آخر الأخبار

ترامب يعيد إطلاق الفسفاط المغربي.. وماذا عن تونس؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

أذن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعليق مؤقت لبعض الرسوم الجمركية المفروضة على الأسمدة الفسفاطية المستوردة من المغرب، في سياق توترات حادة تشهدها الأسواق الزراعية العالمية، تفاقمت بفعل حرب إيران والاضطرابات المحيطة بمضيق هرمز.

وفي إعلان نشره البيت الأبيض مساء الاثنين، أعلن الرئيس الأمريكي حالة طوارئ تتيح إدخال الأسمدة الفسفاطية المغربية مؤقتاً إلى السوق الأمريكية دون بعض رسوم مكافحة الإغراق والرسوم التعويضية.

ويُنتظر أن تستمر هذه الإجراءات لمدة أقصاها ثمانية أشهر، أو إلى حين رفع حالة الطوارئ، وهي تستند إلى الفصل 318 من قانون التعريفة الجمركية لسنة 1930، الذي يمنح الرئيس، في حالات الطوارئ، صلاحية السماح بواردات معفاة من الرسوم.

قرار مرتبط بنقص الأسمدة

تبرر واشنطن هذا القرار بالصعوبات التي يواجهها المزارعون الأمريكيون نتيجة ارتفاع التكاليف والتوترات في سلاسل التزود بالأسمدة.

ووفق الإعلان الرئاسي، فقد تعرضت سلاسل الإمداد العالمية الخاصة بالأسمدة الفسفاطية والمدخلات الضرورية لإنتاجها خلال الأشهر الأخيرة إلى اضطرابات بسبب عدة عوامل، من بينها النزاعات في مناطق الإنتاج، والقيود التجارية التي فرضتها بعض الدول الكبرى المنتجة، والتوترات على الطرق البحرية.

وقد زادت حرب إيران من حدة الضغوط. فبعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في 28 فيفري، ثم الردود الإيرانية ضد إسرائيل ودول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية، شهدت أسواق الأسمدة اضطراباً شديداً، خصوصاً أن جزءاً واسعاً من الإنتاج العالمي يتركز في الشرق الأوسط.

كما أن إغلاق مضيق هرمز، أو تعرضه لاضطرابات كبيرة، لا يهم فقط تجارة المحروقات، بل يطال أيضاً جزءاً مهماً من تجارة الأسمدة ومدخلاتها. وكان المستشار الاقتصادي للبيت الأبيض، كيفن هاسيت، قد أشار منذ شهر مارس إلى أن الإدارة الأمريكية تبحث عن مصادر توريد جديدة، في ظل التراجع الكبير للتدفقات القادمة من الشرق الأوسط.

وخلف هذا القرار، يقف لوبي زراعي يتعرض لضغوط متزايدة. فقد كانت الأسمدة الفسفاطية المغربية خاضعة إلى رسم تعويضي يقارب 20%، وتحديداً 19.97%، فُرض بطلب من المنتجين الأمريكيين Mosaic وSimplot.

وبحسب تحليل أجرته مجموعات زراعية، فإن هذا الرسم رفع تكاليف المزارعين الأمريكيين بنحو 6.9 مليارات دولار خلال المواسم الممتدة من 2021 إلى 2025، كما أدى إلى زيادة سعر ثنائي فسفاط الأمونيوم في الولايات المتحدة بنحو 28.6%.

وأظهر استطلاع أجراه اتحاد المزارع الأمريكي هذا الربيع أن سبعة مزارعين من كل عشرة يعتبرون أنهم لن يتمكنوا من توفير كميات كافية من الأسمدة هذا العام.

ولم يكن مفاجئاً أن ترحب المنظمات الزراعية بالإعلان، من اتحاد المزارع إلى منتجي الصويا والذرة، وهي منظمات طالبت منذ بداية جوان برفع هذه الرسوم. ومن جانبه، أقر دونالد ترامب بأن الإنتاج الأمريكي من الأسمدة الفسفاطية لا يكفي لتغطية الطلب الزراعي الوطني بعد احتساب الصادرات.

وتؤكد الإدارة الأمريكية أنها تعمل مع القطاع الخاص لتوسيع القدرات الوطنية، غير أن هذه الجهود ستحتاج إلى وقت حتى تُحدث أثراً ملموساً. وفي الأثناء، يبدو المغرب مورداً قادراً على تأمين شحنات منتظمة دون انقطاع.

المغرب.. عملاق عالمي في الفسفاط

اختيار المملكة المغربية ليس أمراً عابراً. فالمغرب يمتلك أكبر احتياطات عالمية من الفسفاط، بنحو 50 مليار طن متري، أي ما يقارب 70% من الاحتياطات المعروفة، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.

وعلى سبيل المقارنة، تأتي مصر بعيداً في المرتبة التالية باحتياطات تقدر بنحو 2.8 مليار طن. ويمنح هذا التركز المغرب موقعاً استراتيجياً بارزاً في سوق الأسمدة.

