آخر الأخبار

فسفاط قفصة : خطة لإنقاذ قطاع تحت ضغط التحديات

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

يشكّل قطاع الفسفاط أحد الأعمدة التاريخية للاقتصاد التونسي ومصدراً رئيسياً للعملة الاجنبية والاستثمارات الصناعية، غير أنّه يمر منذ أكثر من عقد بمرحلة معقدة اتسمت بتراجع الإنتاج وتدهور المؤشرات المالية وارتفاع الضغوط التشغيلية.

وفي هذا السياق، تبرز الاستراتيجية الجديدة التي تعمل شركة فسفاط قفصة على إعدادها كأحد أبرز مشاريع الإنعاش الصناعي في تونس، إذ تستهدف رفع إنتاج الفسفاط التجاري إلى 9.4 ملايين طن بحلول سنة 2035 عبر استثمارات تناهز 2.7 مليار دينار، في خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموقع القطاع ضمن أولويات التنمية الاقتصادية الوطنية .

قطاع استراتيجي يعيش وتحديات متراكمة

يمثل الفسفاط أحد أهم الموارد الطبيعية التي تمتلكها تونس، حيث كانت البلاد تحتل لسنوات طويلة مراتب متقدمة ضمن كبار المنتجين والمصدرين عالمياً. وقد بلغ الإنتاج الوطني قبل سنة 2011 مستويات قاربت 8 ملايين طن سنوياً، فيما تجاوزت عائدات القطاع في بعض السنوات 3 مليارات دينار، مساهماً بشكل مباشر في دعم ميزان المدفوعات وتمويل الواردات وتعزيز احتياطي النقد الأجنبي .

غير أنّ القطاع شهد خلال السنوات الماضية تراجعاً حاداً نتيجة تعاقب الاضطرابات الاجتماعية وتعطل سلاسل النقل وضعف الاستثمار وتفاقم الإشكاليات التشغيلية، ليتراجع الإنتاج إلى مستويات تقل أحياناً عن نصف القدرات المتاحة. كما انعكس هذا الوضع على المجمع الكيميائي التونسي، الذي يعتمد بشكل أساسي على الفسفاط المستخرج من مناجم قفصة لتصنيع الأسمدة ومشتقات الفسفاط الموجهة للأسواق المحلية والخارجية .

وتؤكد المعطيات المقدمة أمام لجنة المالية والميزانية بالمجلس الوطني للجهات والأقاليم أن الصعوبات لم تعد ظرفية فحسب، بقدر ما أصبحت ذات طابع مالي وهيكلي يستوجب مقاربة إصلاحية شاملة تأخذ بعين الاعتبار مختلف حلقات منظومة الفسفاط، من الاستخراج إلى التحويل والتصدير .

استثمارات ضخمة لمضاعفة الإنتاج

تسعى شركة فسفاط قفصة إلى تنفيذ رؤية طويلة المدى تستهدف رفع الإنتاج التجاري تدريجياً إلى 5 ملايين طن سنة 2028 ثم إلى 9.4 ملايين طن في أفق 2035، وهو مستوى من شأنه أن يقترب من الطاقات التي كان القطاع يحققها قبل أكثر من عقد .

وتكشف هذه الأهداف عن حجم الرهان الاقتصادي المطروح، خاصة وأن العرض المقدم خلال جلسة الاستماع أشار إلى أن الإنتاج المنتظر خلال سنة 2026 سيبلغ نحو 4.5 ملايين طن، ما يعني أن الشركة تخطط لمضاعفة الإنتاج تقريباً خلال العقد المقبل .

وتعكس الاستثمارات المبرمجة، المقدرة بنحو 2.7 مليار دينار، توجهاً نحو تحديث البنية الإنتاجية وتجديد المعدات وتحسين البنية اللوجستية ورفع مردودية الاستغلال المنجمي. كما تندرج هذه الاستراتيجية ضمن رؤية أوسع تهدف إلى استعادة مكانة تونس في سوق الفسفاط العالمية التي تشهد منافسة متزايدة من منتجين كبار مثل المغرب والصين والسعودية والأردن .

وتكتسي هذه الخطة أهمية مضاعفة في ظل ارتفاع الطلب العالمي المتوقع على الأسمدة الفسفاطية نتيجة تنامي الاحتياجات الغذائية العالمية والتوسع الفلاحي في العديد من الاقتصادات الناشئة .

اختناقات النقل والمياه ونقص المدخلات الصناعية

تبرز المعطيات المقدمة من قبل مسؤولي الشركة أن التحدي يشمل توفير التمويلات من جهة، ومعالجة مجموعة من الاختناقات الهيكلية التي تحد من تطور الإنتاج، من جهة اخرى .

وتأتي إشكاليات النقل الداخلي والسكك الحديدية في مقدمة هذه التحديات، حيث تؤثر محدودية القدرة اللوجستية على انسيابية نقل الفسفاط بين مواقع الإنتاج ووحدات التحويل وموانئ التصدير. كما يؤدي تراجع جاهزية شبكة النقل الحديدي إلى ارتفاع التكاليف التشغيلية وإطالة آجال التسليم .

وتواجه الشركة كذلك ضغوطاً متزايدة مرتبطة بندرة الموارد المائية المخصصة لغسل الفسفاط، في ظل التغيرات المناخية وتفاقم الإجهاد المائي الذي تعيشه تونس. وقد دفع ذلك إلى طرح خيارات جديدة تعتمد بصورة أكبر على المياه المعالجة وتطوير حلول أكثر استدامة لاستهلاك المياه الصناعية .

تضاف إلى ذلك إشكاليات التزود بمادة الأمونيتر الضرورية للصناعات الفسفاطية، فضلاً عن محدودية التأطير وعدم ملاءمة جزء من الموارد البشرية مع المتطلبات التقنية الجديدة، وهو ما يفرض برامج تحديث وتكوين مستمرة لضمان رفع الإنتاجية وتحسين الأداء .

إجراءات عاجلة لاستعادة التوازن المالي

تعمل شركة فسفاط قفصة بالتوازي مع إعداد استراتيجيتها طويلة المدى على تنفيذ حزمة من الإجراءات الاستعجالية الهادفة إلى تخفيف الضغوط المالية وتحسين السيولة .

وتشمل هذه الإجراءات توفير خطوط تمويل لتغطية حاجيات الخزينة ودعم الموارد الذاتية عبر تسريع نسق التصدير وجدولة الديون المتراكمة، إضافة إلى تعزيز النقل بالشاحنات على محور الرديف – قابس – الصخيرة كحل مرحلي لتجاوز بعض الاختناقات اللوجستية .

كما تستهدف الإجراءات المقترحة مكافحة الربط العشوائي على قنوات المياه الصناعية وضمان استمرارية التزود بمادة الأمونيتر وتكوين مخزونات احتياطية منها، بما يحد من مخاطر توقف النشاط الإنتاجي .

وتكتسب هذه الإجراءات أهمية خاصة بالنظر إلى الضغوط التي تواجهها المؤسستان جراء ارتفاع الأعباء المالية وتراكم الفوائد، وهو ما أثر على قدرتهما الاستثمارية وعلى مساهمتهما التنموية في المناطق المنجمية .

هذا ويمثل المجمع الكيميائي التونسي الحريف الرئيسي لشركة فسفاط قفصة والركيزة الصناعية الأساسية لمنظومة تثمين الفسفاط في تونس. وتضم المؤسسة سبع وحدات لإنتاج الحامض الفسفوري وثلاثي الفسفاط الرفيع وأحادي الفسفاط الرفيع ومادة الأمونيتر، ما يجعلها أحد أكبر المجمعات الصناعية في البلاد .

غير أن تراجع إنتاج الفسفاط الخام وانخفاض نسب استغلال وحدات الإنتاج وأزمة السيولة وتقادم المعدات أدت إلى تراجع كميات الفسفاط المحولة وإلى ارتفاع الأعطال والتوقفات غير المبرمجة .

ولمعالجة هذه الوضعية، يرتكز برنامج إعادة الهيكلة على إعادة جدولة القروض البنكية وتسوية ديون المزودين العموميين وإنجاز عمليات الصيانة الضرورية وتحسين جاهزية الوحدات الصناعية، إلى جانب التسريع في إنجاز مشروع “المظيلة 2” الذي يمثل أحد المشاريع المحورية لتعزيز طاقات التحويل .

يفرض إنقاذ قطاع الفسفاط، وفق ما خلصت إليه النقاشات، تجاوز المعالجات الظرفية نحو إصلاحات أعمق تشمل الحوكمة والتمويل والاستثمار والتثمين الصناعي .

ويبرز في هذا الإطار توجه نحو توحيد الحوكمة بين شركة فسفاط قفصة والمجمع الكيميائي التونسي بهدف تحسين التنسيق ورفع الكفاءة التشغيلية. كما يتعزز الاهتمام بتطوير المنتجات ذات القيمة المضافة العالية عوض الاقتصار على تصدير المواد الأولية، بما يسمح بتحسين العائدات وتعزيز القدرة التنافسية في الأسواق الدولية .

ويظل نجاح هذه الرؤية مرتبطاً بقدرة مختلف المتدخلين على تنفيذ برنامج إصلاحي واقعي ومتدرج يجمع بين إعادة التوازنات المالية وتحديث البنية الإنتاجية وتحسين المناخ الاجتماعي. وإذا ما تم تحقيق الأهداف المرسومة، فإن قطاع الفسفاط يمكن أن يستعيد تدريجياً موقعه كأحد أهم محركات النمو والصادرات والاستثمار في تونس، وأن يعود مجدداً إلى لعب دوره التاريخي كقاطرة للاقتصاد الوطني في مرحلة تتزايد فيها الحاجة إلى مصادر مستدامة للنمو وخلق الثروة .

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك

الأكثر تداولا اسرائيل أمريكا إيران لبنان

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا