سجّل قطاع الفلاحة والصناعات الغذائية في تونس أداءً لافتًا خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، مؤكّدًا دوره المحوري في دعم الاقتصاد الوطني وتخفيف الضغوط على الميزان التجاري اذ حقق القطاع فائضًا تجاريًا بقيمة 87,1 مليون دينار موفى شهر ماي 2026، مقابل عجز بلغ 441,4 مليون دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، وفق معطيات وزارة التجارة وتنمية الصادرات.
وعكس هذا التحول الإيجابي قدرة القطاع على تعزيز موارد البلاد من العملة الأجنبية في ظرف اقتصادي دولي يتسم بتقلبات الأسواق وارتفاع كلفة التوريد وتنامي التوترات الجيوسياسية. كما ارتفعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات إلى 101,9 بالمائة، بزيادة بلغت 12 نقطة مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضية، وهو مؤشر يعكس تحسنًا ملموسًا في قدرة القطاع على تمويل وارداته ذاتيًا دون الضغط على الاحتياطات الخارجية.
ويكتسي هذا التطور أهمية استثنائية بالنسبة للاقتصاد التونسي، خاصة في ظل استمرار العجز التجاري الإجمالي مع العديد من الشركاء الاقتصاديين والمناطق الجغرافية فبينما سجلت تونس عجزًا تجاريًا مع الدول الآسيوية بقيمة 6671,4 مليون دينار، وعجزًا مع منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية “زليكاف” بلغ 2679,8 مليون دينار، يبرز قطاع الفلاحة والصناعات الغذائية كأحد القطاعات القليلة القادرة على توفير فائض فعلي يساهم في تعديل الاختلالات الخارجية.
زيت الزيتون يدعم مكانة تونس في الأسواق الدولية
استند الأداء الإيجابي للقطاع أساسًا إلى النتائج الاستثنائية لصادرات زيت الزيتون، الذي واصل لعب دور “القاطرة التصديرية” للاقتصاد الفلاحي التونسي حيث ارتفعت قيمة صادراته بنسبة 43,9 بالمائة لتبلغ 3047,8 مليون دينار خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026، بالتوازي مع زيادة الكميات المصدرة بنسبة 49,8 بالمائة.
ويعكس هذا التطور استفادة تونس من تحسن الطلب العالمي على زيت الزيتون ومن ارتفاع تنافسية المنتج التونسي في الأسواق الخارجية. كما تؤكد الأرقام استمرار الأسواق الأوروبية في استيعاب الجزء الأكبر من هذه الصادرات، اذ استحوذت إسبانيا وحدها على 31,4 بالمائة من صادرات زيت الزيتون التونسي، في حين سجلت ألمانيا زيادة طفيفة بنسبة 0,5 بالمائة.
وتكتسب هذه النتائج أهمية مضاعفة بالنظر إلى أن تونس تعد من بين أكبر منتجي ومصدري زيت الزيتون في العالم، حيث تتراوح مساهمتها في بعض المواسم بين 8 و12 بالمائة من الإنتاج العالمي، بينما تحتل بانتظام مراتب متقدمة ضمن أكبر المصدرين عالميًا، وهو ما يجعل هذا المنتج الاستراتيجي مصدرًا رئيسيًا للعملة الأجنبية ودعامة أساسية للميزان التجاري الغذائي.
نحو تنويع القاعدة التصديرية
أظهرت المعطيات في المقابل وجود تفاوت في أداء بعض المنتجات الفلاحية والغذائية الأخرى، فقد تراجعت صادرات التمور بنسبة 3,5 بالمائة لتستقر عند 379,1 مليون دينار، رغم استمرارها في تمثيل 20,5 بالمائة من إجمالي صادرات القطاع. كما شهدت صادرات القوارص انخفاضًا حادًا بلغ 60,2 بالمائة خلال الفترة نفسها.
وتبرز هذه الأرقام الحاجة إلى توسيع القاعدة التصديرية للقطاع وعدم الاكتفاء بالاعتماد المكثف على زيت الزيتون ذلك ان تنويع الأسواق الخارجية والمنتجات المصدرة يمثل أحد أهم شروط استدامة الفائض التجاري الغذائي وتقليص المخاطر المرتبطة بتقلبات الأسعار الدولية أو التغيرات المناخية التي قد تؤثر على إنتاج بعض السلاسل الفلاحية.
كما يفرض هذا الواقع تسريع الاستثمار في الصناعات الغذائية ذات القيمة المضافة المرتفعة، بما يسمح بتحويل جزء أكبر من الإنتاج الفلاحي محليًا قبل تصديره، وهو ما يرفع العائدات التصديرية ويخلق مواطن شغل إضافية ويعزز الاندماج بين الفلاحة والصناعة.
الأمن الغذائي والسيادة الاقتصادية
يتجاوز دور الفلاحة والصناعات الغذائية مجرد تحقيق الإيرادات التصديرية ليشمل المساهمة المباشرة في تعزيز الأمن الغذائي الوطني، فكلما ارتفعت القدرة الإنتاجية المحلية وتحسنت مردودية القطاع، تقلصت الحاجة إلى التوريد وازدادت قدرة البلاد على مواجهة الصدمات الخارجية.
وتكتسب هذه المسألة أهمية متزايدة بعد الأزمات المتلاحقة التي شهدتها الأسواق العالمية خلال السنوات الأخيرة، سواء بسبب جائحة كوفيد-19 أو الحرب في أوكرانيا أو اضطرابات سلاسل الإمداد الدولية، وهي أحداث كشفت هشاشة النماذج الاقتصادية المعتمدة بشكل مفرط على الواردات الغذائية.
وفي هذا السياق، تعمل تونس على تحقيق توازن دقيق بين تعزيز الصادرات من المنتجات التي تمتلك فيها مزايا تنافسية واضحة، مثل زيت الزيتون والتمور والخضر والغلال، وبين ضمان تزويد السوق المحلية بالمنتجات الأساسية بأسعار مقبولة.
وتسعى السياسات العمومية في السنوات الأخيرة إلى دعم الإنتاج المحلي للحد من الاعتماد على التوريد، خاصة بالنسبة للمنتجات الغذائية الأساسية. ويشمل ذلك تشجيع الاستثمار الفلاحي، وتطوير أنظمة الري وترشيد استهلاك المياه، وتحسين الإنتاجية الزراعية، وتوسيع استخدام التكنولوجيا الحديثة في مختلف مراحل الإنتاج والتخزين والتسويق.
كما تراهن تونس على تعزيز الشراكات الاقتصادية مع الاتحاد الأوروبي والأسواق الأمريكية والإفريقية بهدف فتح منافذ جديدة أمام المنتجات الفلاحية والغذائية التونسية. وتكتسي هذه الشراكات أهمية خاصة بالنظر إلى الوزن الكبير للاتحاد الأوروبي الذي استحوذ على 71,5 بالمائة من إجمالي الصادرات التونسية و44,2 بالمائة من الواردات.
وقد أفرزت المبادلات التجارية مع الاتحاد الأوروبي فائضًا بقيمة 3086,1 مليون دينار، بعد بلوغ الصادرات التونسية نحو هذا الفضاء الاقتصادي 20131,8 مليون دينار مقابل واردات بقيمة 17045,7 مليون دينار، بما يؤكد أهمية الشراكة الأوروبية في دعم التوازنات الخارجية للبلاد.
دعم أكبر للفاعلين الاقتصاديين
يفرض الحفاظ على الديناميكية الإيجابية للقطاع مواصلة الجهود الرامية إلى دعم الفلاحين والمؤسسات الغذائية والمصدرين. ويشمل ذلك تحسين النفاذ إلى التمويل، وتطوير البنية التحتية اللوجستية، وتحديث منظومات التخزين والتبريد والنقل، إضافة إلى تعزيز برامج الإحاطة الفنية والرقمنة والابتكار.
كما يستوجب الأمر ترشيد الواردات الغذائية التي يمكن تعويضها بالإنتاج المحلي، وتشجيع الاستثمارات في الصناعات التحويلية الغذائية، وتكثيف الترويج التجاري للمنتجات التونسية في الأسواق الواعدة، خاصة في إفريقيا وآسيا وأمريكا الشمالية.
وتؤكد المؤشرات المسجلة إلى موفى ماي 2026 أن قطاع الفلاحة والصناعات الغذائية لم يعد مجرد قطاع إنتاجي تقليدي، بقدر ما أصبح يمثل أحد أهم أدوات السياسة الاقتصادية الكلية في تونس فمن خلال مساهمته في توفير العملة الأجنبية، ودعم الميزان التجاري، وتعزيز الأمن الغذائي، وتطوير الشراكات الاقتصادية الدولية، يواصل هذا القطاع ترسيخ مكانته كأحد الأعمدة الرئيسية لتحقيق نمو أكثر توازنًا واستدامة في السنوات المقبلة.
لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب
المصدر:
الرقمية