وفي سياق التوترات الجيوسياسية، تتحول هذه الثروة إلى رافعة حقيقية للقوة. فالأسمدة الفسفاطية ضرورية لزراعة الحبوب والفواكه والخضروات، وكذلك للمزارع الكبرى المكثفة.

وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن ضمان الوصول إلى هذه الأسمدة يعني حماية مباشرة لأمنها الغذائي واستقرار تكاليفها الزراعية.

أزمة عالمية في سوق الأسمدة

يندرج القرار الأمريكي ضمن أزمة أوسع. فالشرق الأوسط ينتج ويصدر جزءاً مهماً من المغذيات الزراعية المستخدمة عالمياً، وقد تسببت التوترات العسكرية في المنطقة في اضطراب حاد للأسواق.

ومنذ سنة 2020، صدرت دول الخليج ما قيمته نحو 50 مليار دولار من الأسمدة الآزوتية، وفق بيانات أوردتها وكالة بلومبيرغ، وهي تدفقات باتت اليوم معرضة لمخاطر الحرب وقيود الملاحة.

وتثير هذه الاضطرابات قلقاً خاصاً لدى الدول النامية. فارتفاع أسعار الأسمدة لفترة طويلة قد يدفع المزارعين إلى تقليص استخدامها، ما يؤدي إلى تراجع المحاصيل، وفي نهاية المطاف إلى ضغوط إضافية على أسعار الغذاء.

لذلك، فإن أزمة الأسمدة ليست مجرد مسألة تجارة دولية، بل تمس مباشرة الأمن الغذائي العالمي.

وماذا عن تونس؟ الجار الجالس فوق كنزه

بالنسبة إلى تونس، تتجاوز هذه القضية بكثير وضعية بلد مستورد للمواد الغذائية ومعرض لارتفاع الأسعار. فتونس ليست مجرد مشترٍ في هذه السوق، بل هي أيضاً منتج تاريخي للفسفاط. وهنا يكتسب قرار واشنطن، من زاوية تونسية، طعماً مرّاً.

ففي الوقت الذي يحوّل فيه المغرب أزمة هرمز إلى انتصار تجاري ودبلوماسي لصالح بطله الوطني، المجمع الشريف للفسفاط، تكتفي تونس بمشاهدة القطار وهو يمر، رغم أنها تجلس فوق ثروة تركتها تتراجع.

كانت تونس تنتج 8 ملايين طن من الفسفاط سنة 2010، وكانت حينها تحتل المرتبة الخامسة عالمياً. غير أن الإنتاج تراجع إلى نحو 3.6 ملايين طن سنة 2023، وفق هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، قبل أن يرتفع بصعوبة إلى حوالي 3.9 ملايين طن سنة 2025، حسب الأرقام المقدمة إلى البرلمان.

أما المملكة المجاورة، فقد أمضت عقدين في تحديث عمليات الاستخراج والتحويل من أجل تعظيم القيمة المضافة. والنتيجة أن تونس تراجعت إلى المرتبة الثامنة عالمياً، بحصة لا تتجاوز قليلاً 2% من الإنتاج العالمي، بعد أن تجاوزتها دول من بينها البرازيل.

الأسباب معروفة وذات طابع هيكلي: توترات اجتماعية متكررة في الحوض المنجمي بقفصة منذ 2011، نقص مزمن في الاستثمار، تقادم المعدات ووسائل النقل، واختناقات في مراحل غسل الفسفاط.

ومن الأعراض اللافتة أن عدد العاملين في شركة فسفاط قفصة ارتفع من نحو 900 موظف سنة 2010 إلى أكثر من 3000 سنة 2024، في حين انقسم الإنتاج إلى النصف. وقد التهمت كتلة الأجور القدرة على الاستثمار.

وقد قُدّرت الخسائر التي تكبدتها المنظومة، بما في ذلك المشتقات، بنحو 8 مليارات دولار خلال الفترة الممتدة من 2011 إلى 2021 فقط. ورغم أن السلطات كشفت سنة 2025 عن خطة تستهدف إنتاج 14 مليون طن بحلول سنة 2030، فإن عدة مختصين يرون أن هذا الهدف يبدو غير واقعي في ظل الوضع الحالي للمعدات.

درس مزدوج من قرار ترامب

إن الدرس الذي تقدمه هذه الخطوة الأمريكية مزدوج. فهي تظهر أولاً أن تداعيات حرب إيران لا تقتصر على النفط والغاز، بل تمتد إلى مناجم الفسفاط وتعيد رسم جغرافيا عالمية جديدة للأمن الغذائي.

لكنها، بالنسبة إلى تونس، تكشف قبل كل شيء مفارقة واضحة: ففي عالم يتحول فيه الفسفاط إلى رافعة قوة لا تقل حساسية عن الطاقة، تمتلك البلاد الكنز لكنها تركت الأفضلية تفلت من يدها.

في الرباط، تتحول الأزمة إلى فرصة. أما في تونس، فهي لا تفعل، حتى الآن، سوى التذكير بفرصة ضائعة.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة: إنتاج الفسفاط , تونس
لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا