آخر الأخبار

أصول كوفيد : ما الذي تثبته فعلاً الاتهامات الموجهة إلى فاوتشي؟

شارك
Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

في آخر يوم لها على رأس الاستخبارات الأمريكية، فجّرت تولسي غابارد قنبلة سياسية: أنتوني فاوتشي، بحسب اتهامها، موّل أبحاثاً «خطيرة» تسببت في اندلاع الجائحة، ثم ضلّل الكونغرس.

أنتوني فاوتشي عالم مناعة وباحث أمريكي ذائع الصيت عالمياً، تولّى إدارة المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية من سنة 1984 إلى 2022. ويُعدّ من أبرز وجوه الصحة العامة في الولايات المتحدة، حيث قدّم المشورة لسبعة رؤساء أمريكيين في مواجهة أزمات صحية كبرى.

اتهام مدوٍّ… لكن أين تنتهي الوقائع وأين تبدأ السياسة؟ بعد خمس سنوات، هذا هو الوضع الحقيقي، فرضيةً تلو أخرى، للغز ما يزال بلا حل.

الخطوة اللافتة لرئيسة استخبارات في طريقها إلى المغادرة

أحدث التصريح دوياً واسعاً. ففي 19 جوان، وفي ما قدّمته على أنه آخر يوم لها كمديرة للاستخبارات الوطنية، نشرت تولسي غابارد وثائق رفعت عنها السرية، قالت إنها تثبت أن الدكتور أنتوني فاوتشي أنفق ملايين الدولارات من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتمويل أبحاث «خطيرة» في مجال اكتساب الوظيفة داخل مختبر ووهان، وأنه عمل مع عناصر مسيّسة داخل أجهزة الاستخبارات للتغطية على الحقيقة، كما كذب أمام الكونغرس تحت القسم سنة 2024.

وذهب البيان الرسمي لمكتب مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية إلى حد وصف هذه الأبحاث بأنها «تُعد الآن على نطاق واسع مصدر التسرب العرضي من المختبر الذي تسبب في اندلاع الجائحة»، متحدثاً أيضاً عن مبلّغين تعرضوا لأعمال انتقامية.

الأمر مثير بلا شك. لكنه، في جوهره، اتهام سياسي أكثر منه خلاصة علمية محسومة. ولا بد من تثبيت نقطة أساسية منذ البداية: اتهام فاوتشي بالكذب تحت القسم شديد الانفجار سياسياً، لكن من الناحية القانونية لم تصدر، إلى حد الآن، أي إدانة بحقه بتهمة الحنث باليمين. فلنفكك المسألة.

يقوم جزء من الملف على وقائع ثابتة. فمنذ سنة 2021، أشار نواب أمريكيون إلى أن المعاهد الوطنية للصحة منحت سنة 2014 تمويلاً لمنظمة EcoHealth Alliance غير الحكومية لدراسة فيروسات كورونا لدى الخفافيش، وقد حُوّل جزء من هذه الأموال إلى معهد ووهان لعلم الفيروسات. غير أن فاوتشي كان قد أدلى، في ماي 2021، بشهادة تحت القسم أكد فيها أن «المعاهد الوطنية للصحة لم تموّل ولا تموّل» أبحاث اكتساب الوظيفة في معهد ووهان.

إذن، فإن انتقال هذا التمويل إلى ووهان أمر حقيقي. لكن سؤالين يظلان مفتوحين ومحل خلاف حاد: هل كانت هذه الأبحاث تندرج تقنياً ضمن «اكتساب الوظيفة»؟ فالتعريف نفسه مثار جدل بين الخبراء. والأهم: هل أنتجت هذه الأبحاث فيروس SARS-CoV-2؟ في هذه النقطة تحديداً، لا توجد أي أدلة ثابتة. وقد نفى فاوتشي دائماً ارتكاب أي مخالفة.

الفرضيات: مساران محتملان، لكنهما غير متكافئين

بعد خمس سنوات، لا يوجد أي دليل نهائي يسمح بالحسم. وتظل فرضية انتقال الفيروس من الحيوان إلى الإنسان هي الأكثر دعماً بالمعطيات العلمية المتاحة، في حين تبقى فرضية التسرب من المختبر مطروحة بوصفها احتمالاً جدياً لدى عدة وكالات استخبارات أمريكية.

الفرضية الأولى — انتقال حيواني المنشأ، عبر سوق ووهان. هذا هو التفسير الغالب لدى علماء الفيروسات. ووفق هذه الفرضية، انتقل الفيروس من الخفاش إلى الإنسان عبر حيوان وسيط لم يتم تحديده رسمياً، كان موجوداً في سوق هوانان. فقد تركزت أولى الإصابات حول هذا السوق، كما تجمعت العينات البيئية الإيجابية لفيروس SARS-CoV-2 في الزاوية التي كانت تُباع فيها الحيوانات. وأقرب فيروس كورونا معروف لدى الخفافيش لا يتشابه معه إلا بنسبة 96%، ما يعني حدوث تحور لدى عائل وسيط قبل انتقال العدوى إلى الإنسان.

الفرضية الثانية — التسرب من المختبر، أي من معهد ووهان لعلم الفيروسات. تبقى هذه الفرضية جدية وليست ضرباً من الخيال. ولا تقوم الفكرة على أن الفيروس «صُنع بالكامل»، بل على احتمال أن يكون فيروس كورونا طبيعياً مصدره الخفافيش قد عُدّل داخل المختبر عبر تقنيات اكتساب الوظيفة، ثم تسرّب. فحوادث التسرب من المختبرات موثقة تاريخياً، كما حدث مع إنفلونزا 1977، والجمرة الخبيثة في سفيردلوفسك سنة 1979، وحالات سارس سنة 2003. كما أن قرب معهد ووهان، الذي كان يعمل تحديداً على هذه الفيروسات، يغذي هذا المسار.

فرضيات هامشية. هناك مسارات أخرى متداولة، لكنها تُعد ضعيفة أو غير مدعومة بما يكفي. فالصين تدافع عن فرضية «سلسلة التبريد»، أي أن الفيروس دخل عبر أسماك مجمدة مستوردة، ما يعني أن منشأه خارج ووهان. كما تتحدث تقارير مثيرة للجدل عن وجود الفيروس في إيطاليا أو فرنسا أو البرازيل قبل ديسمبر 2019. غير أن هذه الفرضيات ما تزال هشة.

ماذا تقول المؤسسات؟

على مستوى الصحة العالمية، يميل التقييم إلى جهة معينة من دون إغلاق الباب أمام بقية الفرضيات. فقد خلصت المجموعة الاستشارية العلمية التابعة لمنظمة الصحة العالمية إلى أنه في سنة 2025، «يرجّح وزن الأدلة المتاحة» انتقالاً حيواني المنشأ، إما مباشرة من الخفافيش أو عبر عائل وسيط، مع التأكيد في الوقت نفسه على ضرورة إبقاء كل الفرضيات مطروحة، بما في ذلك التسرب من المختبر.

وبناءً على ذلك، فإن فرضية المنشأ الحيواني هي، في هذه المرحلة، الأكثر دعماً بالمعطيات المتاحة في نظر منظمة الصحة العالمية، لكنها غير مثبتة بشكل نهائي. أما فرضية التسرب من المختبر، فتبقى مفتوحة وجدية، لكنها غير مثبتة.

أما على مستوى الاستخبارات الأمريكية، فالصورة أقرب إلى الفوضى، وهذا أمر جوهري لتقييم إعلان غابارد. فمكتب التحقيقات الفيدرالي يرجح فرضية التسرب من المختبر، وكذلك فعلت لجنة فرعية في الكونغرس في أواخر سنة 2024.

