هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل
لم تكد الزغاريد تخفت بعد. ففي العائلات التونسية، يبقى الإعلان عن نتائج الباكالوريا أحد تلك اللحظات النادرة التي يتحول فيها نجاح الابن أو الابنة إلى شأن يخص الحيّ بأكمله. دوت منبهات السيارات، ووزعت الحلويات، ونُشرت صورة كشف الأعداد.
ثم، في صباح اليوم التالي، فرض سؤال آخر نفسه بصوت خافت وأكثر ثقلاً: وماذا بعد؟
فخلف أجواء الاحتفال، تكشف أرقام هذه الدورة حقيقة أقل بهجة. فقد بلغت نسبة النجاح في الدورة الرئيسية 35.67% فقط، وهي أدنى نسبة خلال خمس سنوات، فيما سيضطر قرابة مترشحين اثنين من كل ثلاثة إلى المرور بدورة المراقبة أو إعادة المحاولة. أما الذين حصلوا على هذا المفتاح الثمين، فقد دخلوا الآن، عبر المنصة الرسمية، سباق اختيارات التوجيه الجامعي.
وهنا تبدأ المحنة الحقيقية، تلك التي لا تملك إصلاحاً نموذجياً.
ماذا نختار؟
بالنسبة إلى كثيرين، يصطدم الحلم بالمجموع. فالطب والهندسة والإعلامية تتطلب معدلات لا يحصل عليها الجميع، والابن الذي لا يظفر بالكلية أو الاختصاص الذي كان يطمح إليه يبدأ في ممارسة الضغط: الجامعة الخاصة، أو السفر إلى الخارج.
أما الآباء، فينتقلون من الفخر إلى الأرق. هل يملكون إمكانيات التعليم الخاص؟ هل يجب الاقتراض؟ وإذا أرسلوا أبناءهم إلى بلد آخر، في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، فأي عالم يرسلونهم إليه؟
في العمق، لا يكمن القلق في الاختيار بين التعليم العمومي أو الخاص أو الخارج. بل يكمن في سؤال لا يجرؤ الآباء دائماً على طرحه بصوت عالٍ: هل ما تزال الشهادة قادرة على الحماية؟
الأرقام قاسية. فقد ارتفعت بطالة حاملي شهادات التعليم العالي إلى 24.2% في بداية سنة 2026، وهي تمس قرابة خريجة من كل ثلاث. بمعنى آخر، فإن جزءاً من الذين سينجحون في دراستهم لن يجدوا عملاً في مستوى مؤهلاتهم. الباكالوريا، التي كانت في السابق وعداً بالارتقاء الاجتماعي، لم تعد تضمن شيئاً بمفردها. وهذا التحول تحديداً هو ما يثير الخوف، وليس في الأمر أي مبالغة.
ومن هنا تأتي إغراءات الرحيل.
وهنا يتشكل تناقض قاسٍ. تونس تكوّن، بكلفة عمومية باهظة، مهندسين وأطباء ومختصين في الإعلامية، ثم تراهم يغادرون نحو اقتصادات تدفع أجوراً أفضل وتعترف بالكفاءات أكثر. وتشير التقديرات إلى أن نحو 45 ألف مهندس غادروا البلاد خلال عقد واحد. ما تعيشه البلاد بوصفه نزيفاً، تعيشه دول أخرى بوصفه فرصة.
هنا يجب تفكيك الخوف دون إنكاره. نعم، أوروبا تتجه نحو التشدد: الهجرة أصبحت الموضوع السياسي الأول فيها، والأحزاب المعادية للأجانب تتقدم في معظم الاستحقاقات الانتخابية، وقواعد الإقامة والترحيل تزداد صرامة، كما أن الإسلاموفوبيا، للأسف، موثقة من خلال تمييز في التشغيل وارتفاع الأعمال العدائية في عدد من البلدان.
الأب أو الأم الذي يقلق على ابنه أو ابنته ليس مخطئاً. لكن أوروبا نفسها التي تغلق الباب أمام البعض تفرش السجاد أمام آخرين. فاستراتيجيتها الجديدة في مجال الهجرة تعلن صراحة رغبتها في استقطاب أصحاب الملفات ذات «القيمة العالية»، من باحثين وخريجي علوم وهندسة ومواهب رقمية.
بوضوح، العامل غير المؤهل يُصد، أما الخريج التونسي المتفوق فيُستقطب. هذه هي الحقيقة غير المريحة: المشكلة ليست أن أوروبا لم تعد تريدنا، بل إنها لا تريد منا إلا الأفضل، وهو بالضبط ما تحتاجه تونس أكثر من غيره.
أوروبا تجذب الكفاءات، لكنها لا توفر دائماً مجتمعاً هادئاً لمن تجذبهم، في ظل صعود الإسلاموفوبيا وكراهية الأجانب.
لكن حتى بالنسبة إلى هذه الكفاءات المطلوبة، لم يعد الوعد بالصلابة التي كان عليها سابقاً. فأوروبا التي تستقطب المواهب هي أيضاً أوروبا تشكك في مستقبلها أحياناً، ويتباطأ اقتصادها في بعض الفترات، وتبقى فيها بطالة الشباب مرتفعة، بينما يصبح سوق الشغل أكثر صعوبة في عدة قطاعات.
حتى المهندسون، الذين كان يُعتقد سابقاً أنهم شبه مضمونين في سوق العمل، يكتشفون اليوم واقعاً أكثر غموضاً: فترات انتظار طويلة بين المهام، فرص أقل، شروط أكثر صرامة، منافسة دولية، وذكاء اصطناعي يعيد تشكيل مهن القطاع الرقمي.
ما كان ينجح بالأمس، أي السفر والحصول على شهادة والاندماج في مؤسسة وبناء مسار مهني خطي، قد لا ينجح غداً بالوضوح نفسه. لذلك لم يعد خيار الخارج بالنسبة إلى العائلات التونسية مجرد رهان مالي أو هوياتي، بل أصبح أيضاً رهاناً مهنياً في عالم تضطر فيه حتى الكفاءات الأكثر طلباً إلى إعادة ابتكار نفسها باستمرار.
هل يعني ذلك أن نقرر بدلاً من العائلات؟ لا.
وكل من يدّعي امتلاك الإجابة الوحيدة إما مخطئ أو غير صادق. لقد تغير العالم أسرع من يقينياتنا، ولم يعد هناك مسار يمكن اعتباره «آمناً» بالكامل، لا العمومي، ولا الخاص، ولا الهجرة. ربما يجب إذن نقل السؤال من مكان إلى آخر. بدل أن نسأل: «أين أسجل ابني؟»، لنسأل: «لأي مستقبل أعدّه؟»؛ لكفاءة مطلوبة فعلاً، ولإتقان اللغات، وللاستقلالية، وللقدرة على النهوض من جديد، وهي قدرة ستساوي في عالم غير مستقر أكثر من أي مسمى شهادة.
وبدل أن نظل عالقين إلى الأبد بين رغبة إبقاء أبنائنا وخوف رؤيتهم يغادرون، فلنطالب بلدنا بأن يمنحهم أخيراً سبباً للعودة.
لأن السؤال الحقيقي الذي تطرحه باكالوريا 2026 لا يتعلق بتوجيه عشرات الآلاف من الناجحين فحسب. بل يتعلق ببلد يجب أن يقرر ما إذا كان يريد أن يبقى أرضاً نغادرها، أم أن يعود أرضاً نبني فيها.
هل أعجبك محتوانا؟
أضفه كمصدر مفضل على جوجل لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية