أن يذهب إلى النقيب طارق النجار، وبعدة إلى الخالة زهية والحاجة رحمة... وهكذا كل منهم ما أن يبدأ بالحكي حتى ينصحه إلى آخر، وكأن المنع جاثم على عقول الدميع من بداية الرواية وحتى نهاياتها، بين من حضروا كلمات قداما المحربين وبين من بحث عنهم راشد من كبار السن من سكان القرية. لكنه عرف من حكاياتهم أن خضرة لم تكن الوحيدة من ساندت المقاتلين، فهناك فاطمة أم علي، وأم رفاعي، أم موسى سالمة شميط أو أم الفدائيين البدوية... وغيرهن إلا أن خضرة أم أبراهيم كان لها الدور البارز، بعربتها الكارو التي كانت تحمل أشلاء من كانوا يسقطون تحت حمى رصاص العدوان، كما كانت تعد الطعام من أطعمة خلفها عسكر العدو بعد فرارهم لأفراد المحاربين.
إلا أن سؤلا ظل يحير راشد: لماذا جميع من حدثوه لا يكملون
إلا أن سؤلا ظل يحير راشد: لماذا جميع من حدثوه لا يكملون حكايتهم، وإن كان أقسى ما سمعه أن خضرة أم إبراهيم وغيرها من النساء قد قُصت ألسنتهن حتى لا يتحدثن عن أيامهن وما قامن به.
الأديب أحمد عبده يدخل قارئه في متاهات متعددة، ما يدفع قارئه للبحث عن أجوبه، فالمنع مخيم، وبتر الألسن ساري، في الوقت الذي كان يفترض أن تكون لمن أبلن بلاء حسنا في الدفاع عن مصر من محاربين ومدنيين ذكرا، من خلال المنهج الدراسية، وإطلاق شوارع بأسمائهن... الخ!
الرواية تسلط الضوء على زوايا الخلل حول إهمال المحاربين القدامى، فمن كانوا يتحدثون بتذمر ونبرات الغبن والحسرة على أيامهم. ليتساءل القارئ أي نظام حماية للمواطن في ظل الحرب، وبالذات من ظلوا بالقرب من جبهات المواجهة، وهذه خضرة تقوم بدور ليس دورها، وفوق ذلك يتم نسيانها، حتى أن سكان قريتها لا يتذكرون عنها شي.
هنا يظهر دهاء الروائي وهو يبذر التساؤلات تلو التساؤلات، ثم لا يعطي القارئ جواب واحدا حتى نهاية الرواية، تاركا له أن يبحث محلقا في فضاءات التأويل. في الوقت الذي زرع في قلبه التعاطف مع أولئك النسوة اللاتي وصفت كل منهن بألف رجل. ثم أن يكتشف راشد أن تكون خضرة هي جدته، ذلك ما زاد من رمزية هذه المرأة وبقية النساء اللواتي كن يدعمن جنود المواجهة، أن يكُنَّ جدات للجميع.
تعدد الأصوات
لا يمكن إلا أن نذكر تقنية تعاقب الأصوات التي أستخدمها الكاتب، فراشد يحكي بعد العليم، ثم تأتي أصوات أخرى تحكي، بداية من قدماء المحاربين ومن كان يقصدهم راشد من سكان القرية: فتحي زهران، عدلي رائف، كامل الشاهد، الغمري، الحاج حامد عبد الستار، حسانين أبو جودة، عبدالله عمار، الحاج سعد، طارق النجار، سعد أبو العباس الخالة زهية الحاج محروش محسن العطار وعطية الله. ما أعطى لأحداث الرواية زخماً وتشويقا متوالي حتى النهاية.
رواية متعددة الدلالات، نسجها الكاتب بقدرة من يمتلك الخبرة السردية، ليدهش قارئه، فهناك الوصف الدقيق الذي يقدم مجتمع الرواية في صور سردية نابضة بالحيوية، وهناك الحوارات التي تُقرب الشخصيات ودرجات وعيها إلى القارئ.
رواية مختلفة في تجربة أديب متمرس، وذا تجدد دائم في وضع بصمته وفق مشروع روائي متميز.
الأديب أحمد عبده متنوع الإبداع: انجذب من صفوف العسكرية إلى الإبداع الأدبي والفنون الأخرى، وهو من قلائل العسكريين الذين عملوا على مشروع إبداعي. إذ صدر له ما يقارب الثلاثين إصدارا، توزعت على النحو الاتي: السياسية 3 كتب وفي أدب الحرب 8، وفي القصة 6، و9 روايات، إضافة إلى عدد من الأعمال تحت الطبع. كما حصد عدة جوائز، و ترجمت بعض أعماله الروائية إلى غير العربية. و نالت أعماله دراسات نقدية ومقاربات وقراءات من نقاد وأدباء داخل مصر وخارجها.
المصدر:
الشروق