أما وكالة الاستخبارات المركزية، فالفارق في الصياغة مهم جداً: فقد مالت إلى اعتبار الأصل المختبري «أكثر احتمالاً»، لكن بدرجة «ثقة منخفضة»، مع استمرارها في اعتبار السيناريوهين، المختبري والطبيعي، ممكنين. بمعنى آخر، لا تعتبر الوكالة أن الملف أُغلق. والأهم أن الرئيس ترامب أعلن أن المنشأ كان بوضوح تسرباً من مختبر ووهان، رغم أن تقييمات أجهزته الاستخباراتية نفسها منقسمة وغير محسومة.

لذلك، فإن «اليقين» الذي يُكرَّر سياسياً يذهب أبعد مما تتحمله أجهزة الاستخبارات نفسها.

نقطة الخلاف الحقيقية: البيانات التي تحتفظ بها الصين

إذا كان اللغز مستمراً، فذلك يعود أولاً إلى غياب الوصول إلى المعطيات. وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الصين لم تشارك التسلسلات الجينية لـ508 عينات أُخذت من مرضى في ووهان مطلع سنة 2020، ولا المعلومات «الأولية» بشأن مزارع التربية التي كانت تزوّد الأسواق. وقد دعت المنظمة مجدداً الصين، وكل بلد يمتلك معلومات مفيدة، إلى مشاركتها.

وهذا استنتاج تتقاسمه الأبحاث العلمية أيضاً: فمن المفترض أن يكون من الممكن تأكيد فرضية المختبر أو استبعادها عبر معلومات معهد ووهان، إن كانت موجودة. وما دامت الصين لا تشارك كامل البيانات الخام المتاحة حول الحالات الأولى، والعينات، ومزارع التزويد، وأنشطة معهد ووهان، فسيبقى التحقيق ناقصاً.

لماذا تتجاوز هذه القضية فاوتشي؟

في العمق، يعكس ملف غابارد معركة سياسية حول العلم أكثر مما يكشف حقيقة علمية. فقضية منشأ الفيروس ليست أكاديمية فقط؛ إنها تمس الجغرافيا السياسية، ومسؤولية الدول، ونزاهة التعاون العلمي العالمي، في ظل تضارب تصريحات الحكومات والوكالات.

وبالنسبة إلى القارئ التونسي وما بعده، فإن الدرس كوني: عندما يتحول العلم إلى رهان للسلطة، تضيع الحدود بين الحقيقة المثبتة، والفرضية المعقولة، وسلاح الاتصال السياسي، وتكون ثقة الرأي العام هي التي تدفع الثمن.

فهل «كشفت» تولسي غابارد أصل كوفيد؟ لا. لقد أعادت، عبر وثائق وتوقيت سياسيين، إطلاق اتهام خطير لكنه غير مثبت.

ما هو صحيح: الأموال الأمريكية وصلت فعلاً إلى أبحاث في ووهان، وفرضية التسرب من المختبر تعتبرها عدة وكالات احتمالاً وارداً. وما هو خاطئ أو سابق لأوانه: تقديم هذه الفرضية على أنها حقيقة مؤكدة، في حين ترى منظمة الصحة العالمية أن فرضية المنشأ الحيواني أكثر دعماً بالأدلة، بينما لا تتقدم وكالة الاستخبارات المركزية نفسها إلا بدرجة «ثقة منخفضة».

بعد خمس سنوات، تظل الإجابة الأكثر صدقاً هي الأكثر إزعاجاً: لا نعرف. وما لم تفتح الصين أرشيفها، فقد لا نعرف أبداً.

احصل على النشرة الإخبارية اليومية لـ تونسي رقمية مجانًا

يرجى ترك هذا الحقل فارغا

لقد اشتركت بنجاح في نشرتنا الإخبارية.

Facebook Twitter LinkedIn WhatsApp

لمتابعة كلّ المستجدّات في مختلف المجالات في تونس
تابعوا الصفحة الرّسمية لتونس الرّقمية في اليوتيوب

مواضيع ذات صلة:
الرقمية المصدر: الرقمية
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا